تاريخ اللغات التركية

اللغات التركية تنتشر في رقعة جغرافية واسعة، من أوروبا و حتى أعماق آسيا. و من لهجاتها الأذرية، التركمانية، التترية، الأوزبكية، الباشكرتية، و النوغاي، و القيرغيزية، و القازاقية، و الياقوت، و الجاوش، و عدة لهجات أخرى. و تنتسب اللغة التركية إلى فرع لغات الألطاي من غائلة لغات الأورال ألطاي، و من أقاربها في هذه العائلة اللغات المنغولية، و الكورية، و اليابانية أيضاً إلى حد ما، و لكن بعض العلماء أشاروا إلى أن هذا الترابط ليس أساسياً، و إنما نتيجة للتبادل المعرفي، و لكن البحوث الأخيرة تؤكة على أن هذه اللغات تنتمي إلى نفس العائلة.

اللغة التركية قديمة جداً، و يعتقد أنها تعود إلى خمسة أو ثمانية آلاف سنة مضت، فلها مميزات لفظية، و هيكلية، و نحوية، و مصطلحات غنية جداً، و المميزات الأساسية، و التي تميز عائلة لغات الأورال ألطاي من اللغات الهندو أوروبية كما يلي:

  1. تناغم حروف العلة.
  2. لا يوجد تمييز للجنس، مذكر كان أو أنثى.
  3. الكلمات المركبة.
  4. الصفات تسبق الأسماء.
  5. الأفعال تأتي في نهاية الجملة.

و أقدم نص تركي مكتوب على حجر وجد في آسيا الوسطى، و هي كتابات أورخون، في منطقتي يني سي و طلس، في حدود ما يعرف اليوم بمنغوليا، و كتبت هذه الكتابات في عهد بيلگا خاقان “٧٣٥”، و كول تيگين “٧٣٢”، و الوزير تونيو كوك “٧٢٤-٧٢٦”، و تؤرخ للتاريخ الاجتماعي و السياسي في عهد الگوك ترك.

و بعد سقوط دولة الگوك ترك، أخذت دولة الأويغور في إصدار العديد من النتاج المعرفي المكتوب و المهم في تاريخ الدول التركية، فقد ترك الأويغور الديانة الأصلية لأجدادهم، و هي الشامانية، ليعتنقوا البوذية، و المانوية، و البراهمية، و من ثم ليقومو بترجمة الأعمال الدينية و الفلسفية للغة التركية، و من أمثلة هذه الأعمال ألتن يوراك، و سكيز يوكمك. و قد وجدت هذه النصوص في منطقة تورفان بتركستان الشرقية، و النصوص الأويغورية مع كتابات أورخون قد كتبت بما يسميه العلماء “اللغة التركية القديمة”، و تطلق هذه التسمية على اللغة التركية قبل أن يعتنق الترك الإسلام، و قد كانت منتشرة في حوض نهر تاريم، و في أطراف ما يسمى اليوم بمنغوليا.

و في المثال أعلاه من كتابات أورخون، في عهد دولة الگوك ترك، و التي يوجد العديد منها قرب نهر أورخون في منغوليا، و المؤرخية ما بين ٧٣٢-٧٣٥، يقول النص “من بيلگا خاقان” “هو “إله السماء أو تنگري” الذي أعطاني هذا العرش، ليعيش اسم الأمة التركية إلى الأبد”.

و اللغة التركية المحكية في الأناضول و البلقان، في عهد السلاجقة و العثمانيين، قد حفظت في أعمال أدبية متعددة قبل القرن الثالث عشر الميلادي، و من أشهر كاتبي الرسائل في ذلك الوقت سلطان وليد، ابن مولانا جلال الدين الرومي، و أحمد فقيه، و سيد حمزة، و يونس إمرة، أحد أشهر مفكري عصره، و كذلك الشاعر الشهير گولشهري. و هذه اللهجة التركية تصنف من اللهجات الجنوب غربية، من اللهجات التركية الغربية، و تصنف كذلك على أنها من لهجات الأوغوز التركمان. و إذا أردنا أن نقسم التركية المحكية في تركيا تقسيماً تاريخياً، فستكون كالآتي:

  1. التركية الأناضولية القديمة “العثمانية القديمة مابين القرنين الثالث و الخامس عشر”
  2. التركية العثمانية “ما بين السادس و التاسع عشر”
  3. اللغة التركية المحكية في القرن العشرين.

