سمرقند

سمرقند هي أعرق مدن آسيا الوسطى، و هي من المدن الموغلة في عمق التاريخ، و إذا ذكرت المدن العريقة، تذكر سمرقند جنباً إلى جنب مع بابل و روما، غزاها الاسكندر المقدوني، و جنگيز خان، و فتحها المسلمون، و اتخدها تيمور لنگ عاصمة له، و أسرف في بنائها و تزيينها، حتى غدت في عهد دولته درة مدائن الأرض، و أنجبت العديد من العلماء، و منهم حفيد تيمور لنگ: ميرزا أولوغ بيگ، و الذي بنى فيها مرصداً فلكياً لم يكن له مثيل في العالم، و لا يزال ميدان ريگستان اليوم شاهداً على ذلك. و أصبحت قبلة للعلماء و المثقفين، خرج إليها الإمام البخاري بعد أن واجه العنت من أهل مدينته بخارى، فعاش فيها و نشر فيها علمه، إلى أن توفاه الله في إحدى قراها. و في كتاب “القند في ذكر علماء سمرقند” للعلامة نجم الدين عمر بن محمد النسفي السمرقندي ذكر ما يربو على ألف من علماء الإسلام من أهل سمرقند. ذكرها ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان” بقوله: “ليس في الأرض مدينة أنزه و لا أطيب مستشرفاً من سمرقند”. قال عنها أمين معلوف في روايته المسماة باسمها:”سمرقند، أجمل وجه أدارته الأرض يوماً نحو الشمس”. أما عطاء الملك الجويني حاكم بغداد من قبل المغول فيقول “سمرقند أعظم بقاع مملكة السلطان مساحة و أطيبها ربوعاً، و قديماً قالوا: أنزه جنان الله أربع، و سمرقند أطيبها“. منحت العديد من الألقاب، فهي يوماً “جوهرة الإسلام” و مرة “مرآة العالم”. كانت من أهم محطات طريق الحرير الذي كان عصب اقتصاد العالم.أكتب لكم عن سمرقند على لسان موفد ملك اسپانيا إلى تيمور لنگ، و الذي ساقته أقداره إلى سمرقند فمكث فيها مدة من الزمن، وصف لنا الأجواء في تلك المدينة الرائعة، و فصل لنا عن إبداع تيمور لنگ في عاصمة إمبراطوريته، و جوهرة ملكه.

يقول السفير روي گونزالز دي كلاڤيو عن سمرقند “إن غنى و ترف هذه العاصمة و مقاطعاتها لأعجوبة تستحق التأمل، و لذك تحمل اسمها؛ سمرقند، و إذا رجعت إلى أصل الاسم فإنه يجب أن يكتب “سيمز كِنت”، و هما كلمتان تشيران إلى غنى المدينة، لأن معنى “سيمز” في التركية السمين أو الغني، وكلمة “كِنت” تعني المدينة، و مع الزمن تحول اسمها إلى سمرقند”.و ما ساق السفير الاسپاني إلى سمرقند هو رسالة بعث بها الملك الاسپاني هنري الثالث إلى الأمير تيمور، فقطع ما يقارب ستة آلاف ميل خلال خمسة عشر شهراً، ليصل إلى مدينة شرقية لم يتوقع أن تكون أكبر من اشبيلية، حيث كان عدد أهالي سمرقند مئة و خمسين ألف نسمة. دخل إلى سمرقند من ضواحيها، حيث يذكر أنها تشبه مدناً فخمة بنيت حول سمرقند، و زينت بالحدائق و الأعناب، و سميت كل ضاحية من هذه الضواحي باسم مدينة غزاها الأمير تيمور، فهنا بغداد، و هنا دمشق، و تلك القاهرة، و حولها شيراز، و بعدها السلطانية. كانت أول مقابلة لروي گونزالز دي كلاڤيو مع تيمور لنگ في إحدى حدائقه الغناء، و التي سماها “باغ ديل كوشا”، و هو اسم فارسي معناه “حديقة بهجة القلب”. و بنيت هذه الحديقة باشراف مباشر من تيمور لنگ بمناسبة زواجه من ابنة سلطان مغولستان؛ الأميرة توكال خانم بنت الخان خضر خوجة.

و وصف دي كلاڤيو لسمرقند لا مثيل له، فهو يعد خمسة عشر أو ستة عشر حديقة قي سمرقند، و بالكاد يستطيع أن يصدق ما يراه، فقد بهرته حتى الأسامي، فهذه الحديقة اسمها “الجنة”، و هذه “مفخرة العالم”، و تلك “الحديقة السامية”، و لكل حديقة قصر، و مروج، و جداول رقراقة، و بحيرات و بساتين، و عرائش و ورود.  و من الحدائق “حديقة الميدان” و التي تحوي قصري الأربعين عاموداً ذي الطابقين.  و هناك حديقة “باغ چنار” حيث شاهد دي كلاڤيو قصراً مهيباً في طور البناء، و منها انتقل إلى “باغ نو” أو “الحديقة الجديدة”، حيث أنها محدودة بين أربعة أبراج، يصل بين كل برجين سور شاهق الارتفاع، طول كل جهة منه ميل، و في وسط الحديقة بستان، و في وسط البستان قصر. يقول دي كلاڤيو “إن هذا القصر، مع حديقته الكبيرة هو أبدع قصر زرته إلى اليوم، و هو مزين بقطع من الذهب و البلاط الأزرق، هو الأفخم على الإطلاق”. و قد زين هذا القصر من الداخل بمنحوتات من الرخام، و غطيت الأرضيات بفسيفساء من خشب الأبنوس و العاج. و يروي الحفيد الأعظم لتيمور، بابر شاه مؤسس الإمبراطورية المغولية في الهند، أن الآيات القرآنية التي زينت بها مداخل القصر، يمكن أن تقرأ من على بعد ميلين.

و من أنفس حدائق الأمير تيمور، حديقته الشمالية، و التي بناها بين عامي ١٣٩٦ و ١٣٩٨، و استخدم في تعميرها أفضل المواد، و أحسن الحرفيين من أنحاء مملكته، فقد استورد الرخام لقصره من تبريز، وجلب الفنانين و الرسامين من بلاد فارس، و كانوا تحت إشراف مباشر من عبدالحي، و هو أحد من استجلبهم تيمور من بغداد إبان غزوها عام ١٣٩٣ ليستعملهم في بناء سمرقند. و لم يكن ما يدهش دي كلاڤيو هو جمال الحدائق و القصور فقط، و إنما حجمها المهول، ففي إحدى فترات استراحة الأمير تيمور في سمرقند، و التي استمترت لعامين بنى فيها حديقة عظيمة اسماها “تختة قاراچا”، و يذكر ابن عربشاه، أحد المؤرخين المناوئين للأمير تيمور، أن أحد العاملين في هذه الحديقة فقد فيها فرسه، و لم يستطع أن يجده إلا بعد ستة أشهر.

المراجع:

ياقوت الحموي، معجم البلدان.
نجم الدين النسفي، القند في علماء سمرقند.
Justin Marozzi, Tamerlane: Sword of Islam, Conqueror of The World

بواسطة عبدالعزيز عزيز

طيار سعودي ومدوّن في شؤون البخارية وتركستان