سمرقند قلب الصُغد

هذه التدوينة تصاحبك في رحلة ممتعة دوامها 3000 سنة.

مدينة سمرقند، من أقدم مدن وسط آسيا، ولا تنافسها عمراً من حواضر تركستان سوى مدينة بخارى، وسمرقند هي منبع وحاضرة الحضارة الصُغدية عبر العصور. اسم المدينة من اللّغة الأسورية القديمة ومعناه ”البلد الغربي“ أو ”البيت الغربي“، وأسماها الإغريق في الفترة الهيلينية مَرَگَنده Maracanda أي ”المدينة الغربية“ ترجمة حرفية عن الاسم الأسوري. ونالت اسمها لأنّها تقع على الغرب من بلاد الطاجيك، مستقرّ بني طيء على بدايات نهر أموداريا في وسط آسيا.

وتقع سمرقند على نهر صُغديا (زِرڤشان) في منتصف المسافة تماماً بين نهري تركستان أمُداريا وسُرداريا.

ساحة ریگِستان في سمرقند القديمة
ساحة ریگِستان في سمرقند القديمة

سكنت المنطقة الصغدية شعوب مستقرّة ومزارعة منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، ثمّ نشأت الحضارة الصغدية ما بين نهري تركستان في وقت سبق نشوء الإمبراطورية الأخمينية بعدّة قرون، وبدأت في الأساس كمستوطنات بعيدة للإمبراطورية الأسورية الثانية (مت-أشُّر) في وسط آسيا قبل ثلاث آلاف سنة (القرن 10 ق.م). وطالما أنّها تأسّست من قبل أسوريّين فقد بُنيت مجتمعاتها على أسس اجتماعية وثقافية ودينية أسورية. فكانت الصغد على ديانة الشمس السومرية القديمة، تنتشر في مدنها معابد للشمس ومعابد للقمر.

أطلق الأسوريون على الصُغد اسم ”أشكُز“ بمعنى ”الرُماة“ نسبة إلى كلمة رامي ”شَكَز“ عن الأكّدية ”شَقَسِّ“. ما يعني أنّ أهل هذه البلاد تميّزوا برُماتهم المحاربين، ولا بدّ أنّ فرقة من الرماة الصُغد خدمت من الجيش الأسوري حتى نالت بلادهم هذه التسمية… وتحوّلت التسمية الأسورية ذاتها إلى ”أصُّغد“ مع تطوّرات اللّهجات المختلفة حتى العربية في القرن الثامن.

تظهر الصغدية كسطراب باسم صوگدياني في التقسيمات الإدارية للإمبراطورية الأخمينية لسنة 490
تظهر الصغدية كسطراب باسم صوگدياني في التقسيمات الإدارية للإمبراطورية الأخمينية لسنة 490

في القرن 6 ق.م صارت الصُغدية ولاية أخمينية؛ فسادت فيها اللّغة الآرامية، ثمّ استمرّت على الشكل الذي نظّمها عليه الأخمينيّون حتّى القرن 11، حين زالت ثقافتها تحت حكم خانية آل أفراسياب القرخانية التركمانية. لكن وطوال القرون الستّة عشرة التي سبقت آل أفراسياب سيطرت ثقافة الصُغد على كامل طريق الحرير وتحكّمت بمراكزه التجارية وسادت لغتها الصُغدية كلغة تجارية على طول خطوط طريق الحرير، ما يعني أنّهم شعب من التجّار. عموماً، كانت الصادرات الصغدية الأبرز هي الخيول والعنب ونبيذه والبرسيم الحجازي والأواني الفضية والزجاجية والنحاسية والأقمشة الصوفية والكهرمان.

تفاصيل معمارية على مدرسة شِير-دار
تفاصيل معمارية على مدرسة شِير-دار

في الواقع، كان لحضارة الصُغد الفضل في نشوء الأمّة التركية كما نعرفها اليوم، حين تحالفت مدن الصُغد خلال القرن السادس مع فصائل من قبائل الساكا لحماية طريق الحرير، ما أسّس لنشوء خانية الگوك-تورگ 𐰃𐰓𐰃𐰆𐰴𐰽𐰔:𐰰𐰇𐰚:𐱅𐰇𐰼𐰰 ”إدِ أوقسز گوك تُرُگ“ أي الفرسان السماويين المتّحدين؛ أوّل الإمبراطوريات التركية على الإطلاق. والتي منح وجودها واسمها الترك اسمهم المعاصر. بينما كانت ”گوك تُرُگ“ في الأساس تسمية صُغدية أتت من تلاصق كلمتين؛ واحدة من لغة الساكا 𐱅𐰇𐰼𐰰 (تُرُك) أي فرسان؛ والثانية من لغة الصُغد 𐰛𐰇𐰜 (گوك) أي سماوي، ومعاً يصبح المعنى ”الفرسان السماويّون“ (من لون السماء الأزرق العميق). وكان عرفهم الصينيّون باسم توچييه 突厥 الذي يعني في الصينية الوسيطة “الرجال الزرق“.

خلال عهد آل گورکاني (التيموريّين) الذين حكموا الصُغد ما بين القرنين 14 و 15، نهضت عاصمتهم سمرقند معمارياً وعلمياً بشكل ملحوظ، فباتت المدينة حاضرة لامبراطورية گورکانیان التيمورية وأحد أبرز عواصم العلم والمعرفة في العالم. وساد عهد تقديس الرياضيات وعلوم الحساب في تلك الفترة على أنها أهمّ العلوم المعرفية.

مدخل واحدة من جامعات ساحة ریگِستان في سمرقند
مدخل واحدة من جامعات ساحة ریگِستان في سمرقند

يبدوا واضحاً اهتمام آل گورکاني بالعلم والمعرفة في تكريس ساحة سمرقند الرئيسية للمدارس والجامعات. فبدل إحاطة ساحة ریگِستان بالقصور الملكية والمباني الحكومية (على عادة الممالك)، تمتلئ الساحة وفقط بالمدارس (الجامعات)، حتّى أنّ عرش أُلغ بیگ الملك التيموري نفسه كان داخل المدرسة؛ يستقبل فيها مراجعيه ويقضي فيها بأمور الدولة، وكانت ریگِستان هي الساحة التي يستمع فيها الناس للقوانين الجديدة والأخبار الحكومية، وفيها تُعلن الترسيمات الجديدة والتصريحات الملكية.

ورغم انتقال العاصمة السياسية لامبراطورية گورکانیان عن سمرقند سنة 1405، ورغم سقوط المملكة ونزوحها نحو الهند سنة 1507، إلا أنّ المدينة بقيت حاضرة للعلم والمعرفة في عهد خانيّة بخارى الشيبانيّة واستمرّت بأداء دورها كأحد عواصم التعليم في آسيا، إلى أن سقطت الخانيّة أخيراً تحت الاحتلال الروسي مطلع القرن العشرين.

عانت منشآت ساحة ریگِستان من إهمال شديد في العهد السوڤييتي، انتشر فيها الخراب واستخدمتها القوات السوڤيتية معسكراً للجيش ومستودعات حكوميّة وزرائب للدواب. لكن، تعتني الحكومة الأوزبكية بها اليوم كونها أهمّ المقاصد السياحية للمدينة.

خريطة الخانات الشيبانية قبل الاحتلال الروسي
خريطة الخانات الشيبانية قبل الاحتلال الروسي

تجتمع في ساحة ریگِستان خمس منشآت رئيسية، كلّ منشأة منها مجمّع لعدّة مباني تختصّ بتخصّص مشترك. وریگِستان هي تسمية صُغديّة تعني ”المكان المُنبسط“ (المرگوگ)، وهي سمة تشترك فيها ساحة ریگِستان مع مدينة الرقّة السورية، حيث تأتي تسمية الرقة كذلك من كلمة ”رگّه“ العربية، لأنها هضبة منبسطة (مرگوگه).

المنشآت الخمس في الساحة هي ثلاث جامعات ومركز للتجارة الدولية وضريح آل شيباني. بُنيت جميعاً بطُرز معمارية إسلامية، اعتنت عناية شديدة بالفسيفساء والمقرنصات والمنمنات الأوزبكية، ومزيّنة جميعاً باللّون الأزرق المبهر، سواء بالأزرق السماوي أو التركواز أو النيلي.

في الواقع يعود احترام اللّون الأزرق في الصُغد إلى أقدم تواجد حضري في المنطقة، ومنذ انتشرت فيها الديانة التِنگرية (السماوية) التي قدّست اللّون السماوي، وكانت الحضارة الأولى حول العالم التي منحت اللّون الأزرق انتباهاً واسماً، قبل أن يُعرف في أيّ من اللّغات القديمة حول العالم. واستمرّ حضور اللّون الأزرق واحترامه مع الإسلام، سيّما وقد اتّخذ الإسلام تقديساً سماوياً، ارتبط بالسماء والسماوات وبالله الغائب.

كلمة مدرسه باللّغة الصغدية (التركستانية) تقابلها كلمة جامعة في عربية عصرنا الراهن، ولم تتبدّل استخدامات الكلمة حتى مع تقلّب ثقافات ممالك المنطقة ما بين الآرامية والهيلينية والتركية والفارسية، ومنشآت ساحة ریگِستان هي:

من داخل مدرسة أُلغ بیگ
من داخل مدرسة أُلغ بیگ

مدرسة أُلغ بیگ Ulugh Beg Madrasah، بُنيت سنة 1417 في عهد ميرزا محمّد طارَغَي أُلغ بیگ (السيد الأعلى) وكان سلطاناً وفلكياً وعالم رياضيات. وفي بداية عهدها احتوت المدرسة على إيوان الملك التيموري. وتتميّز بمناراتها المرتفعة، وبفسيفساء الإيوان والمداخل وبالزخارف الهندسية المنمنمة المبنية على خبرات حسابية عالية. وتحتوي مبانيها إضافة إلى المنارات على مسجد وقاعات للمحاضرات، وعنبر لغرف سكن الطلاب، وتحتوي كذلك على صالات عدّة تتعامد مع المحاور والممرّات. في الواقع سبق وجود مدرسة أُلغ بیگ مدرسة أقدم في المكان، ولا يُعرف تاريخ بنائها، ولم يكن إنشاء مدرسه أُلغ بیگ إلا توسعة وتطويراً للمدرسة القديمة المكوّنة من مبنى من طابقين تحيطه أربع قاعات مقبّبة للمحاضرات، في كلّ زاوية.

اشتُهرت مدرسة أُلغ بیگ خلال القرن 15 بصفة جامعة الشرق الإسلامي، واختصّت بتدريس الرياضيات والفلك وعلوم الطب والفلسفة، بالإضافة إلى الشريعة الإسلامية والشِعر والعلوم الصوفية، وكانت تَعتبر فنون الرسم والنحت كأحد أفرع علم الرياضيات.

تفاصيل ميثرانية على واجهة مدخل مدرسة شِير-دار
تفاصيل ميثرانية على واجهة مدخل مدرسة شِير-دار

مدرسة شِير-دار، يلفظ أهل الصُغد حرف ا بلفظ سرياني بحيث يكون مائلاً إلى الواو وليس ممدوداً تماماً، لذا يكتب الأوزبك اسم المدرسة اليوم Sher-Dor Madrasah. بنيت على مراحل ما بين 1619 و 1636 في العهد الشيباني؛ بقرار من حاكم سمرقند يلنگطش بخادُر. ولا أحد يعرف سبب زخرفتها بزخارف ميثرانية سورية، مع أنّ الديانة الميثرانية كانت قد ماتت شرقاً وغرباً خلال القرن الرابع. أمّا سبب بناء المدرسة فكان توسعة لقدرات استيعاب مدرسة أُلغ بیگ بعد ازدحام الطلاب فيها.

تفاصيل من داخل المسجد الخاص بمدرسة طليه-كاري
تفاصيل من داخل المسجد الخاص بمدرسة طليه-كاري

مدرسة طِليه-كاري (كوري) Tilya-Kori Madrasah ويعني اسمها ”المطلية بالذهب“، بنيت على مراحل ما بين 1646 و 1660، وحاكم سمرقند الشيباني يلنگطش بخادُر هو من أمر ببنائها كذلك، وكانت الغاية من بنائها استخدامها كسكن ومسجد للطلاب، بالإضافة لاحتوائها على أربع صالات كبيرة للتدريس تتعامد مع محاور المنشأة. وفي قسمها الغربي مسجد مذهّب بالكامل من الداخل. 

إلى جانب المدارس يقف في ساحة ريگِستان مبنيان آخران هما:

ضريح آل شيباني في ریگِستان
ضريح آل شيباني في ریگِستان

ضريح آل شيباني، وتمّ بناءه خلال القرن 16 كمقام للأمير محمّد شيباني، القائد الأُوزبكي المؤسّس للأسرة الملكية الشيبانية، كان شيباني زعيماً لعشيرة البدو الأُوزبيگ، تحالف مع الخانية الجغطائية لصدّ التوسّع الصفوي مطلع القرن 16 وخدمت عشيرته في صفوف الجيش الجغطائي وقضى على الإدارة المتهالكة للأسرة الگورکانية، ثمّ تربّع على عرش خانيّة بخارى منذ 1507، ما أدّى إلى استقرار وتمدّن جميع البدو الأُوزبيگ نهائياً، واستقرّوا جميعاً على أملاك في المدن والأرياف التركستانية.

قبة چارسُ في ریگِستان
قبة چارسُ في ریگِستان

المبنى الخامس في ساحة ریگِستان هو الچارسُ Chorsu هو مبنى مسدّس مقبّب، اسمه من اللّغة الصُغدية ومعناه ”تقاطع الطرق“ حيث يقع على تقاطع الطرق الدولية ما بين سمرقند وطشقند وبخارى وشهرسبز. أُنشئ خلال القرن 15 كبازار لتجّار القوافل، ثمّ أصبح المركز التجاري لتركستان وعموم وسط آسيا، وأعيد بناؤه خلال القرن 18… سنة 2005 استملكت المبنى أكاديمية الفنون الأوزبكية، وأصبح أهمّ متاحف عرض الفنون في سمرقند.

سمرقند ليست مجرّد مدينة على خريطة تركستان المعاصرة، بل إنّ تاريخها هو تاريخ وسط آسيا ورمز لتركستان كلّها. حملت هذه المدينة الزرقاء سمرقند منصّة العلوم والعلماء المسلمين بعد زوال عواصم العلوم الإسلامية في الشرق الأوسط، وكأنّ روح جامعة بيت الحكمة انتقلت من بغداد بعد دمارها فاستوطنت سمرقند لخمسة قرون تالية.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات