سر سمرقندي في دلهي

في سولترا، إحدى ضواحي دلهي، ينهمك نامند جان في ترميم قبر الإمبراطور المغولي “همايون” على الرغم من الصعوبات التي يواجهها و هو في سنته الأولى بعد الستين، فالجو حار جداً بالنسبة إليه، و الطعام غريب المذاق، و لكنه ينسى كل ذلك عندما ينشغل في إعداد الخلطة المناسبة من التربة للخروج باللون الموافق لضريح همايون، الإمبراطور الذي أتى أجداده من أرض نامند جان.

و بعد أسابيع من اختبار الطين، و التربة و الأحجار و الكيماويات، استطاع فريق مكون من ثلاثة حرفيين من أوزبكستان بالخروج بالألوان الخمسة المطابقة للطوب المستخدم في بناء قبر همايون، و لكن لماذا دعي الحرفيون من أوزبكستان خصيصاً لهذه المهمة؟

تأتي الإجابة في قصة بناء هذا الضريح، فبعد وفاة همايون، قامت زوجته “حميدة بانو بيگم” بقيادة مشروع بناء ضريح له، مماثل لضريح “گورِ أمير” و الذي يرقد فيه جد همايون الأكبر، الأمير تيمور، في سمرقند بأوزبكستان. و فن صناعة الطوب بألوانه المتعددة، هو فن عريق في أوزبكستان يرثه الأبناء عن الأجداد.

و قد استقدمت الهند فريقاً متخصصاً من الحرفيين، يقودهم المعماري فرهاد باگيروڤ، و الحرفيون نامند جان مولانوڤ، و قربان مليكوڤ، و بهادر خوجة رحمتوڤ ليعمل مع اللجنة الهندية المخصصة لترميم هذا الضريح، و إعاءة انتاج الألوان المخصوصة و هي الأخضر، و الأزرق و التركواز، و الأصفر بدرجاته الأصلية.

 يقول فرهاد: “هذا الفريق له خبرة تفوق الأربعين سنة، فهم قد ورثوا حرفتهم أباً عن جد، و قد عملوا في ترميم العديد من الأماكن الأثرية في سمرقند، منها ساحة ريگستان، و گورِ أمير، و مسجد بيبي خانم. لكن العمل هنا هو تحدٍ جديد، فالمهمة جداً صعبة عندما يتعلق الأمر بمحاولة إعادة إنتاج ما أنتجه الحرفيون الأول.”

و على الرغم من أن صناعة الطوب ذات شأن كبير في الهند إلا أن الطوب المستخدم في الآثار المغولية قد نسي و اندثرت أسراره، فارتأت الحكومة الهندية التواصل مع مصدر هذا الفن في أوزبكستان، و جلب الخبراء الذين ظلوا يعيدون اختبار الطرق لمدة ستة أشهر متوالية. و بعد أن توصل الحرفيون إلى الطريقة المثلى لإعادة تصنيع طوب مطابق لما هو مستخدم في البناء الأصلي، يعلم الحرفيون هذا السر لأبناء المنطقة ليستخدم مستقبلاً في ترميم بنايات أخرى.

يقول راتيش ناندرا و هو مدير المشروع “إن الجهود المبذولة في هذا المشروع لن تنتج لنا ترميماً لمبنى أثري عظيم من آثار المغول فقط، و لكنها ستحيي حرفة قديمة، فقدت عبر تعاقب الأجيال، فالشباب الذين يدربون على هذه الحرفة، سيكون مردودها عليهم مجزٍ ماداً.”

بدأت فكرة المشروع بالتحليل النوعي و الكيميائي لمواد البناء في مختبرات عديدة ذات سمعة عالمية، فقد تم تحليلها في مختبرات جامعة أوكسفورد، و برشلونة، كما تم تحليلها في إيران و أوزبكستان، و قد وجد أن الخبرات الأوزبكية هي الأقرب للبناء الأصلي.

المصدر The Indian Express

بواسطة عبدالعزيز عزيز

طيار سعودي ومدوّن في شؤون البخارية وتركستان