عاصمة المسيحيين العرب

هذه تدوينة أطول من المعتاد، جهدت فيها، وأعتب فيها على المسيحيّين العرب نسيان عاصمة المسيحية العربية وإهمالها، وهي التي كانت محجّ كلّ المسيحيّين العرب ومصدر التشريعات والفلسفات والمذاهب المسيحية العربية كلّها. ولا أقصد القدس.

تتحدّث النصوص العربية الحديثة باستمرار عن أهميّة القدس للمسيحية العربية، وتكرّر ذكر الغساسنة ومدنهم العامرة في حوران كجزء عربي على أطراف جنوب بيزنطة، لما يدفع الكثيرين للاعتقاد بحداثة عهد العرب في سوريا؛ خاصّة وأنّ تاريخ الغساسنة معروف مع وفودهم الحديث نسبياً من الجنوب الأزدي إلى سوريا. لكن، يندر أن يذكر التاريخ العربي عاصمة المسيحيّين العرب، تلك المنسية قرب الفرات شمالاً، والتي كانت أهمّ محطّات الحجّ المسيحي البيزنطي، وعاصمة أكبر الطوائف المسيحية العربية في عصرها؛ الميافيزية.

المدينة التي أقصدها هنا هي الرصافة، لؤلؤة بادية الشام، أثرى مدن محافظة الفرات البيزنطية ”إيُفرَتيسيا“ ومجمع كنيسة الميافيزية، ومقصد طلّاب التعليم المسيحي العرب ما بين القرنين الرابع والسابع.

الميافيزية هي أحد مذاهب الكنيسة الأرثوذكسية المشرقية، الذي يرى أنّ ألوهة وبشرية المسيح متحدّتان في طبيعة واحدة، لا يمكن فصلهما أو مزجهما أو تحويرهما. وكلمة المشرق هنا تعبّر عن حدود أبرشية المشرق في الإمبراطورية الرومانية لحظة تحوّل ديانتها إلى المسيحية من بيزنطة (القسطنطينية) سنة 321. وخرجت عن الكنيسة المشرقية كذلك عقيدتين إلى جانب الميافيزية، هي المونوفيزية والنسطورية.

ترى العقيدة المونوفيزية بأنّ ليسوع طبيعة واحدة إلهية، وأن طبيعته البشرية امتزجت بهذه الطبيعة فصار الإنسان الإله. بينما ترى العقيدة النسطورية أنّه لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك صلة بين إنسان وألوهة، وعلى هذا لا يجوز تقديس مريم العذراء كوالدة لإله. لأنّها ولدت إنساناً، حلّت عليه كلمة الله لاحقاً.

وبينما تتّفق الميافيزية مع مجمع خلقيدونيا البيزنطي (451)، يرفض الأخير المونوفيزية والنسطورية تماماً. وجميع هذه المذاهب فراتية مشرقية في الواقع؛ من بنات محافظة الفرات ”إيُفرَتيسيا“، لكن مجمع خلقيدونيا في آسيا (تركيا) حدّد علاقتها بالكنيسة الرومية البيزنطية وبالتالي شكّل طبيعة العلاقات العربية البيزنطية التي قادت لاحقاً لامتداد سيطرة الدولة الإسلامية في القرن السابع.

نعود إلى الرصافة… التي قُدّر لها أن تكون أثرى المدن العربية خلال العهدين الروماني والبيزنطي، بسبب وقوعها على تقاطع الطرق التجارية على الفرات التي تربط أسواق ثلاث من أهمّ مدن المشرق القديمة: حلب وتدمر ودورا أويروپوس، ورغم زوال دورا أويروپوس قبيل القرن الثالث لكن مع ذلك بقيت الرصافة تستقبل كلّ البضائع القادمة من فارس وما شرقها، صوب الأناضول والساحل المشرقي، وتُبادلها بالبضائع الوافدة من أوروپا والأناضول.

ونتيجة ثراء الرصافة العظيم فقد صارت من أحدث المدن تنظيماً في زمنها، وأُنشئت فيها أعظم تقنيات عصرها. ذلك أنّها كانت مدينة بلا موارد مائية من أيّ صنف كان، وهي في الأساس قاعدة عسكرية صحراوية محصّنة. لذلك اعتمدت على صهاريج كبيرة مبنية تحت باطن الأرض؛ لالتقاط أمطار الشتاء والربيع. أسّسها فيها ما بين سنتي 569 و581 ملك الغساسنة ”المنذر بن الحارث“، المنذر الثالث أو ”فلاڤيوس الأموندَروس“ Φλάβιος Ἀλαμούνδαρος بحسب المصادر الإغريقية.

وكان للمسألة المسيحية ونقاش طبيعة المسيح أثر شديد الوضوح على وضع الرصافة وعموم المسيحيّين العرب، إذ وبينما رفض البيزنطيون عقيدة الغساسنة المونوفيزية وعقيدة العرب النسطورية، اتّفقوا مع عقيدة العرب الميافيزية؛ فصاروا حلفاءهم وشركائهم في السياسة والتجارة.

إذ لمّا دبّ الخلاف والشقاق ما بين القسطنطينة والغساسنة في فلسطين بسبب المونوفيزية، استمال البيزنطيون قبيلة بهراء العربية وهي على مذهب الميافيزية، فأعطوها الرصافة نكاية بالغساسنة، وغيّروا اسمها إلى سرجيوپوليس لتصبح على اسم سرجيوس (سركيس الرصافي) أحد القداديس العرب الذين قُتلوا تحت التعذيب في الرصافة إبّان اضطهاد المسيحيين من قبل الميثرانيين سنة 303.

وسرجيوس أساساً ضابط رفيع المستوى في الجيش الروماني من الأزد، أظهر المسيحية فحوكم في صور وأُعدم في الرصافة بقطع رأسه أمام عشيرته من العرب، لاحقاً صار القدّيس الذي رفع الغساسنة صورة وجهه على رايتهم الرسمية، واعتبروه “شهيد الإيمان في الجيش” ومن أعظم شهداء المشرق. ومع تحويل الاهتمام عن الغساسنة إلى بهراء اعتبرت القسطنطينية سرجيوس بمكانة شفيع كلّ المسيحيّين العرب لسحب مكانة القدس، سيّما وقد سلّمت بيزنطة الرصافة سرجيوپوليس لبهراء سنة 580؛ وهي في الأساس محجّ للعرب المسيحيّين يقصدونها كلّ عام بعد القدس لزيارة كاتدرائية سرجيوس (سركيس).

راية الغساسنة وعليها صورة سرجيوس
راية الغساسنة وعليها صورة سرجيوس

هكذا أمسكت بهراء بعقدة الأسواق العربية على الفرات، وصارت أمينة كاتدرائية سرجيوس محجّ كلّ المسيحيّين العرب، وامتلكت مفاتيح السلم والحرب ما بين المناذرة والغساسنة وبالتالي واسطة ما بين كلّ اللّخميين التنوخيين والأزد. وامتدّ سلطان بهراء خلال وقت قصير من بعد سيطرتها على كلّ محافظة الفرات؛ لتحكم الرها شرقها، ومن ثمّ محافظتي سوريا على غربها، حتى استوطنت جبل اللاذقية على غرب سوريا فصار اسمه جبل بهراء. وانحسرت بالتالي سلطة الغساسنة لتعود إلى حدودها الأصلية في محافظات فلسطين الثلاث.

خلال الفترة الهيلينية كان أطلق العرب على جبل اللاذقية اسم ”بارجيلوس“ تحويراً للتسمية الإغريقية ”برگيلُس“، ثمّ صار اسمه منذ نهاية القرن السادس ”جبل بهراء“ مع امتداد سيطرة أمارة بهراء العربية على كامل الجبل من الرصافة. وكانت بهراء من أكثر الإمارات المسيحية تديّناً وتشدّداً للمسيحية الرومية، تحالفت مع الغساسنة سياسياً ثمّ انقلبت عليهم مع انحياز الكنيسة السريانية إلى صفّ الدولة الإسلامية الجديدة. فقاومت الإسلام وحاربت المسلمين العرب في صفوف الجيش البيزنطي ما بين سنتي 629 حتى 636، حين هُزمت بهراء في معركة اليرموك وتحوّلت كاملة إلى الإسلام مع سيطرة الدولة الإسلامية على سوريا.

وبهراء أساساً من لخميّي الجزيرة من بني قُضاعة، وقُضاعة مُختلف على نسبها إذا كانت من حِمير اليمنية أم من معد العدنانية. لكن وبكلّ الأحوال، قُضاعة جراهمة وينتمي إليهم المهرة، الذين يقيمون اليوم في محافظة المهرة اليمنية وفي ظفار وعلى جزيرة سقطرى، والمهرة من أقدم العرب. وسبب الخلاف حول نسب قضاعة هو أزمة سياسية اشتعلت نهاية القرن السابع عارضت فيها بهراء حكم بني أمية للإمبراطورية العربية الإسلامية. لربّما بسبب تراكم أحقاد سابقة ورثت هزيمة الغساسنة لبهراء عقب الحلف الغسّاني الإسلامي؛ الذي قابل حلف بهراء وبيزنطة، وكان الغساسنة من أهمّ حلفاء الأمويين في المشرق.

عموماً، سنة 725 نرى الأمير الأموي هشام بن عبد الملك، وعقب انتصابه على السلطة في دمشق، قد وضع الرصافة بين جفنيه، فطوّرها وحدّثها ووجّه أنظار أثرياء العرب إليها، فجعلها منتجعهم الصيفي، حتى صارت جنّة في وسط بادية الشام. ما دفع أهل الرصافة آنذاك لتسميتها برصافة هشام، وقد كانوا مسيحيّين. ولم ينس أهل الرصافة المعروف فكانت آخر القلاع الأموية الصامدة في مواجهة العبّاسيين، وعربها البدو هم من أنقذوا ”عبد الرحمن الداخل“ من الموت، وصاحبوه للحماية حتى هرّبوه إلى دمشق ومنها إلى مُرسية في الأندلس ليؤسّس فيها إمارته الأموية الجديدة. وعبد الرحمن الداخل لم ينس المعروف هو الآخر، وأنشأ ضاحية لقرطبة في الأندلس سمّاها الرصافة، وجعلها مقرّ الحكم الأموي في قرطبة. ولم يبق لها أثر في القرن العشرين مع الأسف، فبنت الحكومة الإسپانية في موضعها فندقاً سياحياً كبيراً، أطلقت عليه اسم الرصافة.

ولشدّة ولاء بهراء للأمويّين من بعد هشام بن عبد الملك، حملت حرّان؛ وهي من مدن بهراء، عصمة الدولة الأموية في المشرق في آخر سنيّ حياتها، ما بين سنتي 744 و750، حين سقطت في معركة الزاب. وقبل الزاب كان الأمير الأموي مروان بن محمد قد نقل عاصمة الدولة الأموية من دمشق إلى حرّان مدينته، وقد فقد الثقة بعساكر الشام وأئمّتها وخلافاتهم.

بقي أن أذكر أنّ الرصافة مذكورة في النصوص الأكّدية باسم ”رَشَپّه“ ومذكورة في الكتاب المقدّس باسم ”رِتسِف“ Ράφες في إصحاح إشعياء الفصل 37. ومذكورة في الموسوعة الكاثوليكية باسم ”سِرگيوپوليس“ Sergiopolis في المجلّد 13. وعرفها كذلك الپطالمة المصريين باسم ”رِصَفه“ Ρεσαφα. وذكرها الرومان بصيغتين في اللاتينية؛ الأولى ”ريساپا“ Risapa والثانية “روسافا“ Rosafa بعد تقسّم الإمبراطورية ما بين شرقية وغربية.

بقي أهل الرصافة على المسيحية حتّى منتصف القرن التاسع، حين انتصف أهل المدينة ما بين المسلمين والمسيحيّين، واستمرّت على ثرائها وازدهارها إلى أنّ دمّرها المونگول (المغول)، فهجرها سكّانها خلال القرن 13 واندثرت المدينة من بعدها.

في الخريطة التالية نرى حدود وتقسيمات أبرشية المشرق البيزنطية خلال القرن الخامس، وهي ذاتها استمرّت تقريباً خلال حرب القرن السابع العالمية؛ وحتّى بداية الدولة الإسلامية فيها. قمت بكتابة أسماء أغلب المدن بصياغتين؛ الصياغة البيزنطية القديمة والصياغة العربية المعاصرة.

خريطة أبرشية المشرق البيزنطية سنة 400

كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية تعتمد تقسيم الأبرشيات كوحدات إدارية، والباريش كان في مثابة الوالي الإسلامي، لكنّه امتاز عن الوالي برتبة دينية، حتّى في الفترة ما قبل المسيحية. ثمّ تقسّمت كلّ أبرشية إلى محافظات، كما نراها في الخريطة؛ حيث تقسّمت أبرشية المشرق إلى 15 محافظة، وأحاطتها أبرشيتيّ الپنطس وآسيا من الشمال، وأبرشية القبط من الجنوب، والإمبراطورية الساسانية من الشرق.

ومحافظات أبرشية المشرق البيزنطية كانت:
1. إسَوريا وعاصمتها سِلوگيا (سلوقية)
2. چِپّره (قبرص) وعاصمتها گونسطيانگيه
3. گيليگيا 1 وعاصمتها طرسوس
4. گيليگيا 2 وعاصمتها عين زربة
5. مزوپوتميا (النهرين) وعاصمتها آمد (دياربكر)
6. أوسروينه (الرها) وعاصمتها إديسا (الرها)
7. إيُفرَتيسيا (الفرات) وعاصمتها هيراپوليس (مدينة هيرا)
8. سوريا 1 وعاصمتها أنتيوقيّه (أنطاكيا)
9. سوريا سَلُتَر وعاصمتها أپميه (أفاميا)
10. فنيگيا (فينيقيا) وعاصمتها طيرو (صور)
11. فنيگيا اللّبنانية وعاصمتها إميسا (حمص)
12. آربيا (عربية) وعاصمتها بوسترا (بصرى)
13. فلسطين 1 وعاصمتها گِسَريّه (قيصرية)
14. فلسطين 2 وعاصمتها گيتوپوليس (مدينة گيتو)
15. فلسطين سَلُتَر وعاصمتها پِترا

مؤنس بخاري لمجموعة أطلس الخرائط

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات