داملا هندستاني – الحج والعودة إلى الديار

خلال تلك الأحداث كان محمدجان بعيداً عن الوطن، فقد قضى فترة في أفغانستان، و من ثم الهند. و في أواسط العشرينات من القرن العشرين كان هندستاني قد اقترب من نهاية تحصيله العلمي في أجمير، و انغمس في أسلوب الحياة الهندي حتى أعجب بطعامهم و أصبح يتحدث بلسانهم، و تأقلم مع جوهم الحار. و وجد محمدجان نفسه مهتماً بمجالات جديدة، فدرس علم الحيوان، و الفلك، و الرياضيات، و تعلم لعب الشطرنج بمهارة فائقة، و تعلم مباديء الصيدلة، و أصبح يحضر خلطات دوائية لأعشاب لا يوجد لها مثيل في بخارى. و في العام ١٩٢٧ بدأ سنته الأخيرة في جامعته، و هذه السنة هي السنة العاشرة التي لم ير فيها أهله و لم يروه، و لم تكن له أي وسيلة اتصال بهم، و لم يكونوا يعرفون مكانه، و بدا و كأنه قد استسلم لقدره الجديد بالعيش كهندي، فهو يجيد اللغة، و يلبس لباسهم و يتصرف مثلهم.

و في ذات يوم شعر بالاعياء و التعب بعد انهماكه في الدراسة، فأخذ بنصيحة الطبيب و وضع كتبه جانباً و بدأ بالمشي في وسط المدينة ليروح عن نفسه، و أخذته قدماه إلى محطة القطار حيث وصل قطار للتو، و قد كانت أجمير محطة يتوقف فيها الحجاج القادمون من آسيا الوسطى في طريقهم إلى مكة، و أخذ محمدجان يتمعن في وجوه الحجاج لعله يجد من يسأله عن أحوال البلاد، و قد ساعده الحظ بملاحظة ثلاثة من الأوزبك، حيث من السهل التعرف على وجوههم و ملبسهم، و قفز بسرعة إلى عربتهم ليسألهم عن الأخبار. و قد علت الدهشة وجوه الشيوخ الثلاثة من هذا الهندي الذي يتحدث بلغتهم و يسألهم عن أحوال بلادهم، و قد كانت الدهشة أكبر عندما صرخ أحدهم “إنه ابني، لقد وجدت ابني!”، و انخرطوا في عناق و بكاء.

قبل أربع سنوات من ذلك التاريخ قرر رستم الخروج و البحث عن ابنه الذي لم يسمع أي خبر عنه منذ سنوات، فذهب أولاً إلى بخارى، و قاده بحثه إلى مزار الشريف، حيث لم يفلح في العثور عليه هناك، فاستسلم رستم لقدره، و قرر أن يؤدي ركن دينه الخامس بعد أن اشتعل رأسه شيباً قبل أن يوافيه أجله. و قد كان كان ما جمعه طوال حياته -١١٠ روبلات ذهبية-  كافياً لرحلته إلى مكة، و قد قرر ابنه محمدجان مرافقته إلى الحج.

عاد محمدجان إلى مدرسته ليلملم أغراضه استعداداً لرحلته، و أهدي إليه كتاب من زملائه اسمه “دليل الحاج في رحلته إلى مكة” كهدية تذكارية، و يذكر هندستاني أن هذا الكتاب أوصى الحاج بأن يصطحب معه ستة أو سبعة أطوال من الحبال، قدراً كبيراً، قارورة من الليمون المملح، و بعض الشاي الأسود. و أوصى الكتاب أيضاً بأن يحجز الحاج غرفته في الجزء العلوي من السفينة. و بعد أن ارتاح الأب و ابنه عدة أيام في الهند قررا المضي في رحلة الحج، و سافرا إلى بومباي حيث اعتلت صحة الوالد و اضطرا لأن يدفعا شيئاً من المال لموظف الشؤون الصحية لتمرير أوراقهما و السماح لرستم بالحج، و لم ير أي منهما البحر قبل ذلك، و ترددا كثيراً في دفع الروبيات الخمس للغرفة التي في الطابق العلوي كما أوصى الكتاب.

و بعد انطلاق السفينة من ميناء بومباي، ظهرت القيمة الحقيقة للكتاب، فقد بدأ كل الركاب في الجزء السفلي من السفينة بالشعور بدوار البحر، و كان دواؤه الليمون المملح، و قد باع هندستاني كل ليمونه بروبية، و قد استعمل حبله و قدره في جلب الماء من البحر للركاب لوضوئهم لصلاتهم، و يذكر هندستاني في مذكراته أن تلك النصائح البسيطة من الكتاب ساعدتهم على جمع مبلغ “طيب” من المال في تلك الرحلة التي امتدت أسبوعين في عرض البحر، و عند رسو السفينة في ميناء جدة، أخذ هو و والده قسطاً من الراحة و اغتسلا جيداً، و من اثم استأجرا جملين ليقلاهما إلى مكة.

عانى رستم كثيراً أثناء رحلة الحج، و بمساعدة ابنه استطاع أن يتم فريضته من طواف و سعي و رمي للجمار، و لكن المرض اشتد عليه فوافاه أجله في مكة، و بعد دفن والده سارع هندستاني بالعودة إلى الهند، و قد بلغ الآن الخامسة و الثلاثين، و بدا سؤال والده له عن تأخر زواجه و انشغاله بدراسته و هو في منتصف عمره يتردد في ذهنه، و قد استشعر في قلبه أنه على الرغم من لباسه الهندي فإنه لا يزال يعتبر غريباً، و قد قرر أن ينهى دراسته في أجمير و يتوجه إلى الوطن.

شق هندستاني طريقه إلى تركستان ماراً بمضيق خيبر الذي يفصل بين پاكستان و أفغانستان، و توقف في طريقه بمدينة جلال أباد ليزور قبر معلمه القديم الشيخ غوث قبل أن يكمل مسيره إلى كابل. و في تلك المدينة قابل العديد من الأوزبك و التاجيك المهاجرين، عدا عن أمير بخارى و حاشيته. و قد التقى هناك بصديق قديم من قوقند، حيث أخبره بالوضع القائم في تركستان، و ما آلت إليه الأمور، و نصحه بأن يخفي شهاداته الدراسية المتعلقة بدراسته الدينية في الهند لدى عبوره الحدود.

قصر خدايار خان في قوقند.
قصر خدايار خان في قوقند.

غادر هندستاني كابل ماراً بمزار الشريف، و التي كانت مليئة بالمهاجرين الأوزبك من بخارى و غيرها، متوجهاً شمالاً و عابراً نهر جيحون الذي يفصل اليوم بين أوزبكستان و أفغانستان. استقل هندستاني عبارة نقلته عبر نفس النهر الذي عبره قبل عشر سنين خلت، و رست العبارة على الضفة الأخرى عند مدينة ترمذ الشهيرة. كان على أبواب ترمذ هذه المرة سياج عليه جنود يرتدون زياً عسكرياً نقشت عليه شعارات الدولة السوڤيتيية، دققوا في أوراقه و سمحوا له بالدخول، و الرجوع إلى الوطن.

دخل هندستاني إلى محطة القطار ليأخذ مقعداً متجهاً إلى وادي فرغانة، قاطعاً الصحاري، و السهول، و الجبال، ليصل إلى قوقند، و يجد قصر الخان بنفس جماله، و بألوانه الزرقاء و الخضراء و الصفراء، تبرق في سماء المدينة المشمسة، و لكن الفرق هذه المرة أن القصر خاوٍ على عروشه، و في وسط المدينة، لم يكد يتعرف على بيوتها التي إما هجرها أهلها، أو أنها نهبت و سرقت أو احتلت من قبل الروس، و في قرى قوقند، اختفت عوائل بأكملها.

اقرأ الجزء الأول
اقرأ الجزء الثاني

بواسطة عبدالعزيز عزيز

طيار سعودي ومدوّن في شؤون البخارية وتركستان