مشاهدات باحث مصري من بلاد السحر والتاريخ: أوزبكستان

أكرمني الأستاذ علاء فاروق مدير موقع آسيا للدراسات والأبحاث بإعطائي الفرصة لنشر حلقات مشاهداته من رحلته لأوزبكستان أثناء مشاركته في إحدى المؤتمرات الدولية، و الأستاذ علاء هو أيضاً مدير موقع آسيا الوسطى، و هو ضيف دائم على القنوات الإخبارية فيما يتعلق بآسيا الوسطى.

الكاتب أمام مجمع حضرة إمام
الكاتب أمام مجمع حضرة إمام

مقدمة:

“ليس من رأى كمن سمع، منذ أكثر من 4 سنوات أكتب عن أوزبكستان وعاداتها ومدنها وثقافاتها ومعالمها السياحية، وظنت في لحظة نشوة  أنني كتبت كل شيء عن البلاد “أوزبكستان”، وأنني غطيت “بلغة الصحافة” كل شيء فيها وأن بها خبير وعليم بكل دروبها، ولكن حقًا ما قيل ليس من سمع كمن رأى وعايش ولامس.

منذ أيام تم اختياري للمشاركة في مؤتمر دولي في جمهورية أوزبكستان بمشاركة أكثر من 100 دولة عربية وأوروبية وآسيوية وكنت أنا وصديق آخر نمثل جمهورية مصر العربية في المؤتمر.

وكان المؤتمر على يومين تم فيهما تقديم عشرات الورقات للبحث في تطوير الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وتقديم الاقتراحات لتطوير أوزبكستان للوصول بها إلى “الدولة الحديثة”.

ثم قام الإخوة المرافقون لنا بعمل جولات سياحية لمعالم البلاد ولآثارها القديمة والحديثة، وهنا فوجئت بسحر البلاد وبجمالها وعلمت أن كل ما كتبته لم يكن إلا قطرة من سيل كبير وأنه ما زال في البلاد جديد وما زالت معالمها التاريخية مجهولة لكثير من الباحثين فضلاً عن السائحين.

وهذه السلسلة عبارة عن إلقاء نظرة معلوماتية خاطفة حول المزارات التي تشرفت بمشاهدتها ومعلومات عنها لتشجع الخامل وتنشط الكسول على الذهاب لبلاد التاريخ والعلم ليتنفس عبيرها، وقسمت مشاهداتي الى عدة حلقات، كل منها يحمل خزينة معلوماتية مصطبغة بإحساس خالطني حين المشاهدة.

بداية الرحلة:

مطار طشقند…  “السحر والجمال”:

– بعد ترانزيت استمر 6 ساعات في مطار استانبول، جاء موعد طائرة طشقند، وبسرعة شديدة تم إدخالنا إلى الطائرة، وهنا رأيت روعة التصميم والطراز للطائرة والراحة الكبيرة للركاب وكان معظهم من المشاركين في المؤتمر، وفي داخل الطائة وجدت راحة كبيرة وتعامل راق من قبل المضيفات هون علينا 5 ساعات هي مدة الرحلة حتى الوصول إلى العاصمة طشقند.

– وفي الساعة الخامسة مساء بتوقيت طشقند، كان لي لقاء مع روعة البلاد وكان أول تعارف بيننا من أعلى، وأثناء تحليق الطائرة فوق سماء طشقند وانبهرت كثيرًا بروعة المكان من أعلى حيث أني وصفتها بقطعة من الجنة، حيث رأيت امتزاج الأولوات الصافية من ضوء القمر وخضرة الأشجار وألوان البيوت المتعددة ما عكس أمام عيناي لوحة فنان مبدع.

– واستقبلنا الإخوة المرافقين بترحاب وكرم وسرنا في شوارع طشقند لدقائق معدودة زاد انبهاري ودهشتي من روعة التصميم المعماري وهدوء العاصمة وسهولة السير فيها حتى وصلنا للفندق.

– وبعد الوصول ورغم التعب الشديد صحبني صديقي المحترم الدكتور/ مجدي زعبل – وهو الشخص الآخر الممثل لمصر وهو خبير بالبلاد حيث عاش فيها من قبل 3 سنوات كمدير للمركز الثقافي المصري هناك.

– وذهبنا سويًا إلى جولة قصيرة في شوارع طشقند مساء، وشممت عبق الحضارة والتاريخ الحديث هناك، وفي مطعم شهير هناك كان أول كرم يقدم لي من قبيل صديقي الكبير مجدي زعبل، ثم بعدها مشينا ما يقرب من ساعة للتنزه والتعرف على الشوارع وشدني كثيرا لكثرة الأشجار والورود التي تنبعث منها الروائح العطرة حتى تكاد طشقند تكون ذات رائحة واحدة، وبعدها استقر بنا الحال أمام “نافورة” جميلة على الطراز الماليزي ويسميها أهل طشقند “فوارة”، وعلى أنغام الموسيقى الهادئة تتراقص حبات الماء المنبعثة من النافورة، وكانت ليلة مليئة بالهدوء والجمال ثم عدنا للفندق للاستعداد للنوم للحاق بالمؤتمر في صباح اليوم التالي.

المؤتمر.. حضور دولي وعالمي:

– وفي تمام الثامنة صباحًا كان موعدنا مع الفطار الأوزبكي ذو الطعام الخاص، وهناك تعرفت على أكلات أوزبكية رائعة ومنها.. الجبن المشبع بزيت الزيتون، والعيش الطشقندي المميز والشاي الأخضر وعصير الدوم الرائع.

– ثم ذهبنا لفندق “انتركونتيننتال” مقر انعقاد المؤتمر وفي قاعة الأمير تيمور ثم افتتاح المؤتمر بكلمة ترحيب ألقاها السيد رستم عظيموف – النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير المالية – نيابة عن فخامة الرئيس إسلام كريموف – رئيس أوزبكستان ثم توالت الكلمات من قبل السيد سعيدوف – رئيس المجلس التشريعي برلمان أوزبكستان وكلمة ممثل بنك التنمية الآسيوي ثم ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وكلمة ممثل الاتحاد الأوروبي ثم تناول الغداء وبعدها تم تقسيم المشاركين إلى ست جلسات عمل للخروج بمقترحات وتوصيات تقدم للجنة المشرفة على المؤتمر لتضمينها في التوصيات النهائية للمؤتمر.

– اختتم اليوم الأول للمؤتمر بحفلة عشاء رائعة، قدم فيها الطعام الأوزبكي وأشهره “البولف” الأرز البخاري، وأحيا الحفل مجموعة من كبار الفنانين الأوزبك وقدموا أجمل أغانيهم ورقصاتهم المعروفة، وكان من أشهر الموجودين الفنانة مناجاة.. وتسمى فنانة الشعب، وتشبه أم كلثوم في الوطن العربي وهي ذات صوت رائع وأداء مميز، وبعد انتهاء فقرتها تقدمت إليها للتهنئة على روعة الأداء والتقطت معها صور تذكارية.

– وبعد انتهاء الحفلة ذهبنا إلى الفندق للاستراحة، لكن هيهات، فجمال طشقند يمنعك النوم، والسير في شوارعها يذهب عنك التعب والإرهاق، فجلسنا كعادتنا كل ليلة أمام الفوارة الرائعة التي تقع أمام مسرح الشاعر العظيم علي شيرنوائي، والتي يلتف حولها الناس منذ غروب الشمس حتى منتصف الليل مستمتعين برقصات المياه على أنغمام الموسيقى الأوزبكية الرائعة، وبعد ليلة ساهرة ونهار مليء بالعمل والبحث ذهبنا أخيرًا إلى حجرات النوم للاستراحة.

– وفي صباح اليوم الثالث في طشقند والثاني للمؤتمر ذهبنا إلى حضور الجلسات الختامية للمؤتمر، وتم الاستماع لكل الأطروحات وتم الاستقرار على توصيات هامة للمؤتمر ستضعها الحكومة الأوزبكية في حساباتها ويتم تضمينها للخطة الحكومية الاستراتيجية القادمة، بعد رفعها للرئيس والبرلمان، وأظنها لن تأخذ كثيرًا حتى إقرارها والسعي في تنفيذها، وهذا هو المعهود على حكومة البلاد تحت قيادة الرئيس كريموف.

جولات في طشقند:

كلية الصحافة… إعلام حر ومستقل:

– بعد الانتخار من أعمال المؤتمر بعد التعرف على شخصيات من عدة دول مشاركة في المؤتمر تم الاتفاق على جولة ثقافية وميدانية للتمتع بمعالم طشقند الشامخة التي تدل على حضارة حديثت تؤصل للتاريخ والحضارة القديمة، بل وتظل هي الحارس الأمين لها.

– بدأت جولاتنا الميدانية بزيارة كلية الصحافة والإعلام – حيث تخصصي كإعلامي وصحفي – وهناك تقابلنا مع الدكتور/ محمد البخاري – عميد الكلية الذي اصطحبنا في جولة داخل أروقة الكلية وتعرفنا على معالمها وأنشطتها الرائعة، وكذلك استقلاليتها في أداء عملها.

– وزرنا قاعة الإنترنت الذي يقدم مجانًا للطلاب، وكذلك استديوهات الكلية وأماكن التسجيلات الإذاعية بها، وكل هذا يقدم مجانًا للطلاب.

– وعندما عرف العاملون والأساتذة هناك أننا وفدًا مصريًا أحسنوا استقبالنا وتعاملوا معنا بكل سماحة وترحاب، واصطحبتنا أستاذة الكمبيوتر بالكلية في جولة قصيرة للتعرف على أنشطة الكلية، وتم تبادل أطراف الحديث حول الإعلام في أوزبكستان والآليات التي تحكمه والتي أعلمتنا الأستاذة أن بلادها تتمتع بإعلام قوي ومستقل وأن الدولة تشجع الكوادر الإعلامية الشبابية وتقدم كل دعم لها.

جولات ميدانية:

– وبعد الانتهاء من زيارة كلية الصحافة اصطبحنا الوفد المرافق لنا إلى مطعم شهير على بحيرة شهيرة لتناول طعام الغداء الذي كان عبارة عن لحم الضأن ذو الرائحة الذكية المميزة.

حضرة إمام:

– وبعدها بدأت جولتنا الميدانية بزيارة مجموعة حضرة إمام ويسميها أهل الأوزبك “خوست إمام” والذي يعتبر من أهم المعالم الإسلامية الأثرية في طشقند والذي أعيد بناؤه في عام 2007م بمبادرة من رئيس الجمهورية الذي يهتم كثيرًا بالآثار التاريخية هناك.

– وتكون المجموعة من مسجد حضرة إمام وضريح الإمام القفال الشاش والمعروف بفقيه طشقند وهو طراز مهاري نادر ذو قباب رائعة تتشابه في روعتها وجمالها، ويوجد بالمجموعة أيضًا “النسخة الأصلية للمصحف العثماني وبها مدرسة “براك خان” ذات التاريخ القديم، وهناك التقطنا الصور وقمنا بالصلاة في مسجد حضرة إمام.

ميدان الاستقلال… روعة المنظر والتصميم:

– ومن أروع الأماكن التي زادت دهشتنا والتي جعلتني أحلق بفكري وأحلامي للحظات أني لست على الأرض وإنما في مكان آخر بعيدًا عن الضوضاء والتلوث، نحن هنا في أكبر وأشهر ميادين البلاد وهو الميدان الرئيسي في أوزبكستان، وهو قطعة نادرة التكرار عبارة عن مجموعة أشجار نادرة ورائعة مزينة بالنوافير البديعة ذات الطراز الخاص.

– وبدأت جولتنا في الميدان عند المدخل الرئيسي للميدان والذي تستقبلك فيه تمثال المرأة الأوزبكية وهي تحمل طفلها الرضيع على يديها وفق كتفيها الكرة الأرضية دليل على دور المرأة في المجتمع وتقديرًا لتعبها في تربية النشء وتحمل الصعاب في ذلك.

– ثم اتجهت خطواتنا إلى تمثال الأم الحزينة وهو عبارة عن تمثال لإمراة عجوز تضع يدها تحت خدها ووجهه مليء بالحزن وهي تنظر إلى لوحات كتب على أسماء شهداء أوزبكستان في الحرب العالمية الثانية، وأمام التمثال ؟؟؟؟؟؟؟ تنبعث منه نار دائمة يسمونها “نار الخلود” وفي افتتاح التمثال قال رئيس البلاد أن هذه المرأة تشبه السيدة والدته عندما تكون حزينة دليلاً على مدى تشابه التمثال مع حقيقة المرأة الأوزبكية في حزنها.

– وفي اللوحات التي تواجه التمثال سجلت أسماء شهداء أوبكستان وموعد استشهادهم وعناوينهم في طراز رائع يعتبر ذاكرة في تاريخ البلاد وتخليدًا لهؤلاء الشهداء.

– وخلال تجولنا في الميدان رأينا أشجارًا نادرة تقسمها بحيرات طبيعية تعطيها منظرًا بديعًا، يجمع حوله الناس وودعنا الميدان مع وداع الشمس له، واتجهنا إلى تناول العشاء.

سمرقند… موعد مع التاريخ والحضارة:

وفي اليوم الرابع، كان موعدنا مع الرحلة التاريخية بالنسبة لي، التي انتظرها من أول خطوة وضعتها على أرض أوزبكستان، إنها سمرقند.. مدينة التاريخ والحضارة، والعاصمة القديمة للمنطقة، وكل بناياتها على الطراز المعماري القديم.

وفي تمام الساعة السابعة صباحًا كان موعد تحرك القطار المتجه إلى سمرقند في رحلة استغرقت 4 ساعات، رأيت خلالها الجبال مغطاة بالحشائش والزروع وتناثر في باطنها شتى أنواع الماشية من ماعز وضأن وبقر، مراعي طبيعية خالصة أفرزت رؤوس ماشية كثيرة ومتنوعة ذات لحوم لذيذة المذاق.

ورغم طول الرحلة إلا أني وجدت عيناي مفتوحان يتحركان يمينًا ويسارًا خوفًا من أن يفوتني شيء من هذا الجمال المترامي على الطريق، وفعلاً كما قال لي صديقي الكبير الدكتور يحيى… ستشم خلال الرحلة عبق التاريخ القديم، شممت هذه الرائحة وكلما اقتربت المدينة كلما زادت دقات قلبي الشغوف بالتاريخ والحضارة، وفي تمام الحادية عشر كان موعد وصولنا إلى محطة سمرقند، وهناك استقبلنا وفد كريم من أهل سمرقند، رافقوني طيلة الرحلة.

بواسطة عبدالعزيز عزيز

طيار سعودي ومدوّن في شؤون البخارية وتركستان