تأثرت اللغة التركية بعد دخول الترك في الإسلام باللغة العربية، و الثقافة الفارسية، فقد كتب محمد الكاشغري كتابه “ديوان لغات الترك” عام ١٠٧٢، و هو عبارة عن معجم للغة التركية، ليساعد العرب على تعلمم اللغة التركية. و في القرن الذي يليه كتب الأديب أحمد محمود يوكنري كتابه “عتبة الحقائق” باللغة التركية الشرقية، و لكن العنوان كان باللغة العربية، و كل هذه مؤشرات على عظيم تأثير الدين و الثقافة الجديدتين على الأمة التركية، و لغتها. و بالرغم من التأثير الإسلامي، فالنصوص المكتوبة باللغة التركية الأناضولية تحتوي على أقل عدد من الألفاظ الدخيلة عليها، و من أهم أسباب ذلك، أن إجراءات جدية أخذت لمقاومة ذلك، ففي عهد القراخانيين، كانت هناك مقاومة شديدة من قبل الترك ضد التأثيرين العربي و الفارسي على لغتهم.

و من أوائل الأعمال الأدبية للترك المسلمين كان “قوتادغو بيليگ” ليوسف خاص حاجب، فقد كتبه بالتركية عام ١٠٦٩، و أما عليشير نوايي من الترك المتحدثين باللهجة الچغطائية، فقد دافع بقوة عن اللغة التركية ضد الفارسية في كتابه الشهير “محاكمة اللغتين”، على الرغم من أن له أشعاراً بكلتا اللغتين، إضافة إلى العربية.، و قد أكمل كتابه هذا عام ١٤٩٨.

في فترة السلاجقة الأناضوليين، و دولة القرامانيين، بذلت العديد من الجهود أدت إلى قبول اللغة التركية كلغة رسمية، و نشر معجم تركي لسلطان ولد، و تبعه في ذلك   أحمد فقيه، و صياد حمزة، و يونس إمرة حيث تبنوا نفس النمط في استخدام الكلمات الأناضولية القديمة و التي كانت تستخدم حتى عام ١٢٩٩. و بعد ظهور الدولة العثمانية قام السلطان أورخان بإصدار أول نص رسمي من قبل الدولة  باللغة التركية، و أسماه “ملك نامة”. و قد كان من أبرز الشعراء و الكتاب الترك في القرن الرابع عشر أحمدي و كايگوسوز أبطال،  و سليمان جلبي و حاجي بيرم في القرن الخامس عشر، و سلطان أبطال و كور أوغلو في القرن السادس عشر. و في عام ١٥٣٠ أصدر قدري أفندي أول دراسة مفصلة لقواعد اللغة التركية أسماه “ميسرة العلوم”.

من الأوصاف المميزة لأعمال تلك الفترة هو ظهور المفردات ذات الأصل الغير تركي، و أضاف إلى ذلك أن الأعمال المترجمة إلى التركية ما بين القرنين الرابع و الخامس عشر قد اقتصرت على مجالات الطب، و علم النبات، و الفلك، و الرياضيات، و العلوم الإسلامية، و التي حوت الكثير من المصطلحات العلمية ذات الأصل غير التركي، أما الأطروحات العلمية و التي استخدمت اللغة التركية الرسمية، و بعض العامية، فقد استمرت في استخدام المصطلحات العلمية ذات الأصل غير التركي، و خصوصاً الكلمات ذات الأصل العربي.

و قد بلغ ذلك مداه بعد القرن السادس عشر، حيث برزت المصطلحات الأجنبية على الأعمال المكتوبة، و اختفت تبعاً لذلك بعض الكلمات التركية من اللغة المكتوبة تماماً، و في مجال النثر، ظهر شغف كبير بإبداع أعمال ذات قيمة أكبر، و دفع ذلك النخبة الحاكمة لإعطاء زخم أكبر،  و قيمة عالية للأعمال المحتوية على كلمات ذات أصل عربي أو فارسي، مما أدى إلى طغيان تلك المصطلحات على نظائرها في اللغة التركية، و قد بدا ذلك جلياً في الأعمال التي صدرت من الأروقة الإمبراطورية في الدولة العثمانية، و هذا النوع من الأدب الملكي أوجد تأثيره على الأدب الشعبي، فاستخدم الشعراء الشعبيون عين المصطلحات الأجنبية. و لم يؤثر استخدام المصطلحات الأجنبية على اللغة التركية داخل القصر العثماني فقط، بل قد تسربت مع مرور الوقت إلى النخبة المثقفة في الدولة، حيث تبنوا و استخدموا نوعاً من اللغة الملكية، محتوية على ألفاظ و مصطلحات لا تمت للغة التركية بصلة، و قد أدى ذلك إلى وجود لغتين متوازيتين، لغة للنخبة الحاكمة و المثقفة يستخدمها رجال الدولة و من احتك بهم، و لغة أخرى شعبية، يتحدثها العامة.

و قد استمرت هذه الظاهرة حتى منتصف القرن التاسع عشر، فلم تكن هناك أية محاولة منظمة للحد منها، فقد ظهرت العديد من الحركات المقاومة لها، و في القرن التاسع عشر قامت مؤسسة الإصلاح العثمانية “تنظيمات” بإيجاد مقاربة و مفهوم جديدين لحل المشاكل اللغوية، و كذلك في معظم جوانب الحياة الاجتماعية التركية، و قد تم تقديم الثقافة الغربية للمجتمع التركي الشرقي، مما أدى إلى ظهور أفكار لمحاكاة التطور الحاصل في الغرب، فقد تمت نشر فكرة الإصلاح، كما أوجدت فكرة القومية بمفهومها الغربي، و هذا التغيير أدى مفعوله في المجتمع التركي حيث بدأت تظهر عليه التغيرات في المجالات الثقافية و الفكرية.

و من أهم الأعمال التي أسهمت في تكوين اللغة التركية في تركيا اليوم هي إلغاء المصطلحات و المفردات الأجنبية من اللغة التركية، و قد انتشرت هذه الفكرة مع انتشار المجلات و الصحف و الدوريات في العهد الإصلاحي، فقد عالجت كتابات كل من نامق كمال، علي سواوي، ضياء باشا، أحمد مدحت أفندي، و شمس الدين سامي، و التي ظهرت في صحف مختلفة، عالجت المشكلة بالتبسيط، و قد تعاظمت جهود “التتريك” بعلماء مثل ضياء گوك ألب، حيث تكاثفت جهودهم في بدايات القرن العشرين، حيث كانت المشكلة تعالج في منتصف القرن التاسع عشر عن طريق التنظير اللغوي، أما في الفترة التي تلت سقوط الدولة العثمانية، جرى تطبيق ذلك و تم استخدام العديد من الدوريات مثل “گنچ قلملار” أو “الكتاب الشباب” في نشر اللغة المنقحة على نطاق أوسع.

وبحسب المعاهد اللغوية التركية، فإن تطور استخدام المصطلحات التركية قد آتى أكله، فبحسب الإحصاءات، فإن الكتابات التي أنتجت عام ١٩٣٢ كانت نسبة المصطلحات التركية ما بين ٣٥-٤٠٪، أما اليوم فهذه النسبة ترتفع إلى ٧٥-٨٠٪ في الأعوام الأخيرة.

نقلاً عن موقع وزارة الخارجية التركية

بواسطة عبدالعزيز عزيز

طيار سعودي ومدوّن في شؤون البخارية وتركستان