تاريخ العلوية ما قبل المماليك

تتداول الكثير من الكتابات تاريخ العلوية بالنظر إلى تاريخ المذهب الديني، دون البحث في تاريخ العلوية السياسي، وأجد في هذا السرد الكثير من الخلط الذي ينتج عنه ارتباك في فهم تاريخ العلوية وسيرتهم القديمة كأشخاص؛ بغضّ النظر عن تاريخ الطائفة الديني. لذا قرّرتُ كتابة هذه التدوينة في تاريخ العلوية السياسي فقط، بغضّ النظر عن تاريخها الديني.

سنة 869 اندلعت من مدينة البصرة العراقية ثورة الزنج، وهي في الأساس ثورة شيعية ”جمهورية“ على الخلافة العبّاسية الملكية. ادّعى قائدها ”علي بن محمد“ أنّه المهدي المنتظر، واستعمل في عساكره العلويّين والخوراج والعبيد. آنذاك أسّس المذهب العلوي أبو شعيب محمّد بن نصير النميري، ومحمّد النميري كان أميراً عربياً من بني نمير القيسيّين المضريّين الذين عاشوا غرب الجزيرة ما بين النهرين في ديار مضر.

وُلد وعاش وتوفّي بن نصير في مدينة البصرة العراقية، وكانت وفاته في ذات السنة التي انتهت فيها ثورة الزنج سنة 883. وعُرف بن نصير بين أتباعه آنذاك بصفة وكيل الإمام العسكري ومنحه الناس لذلك لقب ”باب“ أي بوّابة الأئمّة الاثني عشر. وكانت قد ناصرت عشيرة النميرية الشيعية ابنهم محمد بن نصير، وانتشر المذهب العلويّ بينهم جميعاً فيم بعد. بينما تخلّت مدارس الشيعة عن الطائفة العلوية وصارت نمير بالتالي على مذهب خاصّ بها، لا تواليه مؤسّسات الشيعة ولا السنة.

شيوع المذهب العلويّ بين النميرية في الجزيرة آنذاك دعا العرب لتسمية المذهب كلّه بالمذهب النميري، وصار لقب العلوية هو النميرية. لكن مع انتشار المذهب العلوي في جبل بهراء خلال القرن 13 سمّى أتباعه أنفسهم بالنصيرية انتساباً إلى محمد بن نصير. إذ كان نسبهم إلى قبيلة بهراء لا إلى النميرية.

سنة 957 لجأ حسين بن حمدان الخصيبي إلى الدولة الحمدانية واستقرّ في مدينة حلب، وبدأ منها الدعوة للمذهب العلوي بدعم حكومي فتمأسس المذهب وصارت له الكتب وصارت حلب بمثابة عاصمة للمذهب النميري العلوي. والخصيبيّ أساساً من قرية عراقية اسمها جُنبلاء تقع ما بين الكوفة وواسط وسط العراق. اعتُقل الخصيبي وسُجن في بغداد بتهمة انتمائه إلى حركة القرامطة، ثمّ هرب بعدها إلى حلب.

في الواقع، اشتغلت الدولة الحمدانية على استقطاب المذاهب الشيعية العربية إلى حلب في مناورة سياسية لكسب الشيعة في عساكرها لدعمها، وكان شيعة العرب آنذاك بلا دولة كبرى لهم ما بين تنافس العبّاسية-البويهية والفاطمية والبيزنطية على المشرق.

سنة 968 منح الحمدانيّون إمارة الرها (أورفة) للنميريّين العلويّين، بتعيين ”وثّاب بن سابق النميري العلوي“ أميراً عليها باسم المملكة الحمدانية، بغرض الاستعانة بعشيرة النميريّين عسكرياً في مواجهة كلّ من البيزنطيّين والعبّاسيّين، فضمّ وثّاب أورفة إلى ديار النميرية من ديار مضر وصارت سلطتها تمتدّ من أورفة حتّى الرحبة (الميادين) على الفرات.

خريطة الإمارة العلوية النميرية في القرنين 10-11
خريطة الإمارة العلوية النميرية في القرنين 10-11

من المهمّ هنا ملاحظة أنّ استراتيجية الحكم النميرية آنذاك كانت دائماً تشتغل بالسيطرة على قمم الجبال وبناء القلاع عليها والإقامة فيها، دون الإقامة في المدن التي تحكمها إمارتهم، وكانوا يفضّلون الاعتزال في نمط حياة العسكر على الاختلاط برعايا الدولة، فلم تقم لهم قواعد شعبية في أيّ من المدن التي حكموها ما بين القرنين التاسع والثاني عشر.

سنة 969 سقطت أنطاكية مع شمال غرب سوريا تحت احتلال بيزنطي-أرمني، فانتعشت الدعوة العلوية آنذاك كدعوة لمناهضة الاحتلال البيزنطي؛ من خلال لوم الخلافة العبّاسية على سوء الأوضاع وتخلّيها عن حقوق العرب ومن خلال الدعوة السياسية لمناصرة الفاطميّين، وكانت هجمات البيزنطيّين قد وصلت حتّى حمص وطرابلس، وسقطت حلب بأيديهم سنة 961 لمدة عام تقريباً، فنهبوها وأبادوا جميع أهلها، ثمّ عاد الحمدانيّون بإحياء المدينة باستيراد سكّان من قنّسرين والقرى المحيطة بها، والعشائر العربية الشيعية المهمّشة.

سنة 1017 أسقط الفاطميّون إمارة حلب (وكانت السلالة الحمدانية قد انتهت اغتيالاً سنة 1003) وصارت حلب ولاية فاطمية إلى جوار إمارة النميريّة العلوية الصغيرة، ثمّ ما لبثت حلب أن استقلّت بعد أقل من عشر سنوات تحت عرش الأسرة المرداسية العربية الشيعية، والمرداسية من بني كلاب وهؤلاء كذلك قيسية مضرية كما النميرية.

تحالف المرداسية بداية مع النميرية من خلال زواج ملكهم ”شبل الدولة نصر المرداسي“ بابنة وثّاب بن سابق؛ الأميرة ”السيدة العلوية بنت وثّاب“، ثمّ شرع المرداسية بالتوسّع من سوريا شرقاً على حساب الإمارة العلوية. وكان المرداسيّون يقيمون استراجيّتهم العسكرية على نمط الإمارات العربية في المنطقة، ببناء القلاع والتحصّن فيها.

سنة 1031 خسر النميرية أورفة لصالح البيزنطيين فانتقلوا بعاصمتهم إلى الرقّة.

سنة 1037 تحالفت الإمارة العلوية مع الفاطميّين اتّقاءً للمرداسيّين وخوفاً من الدولة العبّاسية التي قد تستغلّ النزاع العلوي المرداسي لبسط سيطرتها على الجزيرة.

سنة 1060 تحالفت الإمارة العلوية مع العبّاسيين هذه المرّة وقد أظهر الفاطميون عدم مبالاة بمصير الإمارة العلوية.

سنة 1062 خسر النميرية العلويّون عاصمة إمارتهم الرقة لصالح المرداسيّين فانتقلوا إلى حرّان.

سنة 1081 خسر النميرية حرّان لصالح العقيليّين العرب، وكان العقيليّون كذلك من القيسيّة المضريّين الشيعة لكن على حلف مع السلاجقة. وبهذا زالت الإمارة العلوية وقد عاشت 90 سنة، وانتهى كلّ نفوذ للطائفة في الجزيرة، إلا على بعض القلاع المتفرّقة التي انتهت جميعاً بحلول سنة 1120.

سنة 1085 تحالف أمراء الموصل وحلب العقيليّين مع الفاطميّين خوفاً من السلاجقة، وكان العقيليّون قد تمدّدوا من الموصل على كامل سوريا. وعلى إثر تحالف العقيليّين مع الفاطميّين قضى السلاجقة على نفوذهم في حلب ولم تبق لهم سوى الرقّة، حيث أقاموا في قلعة جعبر، حتى أخذها منهم الزنگيون سنة 1096 وكان الزنگيون الأتراك قد استبدلوا العقيليّين سلفاً على إمارة الموصل بتكليف من السلاجقة.

انقراض نفوذ العلويّين في الجزيرة لم يعن نهاية المذهب العلوي من الوجود في الواقع، إذ استمرّ في نسخة ثانية بين عرب الساحل السوري، وهي النسخة التي استمرّت حتّى يومنا هذا.

سنة 1043 نزح الداعية العلوي أبو سعيد ميمون الطبراني مع الكثير من طلّابه عن حلب واستقرّ في اللاذقية، وكانت الأخيرة تحت احتلال البيزنطيّين. وسبب نزوح الطبراني عن حلب آنذاك كان اشتعال الحرب ما بين إمارة سوريا المرداسية، وإمارة ديار مضر العلوية. وميمون الطبراني من مواليد طبرستان على بحر قزوين سنة 969، وانتقل إلى حلب في طلب العلم سنة 987 ثمّ صار من دعاة العلوية وفلاسفتها.

وكما حدث في أنطاكية، انتعشت الدعوة العلوية آنذك كدعوة لمناهضة الاحتلال البيزنطي في جبل بهراء (جبل اللاذقية) وتحوّل عرب بهراء ببطء إلى الطائفة العلوية لكنّهم أبوا على أنفسهم تسمية النميريّة؛ فاختاروا تسميتهم بالطائفة النصيريّة نسبة إلى محمّد بن نصير، مؤسّس الطائفة منتصف القرن التاسع. إذ رأى البهرائية أنفسهم أعلى نسباً من النميريّة القيسيّة المضريّة.

في الواقع لم تنتشر النصيريّة في جبل بهراء حتى القرن 13 وانحسرت بقمم الجبل بسبب الإمارات الصليبية وانتشارها على الساحل. ولأنّ الطائفة انتشرت في جبل بهراء دون غيره في ذلك القرن بدأت الحكومات باستخدام تسمية جبل النصيرية بديلاً عن جبل بهراء اسماً لجبل اللاذقية. ثمّ رغبت الناس بتغييرها خلال القرن 19، فصارت مرّة تطلب اسم جبل الخصيبيّة نسبة إلى الحسين الخصيبي والطائفة الخصيبيّة، وتارة تطلب اسم جبل الفلّاحين، ذلك أنّ البعض من العلويّين رغبوا باسم ”طائفة الفلاحين“ بديلاً عن النصيرية كما يقول بطرس البستاني.

ومع الاحتلال الفرنسي لسوريا، ثبّتت الإدارة الفرنسية تسمية ”جبل العلويّين“ بتأسيس “مقاطعة العلويّين” الاستعمارية سنة 1920 ثمّ دولة العلويّين سنة 1922، التي انتهت سنة 1936 بانضمامها إلى دولة حلب، ومن ثمّ إلى الاتّحاد السوري، الذي صار الجمهورية السورية سنة 1938.

من مفارقات التاريخ أنّ الشيخ ابن تيمية الملقّب بشيخ الإسلام والذي أفتى بتكفير العلوية خلال القرن 13، هو أساساً نميريّ من حرّان من بقية بني نمير الذين نزحوا إلى دمشق هرباً من المغول. وجاء في نصّ فتواه:
”هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُسَمَّوْنَ بالنصيرية هُمْ وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ أَكْفَرُ مِنْ اليهود وَالنَّصَارَى; بَلْ وَأَكْفَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ مِثْلَ كُفَّارِ التَّتَارِ والفرنج وَغَيْرِهِمْ.“. ~ العاصيمي، الصفحة 145.

يمكن التوسّع بموضوعات هذه التدوينة في هذه المراجع:

  • للتوسّع في تاريخ العلوية بعد القرن 13 أنصح بقراءة مقال تاريخ العلويين: من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية.
  • وكذلك مقالة العلويون في الحرب السورية.
  • للتوسّع في تاريخ ميمون الطبراني أنصح بقراءة مقال الفيلسوف العلوي أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني.
  • Rodriguez, Junius P., ed. “Zanj Slave Revolts”. Encyclopedia of Slave Resistance and Rebellion. Greenwood Publishing Group.
  • Furlonge, Nigel D. “Revisiting the Zanj and Re-Visioning Revolt: Complexities of the Zanj Conflict – 868-883 AD”. Negro History Bulletin.
  • Waines, David, ed. The History of al-Ṭabarī: The Revolt of the Zanj, A.D. 869–879. Albany, New York: State University of New York Press.
  • Popovic, Alexandre. The Revolt of African Slaves in Iraq, in the 3rd/9th Century. Trans. Léon King. Princeton: Markus Wiener Publishers.
  • Talhami, Ghada Hashem. “The Zanj Rebellion Reconsidered”. The International Journal of African Historical Studies.
    Lewis, Bernard. The Arabs in History. Oxford: Oxford University..
  • Nöldeke, Theodor. Trans. Charles John Sutherland Black. London and Edinburgh: Adam and Charles Black.
  • Burns, Ross. Aleppo, A History. Routledge.
  • مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه، جمع عبد الرحمن العاصيمي. مطابع دار العربية.
  • تاريخ الطبري.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات