من هم المورو؟

تتناقل المصادر العربية خطأ تسميات مثل ”الأموريين“ و ”العموريين“ و ”العمورو“ ولا أفهم حتى اليوم إصرار الكتّاب العرب على حشر حرف ع في كلّ الأسماء القديمة البادئة بهمزة. هذا الإقلاب ما بين الهمزة والعين يشوّه المعنى الأصلي للأسماء، خاصة وأنّ الأقدمين استخدموا الهمزة أداة تعريف وإشارة، ولا تُستبدل تعريباً سوى بال التعريف.

تسمية الأموريين الأصلية إن لم نشأ ترجمتها إلى العربية نأخذها من التسمية الأكّدية ”المُرّوم“ أمّا إذا ترجمناها إلى العربية المعاصرة تصير ”الغربيّين“. وهم شعب سمّاه السومريّون ”مَرتُ“ 𒈥𒌅 أي الغربيّين كذلك، بسبب انتشارهم في الأراضي على غرب الفرات وعلى الغرب من مملكة السومريين، فيما هو اليوم سوريا والأردن، وسمّاهم الأكّديّون ”أمُرّوم“ التي حملت ذات المعنى كذلك: الغربيّين، وسمّاهم المصريّون ”أمَر“. هذا الشعب اتّخذ من حوران قاعدة ثقافية لوجوده، ووصل المنطقة مهاجراً من الجنوب بعد كارثة انفجار بركان جبل حوران التي أبادت معظم شعوب المنطقة في جنوب سوريا المعاصرة قبل نحو 5500 سنة.

وصل ”المُرّوم“ الغربيّون إلى المنطقة على موجات قبل نحو 5000 سنة، ثمّ صاروا السبب في تسمية الأكّديين لسوريا باسم ”أمُرُّ“ (وليس أمورو) ثم أطلق الأكّديون على بلادهم تسمية ”أرام“ ثمّ ”إبير-ناري“ أي عبر النهر (نهر الفرات). وهي التسمية التي استمرّت في التقسيمات الإدارة مع الممالك الأسورية (الأشورية) ثمّ الأخمينية. لكنّ أوّل منطقة جغرافية حدّدتها النصوص السومرية والأكّدية والأسورية باسمهم هي منطقة جبل البِشْرِي ما بين دير الزور والرقّة في سوريا المعاصرة، وأطلقوا عليه آنذاك تسمية جبل أمُرّوم.

هؤلاء الغربيّين كانوا من الشعوب الرُعاة التي اعتمدت على الرعي لاقتصادها، وكرهت الزراعة وتقاتلت مع المزارعين على الأراضي. ما وضعهم على حالة تعادي مع ممالك ما بين النهرين العراقية. أخيراً، انتصر الغربيّون على مملكة سومر واستوطنوها وحكموها وصاروا على رأس الديانة البابلية لثلاثة قرون. هذه الفترة عرفت تغييرات جذرية في الديانة السومرية، حين تراجع توازن الثالوث الأسريّ المقدّس ما بين الرجل والمرأة والطفل، ومالت كفّة الميزان بشدّة لصالح الرجل على حساب المرأة.

فمن دراسة القانون البابلي المعروف باسم شريعة حَمُّرَبي (حمورابي) أجد أنّ الدولة البابلية قد شرّعت أقسى القوانين مهانة في حقّ المرأة، إذ توافق المجتمع على قانون وضع فيه حَمُّرَبي المرأة ملكية مطلقة للرجل يتصرّف فيها كما يشاء.

ففي شريعة حَمُّرَبي نجد أنّ تعريف الزواج ضمناً هو أن يشتري أب زوجة لابنه من أبيها. وإذا مات أب قبل أن يشتري زوجات لكلّ أبنائه، صار للابن الوريث حقّ بقيمة ثمن زوجة تُضاف على حصّته من الميراث. وفي الثقافة العربية لا نجد تعريفاً لهذه الحالة سوى اكتراء جارية، على درجة بسيطة أعلى من العبدة.

ونجد في شريعة حَمُّرَبي كذلك أنّ المرأة مُنعت من حقّ الطلاق، فإذا طلبت الطلاق أو تركت بيت زوجها عوقبت بالإعدام غرقاً تحت الماء، وإذا ثبتت عليها ميول عاطفية اتّجاه رجل آخر غير زوجها عوقبت بالرمي من أعالي القلاع والمعابد. ولا يُسمح لها بالطلاق أو بمغادرة بيت زوجها إلا إذا استطاعت أن تُثبت للقاضي أنّ زوجها أساء معاملتها فمنع عنها المأكل وضربها.

لا مجال أمام المرأة للخلاص من زوجها في الشريعة البابلية إلا إذا تركها هذا الرجل بإرادته ورفض وجودها في حياته. وللرجل الحقّ بإنزال زوجته مرتبة العبيد والزواج عليها وإكراهها على خدمة الزوجة الثانية، إذا تقاعست عن خدمته وأهملت واجباتها اتجاهه. والعبيد تُشترى وتباع وتُقتل دون حساب.

لوحة بعنوان "سوق الزواج البابلي" رسمها الفنان إدوِن لونگ سنة 1875 لصالح كلّية هولّويى الملكية
لوحة بعنوان “سوق الزواج البابلي” رسمها الفنان إدوِن لونگ سنة 1875 لصالح كلّية هولّويى الملكية

في الواقع، شكّل ”المُرّوم“ الغربيّون خطراً على العديد من ممالك المنطقة الزراعية آنذاك، فخاضوا حروباً مع ممالك أور السومرية وإبلا وماري ووصلت غزواتهم حتّى گبدوگيا في تركيا المعاصرة. ولمقاومتهم أنشأت الممالك الزراعية القديمة أسواراً طويلة لردع المُرّوم عن أراضيها. فقبل 4500 سنة مثلاً أنشأت مملكتي إبلا وأوگاريت سوراً بطول 250 كلم يمتدّ من جبال لبنان نحو الشمال. وفي عصر سلالة أور الثالثة قبل نحو 4030 سنة أنشأت المملكة سور ”مرتو“ على اسمهم بالسومرية، ووصل طوله حتى 280 كلم ما بين ديالا ودجلة شمالاً. ولم تكن هذه هي الأسوار الوحيدة التي بناها أهل المشرق لصدّ ”المُرّوم“ الرعاة عن أراضيهم.

عموماً، هزم ”المُرّوم“ الرعاة مملكة إبلا قبل 4300 سنة وصاروا من مكوّناتها الأساسية، ثمّ استعان بهم أمراء المملكة الأكّدية في نهاية عهدها كعساكر مرتزقة فاستوطنوا المناطق الشرقية شرق الفرات، إلى أن خاف السومريّون من هجمات الإيلاميّين واستعانوا بالمُرّوم كجنود مرتزقة في جيش أور. تعاظمت قوّة هذا الجيش المُرّومي فانفصل عن أور بمملكة مستقلّة في إيسن نصّبت ملكاً سومرياً كواجهة صورية غير حقيقية للسلطة، التي كانت في الواقع بيد المُرّوم.

أخيراً، قبل 4017 سنة اجتاح الإيلاميون بلاد سومر كلّها ودمّروا أور، فطردهم المُرّوم وحكموا سومر كاملة وصارت كلّ البلاد تحت سلطانهم ونفوذهم، المادّي والثقافي.

ربّ المورو الذي عبده المُرّوم في لرسه في سومر خلال العصر البابلي. متحف اللوڤر، فرنسا
ربّ المورو الذي عبده المُرّوم في لرسه في سومر خلال العصر البابلي. متحف اللوڤر، فرنسا

كان من سلالات المُرّوم أسرة حَمُّرَبي (حمورابي) الذي حكم المملكة البابلية لمدّة اثنين وأربعين سنة بدأت قبل 3812 سنة من اليوم، وكانت سلالته من أسرة حكمت بابل لمدّة 300 سنة تماماً. هذه الأسرة هي التي جلبت اللغة الآرامية إلى العراق ومهّدت لها تحوّلها لغة عالمية مع صعود الثقافة البابلية على جيرانها. أسرة حَمُّرَبي هم أبناء ”سُمُ أبُم“ أو ”سُأَبُ“، ويمكننا تسميتهم ”بني سُأَبُ“ أو ”ذُأَبُ“.

تورد النصوص السومرية والأكّدية ما قبل استلاط المُرّوم الغربيين على البلاد، صفات تسمهم بالخشونة والهمجية وكذلك بعدم المداهنة ولا اتّباع أصول الدبلوماسية، ويسمّونهم بالأجانب الخارجيين، ويقولون فيهم أنّهم:

  • أجلاف يعيشون في الجبال لاصطياد الماعز والأغنام لتربيتها والعيش معها وبينها.
  • يعيشون في الخيام المعرّضة للرياح والمطر، ولا يملكون بيوتاً ولا قبوراً، ولا يعرفون المنازل ولا المدن.
  • يعيشون على الإغارة والغزو باستمرار ويرى فيهم الأكّديون غرائز حيوانية مثل الذئاب.
  • يأكل المُرّوم طعامهم نيئاً ولا يطبخون اللحم، ولا يعرفون الحبوب، لكنّهم يحبّون الكمأة.
  • لا يثني المُرّومي ركبته، فلا ينثني احتراماً لأحد ولا يخضع لأيّ سلطة.

في الواقع كان من عادات المورو عدم دفن الموتى، بل كانوا إمّا أن يتركوا موتاهم على قمم الجبال تأكلها الطيور والوحوش في طقوس ليلية، أو أن يحرقوا الموتى حتى تترمّد، وهي العادات التي صارت من صلب التقاليد البابلية بعد حكم أسرة ”بني سُأَبُ“ لبابل.

كان للمورو كذلك مملكة حكمت الساحل السوري لفترة غير معروفة تماماً، لكن تذكرها النصوص القديمة قبل نحو 3400 سنة. ويعتقد معظم الآثاريين اليوم أنّ المُرّوم هم نفسهم الهيكسوس الذين حكموا مصر لمدّة قرن كامل قبل 3600 سنة.

يظهر جلياً من التاريخ أنّ المُرّوم أو أمورو أو المورو هم شعوب رعوية، انتشرت في منطقة الشرق الأوسط ونافست وعادت الممالك الزراعية الموجودة، ثمّ استعملتها وهضمتها حضارات المنطقة من خلال الاعتماد على قوّتهم العسكرية وتجنيدهم في صفوف جيوش ممالك المنطقة، ثمّ ما لبثوا أن حكموها فسادت سلطة المورو على ثقافة المنطقة كلّها.

تمثال الملك إدرِمِ حاكم ألَلَخ، أقصى ممالك المورو شمالاً، وتقع حالياً في تركيا
تمثال الملك إدرِمِ حاكم ألَلَخ، أقصى ممالك المورو شمالاً، وتقع حالياً في تركيا

من الممالك التي أسّسها أو استولى على حكمها المُرّوم المورو:

  1. مملكة قطنه: وحكمت شرق العاصي قبل 5300 سنة ثمّ توسّعت لتشمل المنطقة ما بين ساحل المتوسط والفرات (اليوم جنوب سوريا والأردن).
  2. مملكة أمُرُّ: تأسّست قبل 4000 سنة وحكمت شمال غرب سوريا المعاصرة.
  3. مملكة إبلا: إبلا في الأساس ليست مورية، لكن الأسرة الثالثة على المملكة كانت من المورو قبل 4000 سنة.
  4. المملكة البابلية: وهي السلالة البابلية الأولى قبل 3900 سنة.
  5. مملكة ماري: ماري في الأساس ليست مورية وحكمت منطقة جزيرة الفرات، لكن الأسرة الخامسة على المملكة كانت المورو قبل 3830 سنة.
  6. مملكة يمحاض: تأسّست قبل 3800 سنة وحكمت شمال سوريا من حلب.
  7. كُرده أو كُردا: وحكمت شمال شرق سوريا وشمال العراق، من وادي الخابور حتى جبل سنجار وكلّ السهول تحته، قبل نحو 3800 سنة، ثمّ تحالفت مع بابل وحافظت على حكم ذاتي.
  8. مملكة أپُم: وحكمت شمال شرق سوريا المعاصرة متمركزة في وادي الخابور قبل نحو 3770 سنة.
  9. مملكة أندَرِگ أو أندَرِق: حكمت السهول ما بين الخابور ودجلة وسهل سنجار شمال الجزيرة، قبل نحو 3770 سنة وهي ذات الأسرة التي حكمت ماري.
  10. مملكة طابِتُ أو طابَتُم: وحكمت شمال شرق سوريا المعاصرة قبل نحو 3400 سنة لأكثر من ثلاثة قرون.
خريطة الوضع السياسي في المشرق سنة 1764 ق.م
خريطة الوضع السياسي في المشرق سنة 1764 ق.م

وللاستزادة حول هذا الموضوع:

“Amorite (people)”. Encyclopædia Britannica online. Encyclopædia Britannica Inc. Retrieved 30 November 2012. t.ly/2iiG
Issar, Arie S.; Zohar, Mattanyah (2013). “Dark Age, Renaissance, and Decay”. Climate Change: Environment and History of the Near East. Springer Science and Business Media. t.ly/kZjv
Nicolas Grimal, A History of Ancient Egypt, translated by Ian Shaw (Oxford & Cambridge, Mass.: Blackwell, 1993).
Eliezer D. Oren, ed., The Hyksos: New Historical and Archaeological Perspectives (Philadelphia: University Museum, University of Pennsylvania, 1997).
John Van Seters, The Hyksos: A New Investigation (New Haven: Yale University Press, 1966).
The Hyksos. encyclopedia.com News wires white papers and books, Retrieved 1 September 2020. t.ly/Cgnn
Alfred Haldar, Who Were the Amorites (Leiden: E. J. Brill, 1971).

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات