أعجاز بلا جذور… بسقت في القدس

أعتقد أن مأساة القدس وفلسطين وبلاد الشام عامة تبدأ سنة 1841، قبل أكثر من مئة عام من سنة 1948. لماذا؟ اقرأ بتمعن…

عقب انهيار التحالف العثماني الفرنسي سنة 1798 على إثر الثورة الفرنسية ولأنّ السلطنة العثمانية دعمت الحكومة الملكية الفرنسية في مواجهة ثورة الجمهوريّين. صارت مصالح فرنسا في العثمانية مقطوعة عنها، ما تسبّب بأزمات اقتصادية حادّة تجسّدت بالمجاعات والضيق الاجتماعي، ومالت فيه مصالح العثمانية للتحالف مع بريطانيا، ما هدّد الكيان الفرنسي كليّة. فانطلقت قوّات الجمهورية الفرنسية في العام ذاته في حملة عسكرية على المشرق تهدف إلى فصل مصر والشام عن السلطنة العثمانية.

في الواقع استمرّت حروب ناپليون بوناپرت في أوروپا أكثر من 15 سنة ولم تتوقّف إلا على إثر أزمة سنة الفقر 1816 التي قضت مجاعتها على نحو 65 ألف إنسان في أوروپا. وكان قد صدّ قوّات ناپليون في المشرق تحالف جمع جيوشاً من مصر العثمانية وتونس والجزائر وبريطانيا.

بعد انتهاء الغزو الفرنسي للمشرق سنة 1801، تعاظم نفوذ بريطانيا في السلطنة العثمانية، إذْ أنّ بريطانيا صدّت ناپليون أمام أسوار عكا، فسعى مسيحيّو فلسطين الروم واللاتين إلى كسب رضى بريطانيا وحمايتها وهي كانت ملل تحت الحماية الفرنسية، ولم يكن لبريطانيا ملّة پروتستنتية من المسيحيّين المحليّين تعمل على حمايتها. وكان نظام الملل العثماني قد بدأ يتهاوى أمام نظام الامتيازات؛ الذي تطوّر من معاهدات خاصّة لمعاملة التجّار الأجانب، إلى تدخّل قوى أوروپية لحماية الملل المسيحية داخل العثمانية، فصارت لهم كيانات تشبه الدول داخل دولة آل عثمان.

بنتيجة غزو الجيش الفرنسي لمصر انحلّ نظام المماليك الذي كان قائماً على إدارة البلاد منذ انقلاب سنة 1250، وهو ذاته النظام الذي استمرّ بصورة المماليك البرجية تحت التبعية للسلطنة العثمانية. ومع خروج الجيش الفرنسي من مصر سنة 1801 كانت المماليك قد عقدت تحالفاً مع بريطانيا، التي تحالفت بالأساس مع العثمانية في مواجهة فرنسا. آنذاك رغب محمّد علي پاشا بالاستيلاء على حكم أيالة مصر بديلاً عن المماليك فبدأ بحربهم وصار بالتالي على حرب مع بريطانيا؛ ثمّ أعلن نفسه والياً على مصر سنة 1805، وتشاء تعقيدات الأمور أن تتحالف العثمانية مع فرنسا في مواجهة بريطانيا سنوات 1807-1809 وكتبعات لاتفاق الدردنيل الأوّل (معاهدة القلعة السلطانية ما بين العثمانية وبريطانيا) انتقلت مصالح بريطانيا من المماليك إلى محمّد علي بعد انتهاء الحرب، الذي ارتكب مذبحة القلعة سنة 1811 وأباد أكتر من ألف من رؤوس عائلات المماليك ورجالاتهم، ونُهبت فيها بيوتهم، وانتهت بالتالي حكاية المماليك نهائياً من مصر.

نتيجة هذه القلاقل كلّها ابتداء بحروب ناپليون؛ دفعت السلطنة العثمانية أثماناً باهظة بسبب وقوعها ساحة لمعارك الإمبراطوريات الأوروپية، الروسية والنمساوية والفرنسية والبريطانية، والسلطنة آنذاك تسيطر على جميع المعابر المائية التي تموّن قوّات كلّ تلك الإمبراطوريات. فكان المزيد من التدخّل في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية وازداد افتتاح قنصليّات أوروپية في المشرق، لممارسة سياسة التدخل المباشر في شؤون الدولة العثمانية، والساحل الشامي خاصة.

كانت وزارة الخارجية الفرنسية قد افتتحت لها قنصلية في بيروت سنة 1822 للخلاص من منافسة بريطانيا لها على مينائي صيدا واسكندرونة، وصارت فرنسا تستخدم هذه القنصلية للإشراف على أحوال الموارنة في جبل لبنان. فتوصّلت بريطانيا إلى افتتاح قنصلية في القدس سنة 1838، وعُيّنْ وليم يونگ William Tanner Young نائب قنصل، إذْ كان القنصل العام في الإسكندرية. وكانت بريطانيا قد رأت مصالحها في رعاية اليهود والپروتستنت والدروز في المشرق، طالما أنّ ملل المسيحيّين الأخرى بيد فرنسا وروسيا والنمسا.

جاء في مراسلات جون بلويل John Bilwell إلى يونگ ما يلي: ”أمرني الفيسكونت پالمرستون Henry John Temple, 3rd Viscount Palmerston إعلامك أنّ من واجبك بصفتك نائب قنصل في القدس، أن تقوم بحماية اليهود عامة“. وكان اللّورد البريطاني أشلي (إيرل شَفتسبُري) Anthony Ashley-Cooper دور مهم في فتح قنصلية القدس وتوجّهها لحماية اليهود. فهو من كبار الشخصيات الحكومية ذات النفوذ والاتّصالات القوية مع جمعية لندن اليهودية وجمعية المرسلين الكنسية.

آنذاك تطوّر مفهوم القنصلية من رعاية المصالح السياسية والتجارية البريطانية وحماية الرحّالة والسيّاح الإنگليز، إلى حماية اليهود والپروتستنت والدروز من مواطني العثمانية. واليهود والپروتستنت كانوا حلقتا النفوذ البريطاني في فلسطين: فاليهود ملّة قائمة تبنتّها بريطانيا، والپروتستنت ملّة كونتّها بجهود المرسلين. ثم حدّدت معالمها وقوّت كيانها من خلال النظام الأسقفي. فكتب القنصل يونگ إلى وزارته في لندن ما يلي: ”هناك يا سيدي طرفان يجب الإشارة إليهما، ويتطلّعان بلا شكّ إلى أن يكون لهما نصيب في تطور الأمور هنا، وهما: أولاً، اليهود الذين أعطاهم الرب هذه الأرض ملكاً لهم. وثانياً، المسيحيّون الپروتستنت، وهم النسل اليهودي الروحي الشرعي، وأقترح بتواضع أن تكون بريطانيا العظمى هي الحامية الطبيعية لكليهما، وقد بدأت هاتان الطائفتان تأخذان مكانهما بين الطوائف المسيحية الأخرى“.

لم يبخل يونگ في تقديم الحماية لطائفة نكلسون الناشئة، وقد تكوّنت بفضل رعاية جمعية لندن اليهودية وأتباعها ورؤسائها من اليهود المتنصرين على المذهب الپروتستنتي. أما الكنيسة الأنگليكانية في بريطانيا، فقد كانت تتطلّع إلى قيام صلات بينها وبين الكنائس الشرقية، ورأت في الحالة الراهنة في فلسطين، حيث تعاظم النفوذ البريطاني سياسياً وإرسالياً، الفرصةَ المناسبة لخلق هذه الصّلات. وغير ذلك هناك تطلّعات الجمعيات الإرسالية البريطانية، وقد آمن الكثير من الأنگليكانيين بالنظرية الألفية، أي مجيء السيد المسيح ديّاناً للعالمين سنة 2000، ويتمّ ذلك في القدس، والمؤشّر على ذلك المجيء اهتداء اليهود للنصرانية، لذا يجب حشر اليهود في القدس وتنصيرهم تمهيداً لذلك المجيء.

ومن جهة أخرى وفي الوقت عينه تقريباً، تفاعلت عدة ظروف سياسية واقتصادية ودينية في پروسيا (ألمانيا)، والتقت وتكاملت مع المصالح البريطانية في فلسطين.

كوّن اليهود في القرن 18 ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً في ألمانيا ولطالما اعتبرت الحكومات الألمانية اليهود جسماً غريباً في المجتمع الألماني ورأتهم يشكّلون دولة داخل الدولة، وتمتّعت الرأسمالية اليهودية بامتيازات خاصة في حقول النشاطات الصناعية والمالية واستثمار الأراضي… إلخ كونها خارج النظام الضريبي الكنسي، وما إن حلّ القرن 19 حتّى كانت الرأسمالية اليهودية مزدهرة في شتى المرافق الاقتصادية.
وقد انقسم الرأي العام الألماني إلى تيّارين إزاء الظاهرة اليهودية: التيار اللّيبرالي، الذي طالب بمساواة اليهود بالمواطنين الألمان، بينما نظر التيّار المحافظ إلى اليهود على أنهم غرباء، وأنّ اليهودية ديانة تناقض التعاليم المسيحية، فاشترط أنصار هذا التيار تنصير اليهود لقاء منحهم المواطنة الألمانية الكاملة.

وأُلقيت مهمّة تنصير اليهود آنذاك على جمعية نشر المسيحية بين اليهود، التي أسّست عام 1822 في پروسيا، وهي شقيقة جمعية لندن اليهودية ICA، وحصلت الجمعية على دعم حكومي رسمي. لم تؤدِ مراسيم تحرير اليهود وإعطائهم المواطنة الألمانية وتنصيرهم إلى حلّ المسألة اليهودية في المانيا وأصبحت الحاجة ملحّة لحلّ جذري للمسألة، وفي هذه الظروف اعتلى العرش فرديريك ڤيليَم الرابع Frederick William IV of Prussia، فقد كان مهتماً بالمسألة اليهودية وبأوضاع المسيحيّين في فلسطين من صغره. وكان من قوله ”ألا يجب أن تكون فلسطين الحل الذي يوصل المسألة اليهودية في ألمانيا إلى حل مرضٍ؟“ أي إغراء اليهود بالهجرة إلى فلسطين وتنصيرهم هناك!

وهكذا بحلول عام 1841، كان لكلّ من بريطانيا وپروسيا مصالح خاصّة؛ سياسية ودينية واقتصادية في فلسطين· وظهر في الصورة الشخص المناسب ليكون صلة الوصل بين الطرفين، الا وهو البارون كريستيان شارل بنزون Christian Charles Bunsen.

مُنِحَ الپروسي ميشيل أليكسندر Michael Solomon Alexander الرسامة الأسقفية في 11 تشرين الثاني 1841، وأبحر إلى فلسطين في 7 كانون الأول من نفس العام· وكان لقبه الرسمي آنذاك هو أسقف الكنسية المتحدة لإنگلترا وآيرلاند في القدس.

اعتمدت الأسقفية على التمويل الپروسي والإنگليزي، إذ لم تُشكّل بعد رعايا في فلسطين أو منشآت وأوقاف تابعة لأسقفية قادرة على تغطية نفقاتها. فصدر صك الوقفية الپروسية لحساب الأسقفية في 9 أيلول 1841 وجاء فيه: إنّ ملك پروسيا يتبرّع من جيبه الخاص بمبلغ 15000 جنيه استرليني، ويُعد هذا المبلغ كوقف للأسقفية على شكل “وديعة بنكيّة”. وتصرف فائدة هذا المبلغ راتباً سنوياً للأسقف يبلغ 600 جنيه استرليني. وعيّن الملك أوصياء على هذا المال لصرف فائدته لأسقف القدس وهم: رئيس أساقفة كنتربري ورئيس أساقفة يورك وأسقف لندن. ويفوّض الملك الأوصياء باستخدام المبلغ يوماً ما لشراء وقفية عقارية في فلسطين، على أن يكون مردودها ما يساوي راتب الأسقف أي 600 جنيه استرليني. وإذا بقي جزء من المال بعد شراء الوقفية، يسمح الملك بتخصيصه لدعم مؤسّسات الأسقفية.

شَحذ التبرّع الپروسي سخاء البريطانيّين، فقدّمت جمعية لندن اليهودية 3000 جنيه استرليني وتبعها آخرون. وصدر صك الوقفية البريطانية في 15 تشرين الثاني 1841، ينظّم فيه رئيس أساقفة كنتربري أمور الأسقفية المالية بصفته الوصي على الوقفين البريطاني والپروسي، وعيّن مديراً لصندوق الأسقفية يقوم بصرف المال. ومجموع الوقفية البريطانية 20000 جنيه، جُمعت عن طريق المساهمة العامة التي طُرِحَت للجمهور. وقدّم كل من رئيس أساقفة كنتربري هولي وأسقف لندن بلومفيلد 200 جنيه استرليني.

انسحبت پروسيا من اتفاقية الأسقفية الأنگليكانية سنة 1886 واسترجعت المبلغ الألماني، فصارت الوقفية بالكامل على كتف بريطانيا.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات