الفصائل الإسرائيلية

مَن هي القوّات التي هزمت الجيوش العربية في فلسطين في العام 1948؟

هذا سرد فيه معلومات معروفة ومتداولة خارج السياق الثقافي العربي، على الرغم من أنّها متوفّرة في كتب التاريخ الأكاديمية الإسرائيلية (على الأقل) وغير سرّية. أعيد نشرها كتدوينة علّنا نتعلّم من دروس التاريخ. فبرأيي؛ إسرائيل هي نتيجة تدخّل مخابراتي وليست صنيعة مؤامرة. وكان يمكن أن تكون النتيجة مختلفة تماماً لو تغيّرت مصالح المخابرات. كحال الثورات العربية والحروب اللاحقة لاشتعالها.

في الواقع، حكاية النكبة وإعلان إسرائيل لا تختلف بتفاصيلها عن الكثير من حكايات الحروب المشتعلة حالياً في بلدان العرب وشرق أوروپا، فنحن الشعوب غنائم هزيمة العثمانية والاتحاد السوڤييتي من بعدها، ولم نزل ببلادنا ملاعب الإمبراطوريات من الشركات متعددة الجنسيات، التي تموّل فصيلاً هنا وتسلّح فصيلاً تارة هناك طالما التربة خصبة لإنبات الفصائل وسط المظالم الكثيرة في فوضى عنصرية المنطقة. وكلّما ثار منّا شعب لعبت به قوى الإمبراطوريات كبيادق على رقعة شطرنج، إلّا أن نتحرّر فتكون لنا قوّة وسلام.

الجيش الإسرائيلي في حرب 1948 تكوّن من عدّة قوى؛ ولم يكن صهيونياً بالكامل، فقد قاتلت فيه فصائل عدّة لم تكن على وفاق تامّ فيما بينها، وكان أهمّها فصيل هاگاناه הַהֲגָנָה (الدفاع) الذي أسّسه تمويل وتسليح جمهوري پولاندي طيلة العقدين ما قبل 1941 بالإضافة إلى تدريب فرنسي… هاگاناه كان مكروهاً من طرف الجيش البريطاني؛ خصوصاً بعد معارك 1939 بين الطرفين. لكنّ هاگاناه هو الفصيل الذي تحوّل لما نعرفه اليوم رسمياً باسم ”جيش الدفاع“ الإسرائيلي.

تأسّس هاگاناه سنة 1922 عن تنظيم هايَشوڤ הישוב، الذي تأسّس بدوره سنة 1882 لمساعدة المهاجرين اليهود على بناء مساكن في محيط مدينة القدس. وكانت كتائب مقاتلي يَشوڤ جزء من فصائل جيش الثورة العربية ما بين سنتي 1917 و 1920 وحاربت القوات العثمانية إلى جانب الشريف حسين وفرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الأولى. لكن، وبسبب رفض بعض فصائل هايَشوڤ إطاعة أوامر قيادتها للتعاون مع الانتداب البريطاني؛ انشقّت عن التنظيم وبحثت عن مصادر تمويل جديدة وأسّست حركة ”الصهيونية الجديدة“ التي نظّمت كتائب ”حرّاس الدفاع“ عن المستوطنات؛ التي تحوّلت إلى هاگاناه.

القوة الثانية كانت لواء الپَلماخ פלמ”ח، وتأسّس سنة 1941 لدعم الجيش البريطاني في مواجهة قوّات المحور في الحرب العالمية الثانية… وفي الواقع، هذا اللواء تأسّس من قوّات النخبة في هاگاناه، لكن بسبب العداء العلني ما بين الجيش البريطاني وهاگاناه فضّل الطرفين إنشاء لواء باسم جديد وتحت قيادة منفصلة درءً للنزاعات.

القوة الثالثة هي فصيل ليحي לח”י – לוחמי חרות ישראל المعروف شعبياً باسم عصابات شتيرن، وهي كتائب عسكرية قومية منشقّة سنة 1940 عن تنظيم إرگُون، وكانت نالت تمويلاً وتسليحاً من طرف إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، لقتال قوات الجيش البريطاني في فلسطين والانخراط في المخابرات الإيطالية.

القوة الرابعة هي تنظيم إرگُون ארגון، وكان التنظيم قد تأسّست بتمويل من لاتڤيا وتسليح فرنسي سنة 1928 وانشقّت بالأساس تمرّداً عن هاگاناه فرع القدس كمنظمة لتهريب المهاجرين من شرق أوروپا إلى فلسطين، فنال التنظيم التمويل من شبكة التجارة البحرية الواسعة التي امتلكتها لاتڤيا شرق أوروپا قبل الحقبة السوڤييتية (التي بدأت سنة 1940) وكذلك من أثرياء ومتنفّذين يهود من لاتڤيا.

القوة الخامسة كانت لواء ماچال מח”ל (مخال) لقوّات النخبة غير اليهودية، الذي تكوّن من حوالي 4000 متطوّع ومتطوّعة من 37 بلد مختلف واشتغلوا تحت قيادة آمر كندي الجنسية، أغلبهم كانوا من كندا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، واجتمع هؤلاء ”المتطوّعين“ سنة 1946 في فلسطين منتخبين من الكتائب الأعلى خبرة في الحرب العالمية الثانية التي قاتلت في أوروپا. ثم عادت الأغلبية منهم إلى بلدانهم بعد انتهاء الحرب سنة 1949 إلا 500 منهم نالوا المواطنة الإسرائيلية، وكان منهم نساء غير يهوديات تزوّجن من ضبّاط يهود فاستقرّوا في البلد. ثمّ تحوّل الجنود الذين خضعوا لتدريب لواء ماچال إلى لواء گولاني חֲטִיבַת גּוֹלָנִי الذي يحارب اليوم ضمن ألوية الجيش الإسرائيلي.

القوة السادسة كانت خيروت أڤير חֵיל הָאֲוִיר (سلاح الجو) وكانت بأغلبها قوّات طيارين مرتزقة تحت قيادة طيار من دولة جنوب أفريقيا. ونالت التسليح من جمهورية تشيكوسلوڤاكيا بوساطة ضابط سابق في الطيران الأميركي.

القوّة السابعة كانت القوّات البحرية كجزء من لواء ماچال، وكانت بكاملها تحت قيادة ضباط ”متطوعين“ من البحرية الأميركية. وحاربت هذه القوات على سفن عسكرية اشترتها شركة كندية من الجيش الأميركي سنة 1947.

هذه جميعاً كانت أهمّ الفصائل المقاتلة التي هزمت الجيوش العربية في فلسطين سنة 1948.

خريطة خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين سنة 1947
خريطة خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين سنة 1947
نتيجة حرب 1948 وحدود وقف إطلاق النار
نتيجة حرب 1948 وحدود وقف إطلاق النار

في الخريطة الأخيرة نلاحظ حصيلة الحرب التي حدّدت انتصار إسرائيل.

باللون الأزرق المناطق التي نالت اعترافاً دولياً باسم دولة إسرائيل.
باللون البرتقالي المناطق التي توسّعت فيها إسرائيل ونزح عنها غير اليهود.
باللون الأخضر الضفة الغربية التي نزلت تحت سلطة الأردن، وقطاع غزة الذي نزل تحت سلطة مصر.

في قضية الشعب الفلسطيني؛ يعتب العرب باستمرار على الدول الإسلامية إذا تعاملت مع إسرائيل.

كعربي لماذا تطالب الدول الإسلامية بنصرة قضية عربية؟ هل السبب هو أنّك مسلم؟ أم لأهمية عروبة فلسطين على المستوى الإسلامي؟
وطالما تعتب على دولة إسلامية إذا قصّرت بنصرة قضية عربية، لماذا لا تعتب على دولة مسيحية إذا قصّرت بنصرة قضية الشعب الفلسطيني؟ أليست لفلسطين أهمّية على المستوى المسيحي؟

أجد أنّ الفلسطينيّ تائه إلى اليوم في تحديد هوية قضيّته… وهو ميراث سياسات أمين الحسيني الخاطئة التي ربطت الهوية العربية الفلسطينية بالإسلام، طالما أنّ فلسطين فُصلت بالأساس عن سلطنة إسلامية.

بينما، قضية الفلسطيني الأساسية هي حقوق من طُردوا عن بيوتهم وأراضيهم حين استولى عليها الآخر غيرهم. بغضّ النظر عن هوية هذا الآخر. لأنّ وجود هذا المطرود في بيته كان حلّ القضية كلها، لو أنّه بقي في فلسطين ولو تحت مواطنة إسرائيلية… إذا كانت الفكرة الإسرائيلية بياسمين الديمقراطية كما يدّعي منظّروها.

نشأت القضية الفلسطينية بطرد الفلسطينيين عن ديارهم. فمُنعوا بالتالي عن التدخّل في حلّ قضيتهم كقضية داخلية تخصّ فلسطين. وبذلت الدول العربية جهدها لمنع الفلسطيني عن العودة إلى بلاده والتأثير فيها؛ من خلال مقاطعة إسرائيل ومنع اللاجئ الفلسطيني عن المواطنة والسفر.

وهنا، ينبغي الانتباه إلى أنّ المقاطعة سياسياً تقتضي الاعتراف حكماً بوجود إسرائيل كي تُمكن مقاطعتها؛ على مستوى القانون الدولي… ما يعني أنّ جميع الحكومات العربية اعترفت بوجود الحكومة الإسرائيلية في اللّحظة التي أقرّت فيها علناً بمقاطعتها. ولم تكن هذه غلطة غير مقصودة.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات