المرأة البابلية جارية

لماذا حطّت الشريعة البابلية من مكانة المرأة في المجتمع؟

من دراسة القانون البابلي المعروف باسم شريعة حَمُّرَبي (حمورابي) أجد أنّ الدولة البابلية قد شرّعت أقسى القوانين مهانة في حقّ المرأة، إذ توافق المجتمع على قانون وضع فيه حَمُّرَبي المرأة ملكية مطلقة للرجل يتصرّف فيها كما يشاء.

خريطة الوضع السياسي في المشرق سنة 1764 ق.مخريطة الوضع السياسي في المشرق سنة 1764 ق.م
خريطة الوضع السياسي في المشرق سنة 1764 ق.م

حكم حَمُّرَبي المملكة البابلية لمدّة اثنين وأربعين سنة بدأت قبل 3812 سنة، وكان ملكاً من أسرة حكمت بابل لمدّة 300 سنة تماماً. هذه الأسرة هي التي جلبت اللغة الآرامية إلى العراق ومهّدت لها تحوّلها لغة عالمية مع صعود الثقافة البابلية على جيرانها. أسرة حَمُّرَبي هم أبناء ”سُمُ أبُم“ أو ”سُأَبُ“، وبني سُأَبُ أصولاً من شعب سمّاه السومريّون ”مَرتُ“ أي الغربيّين، بسبب انتشارهم في الأراضي على غرب الفرات في ما هو اليوم سوريا والأردن، وسمّاهم الأكّديّون ”أمُرّوم“ التي حملت ذات المعنى كذلك: الغربيّين.

هؤلاء الغربيّين كانوا من الشعوب الرُعاة التي اعتمدت على الرعي لاقتصادها، وكرهت الزراعة وتقاتلت مع المزارعين على الأراضي. ما وضعهم على حالة تعادي مع ممالك ما بين النهرين العراقية. أخيراً، انتصر الغربيّون على مملكة سومر واستوطنوها وحكموها وصاروا على رأس الديانة البابلية لثلاثة قرون. هذه الفترة عرفت تغييرات جذرية في الديانة السومرية، حين تراجع توازن الثالوث الأسريّ المقدّس ما بين الرجل والمرأة والطفل، ومالت كفّة الميزان بشدّة لصالح الرجل على حساب المرأة.

ففي شريعة حَمُّرَبي نجد أنّ تعريف الزواج ضمناً هو أن يشتري أب زوجة لابنه من أبيها. وإذا مات أب قبل أن يشتري زوجات لكلّ أبنائه، صار للابن الوريث حقّ بقيمة ثمن زوجة تُضاف على حصّته من الميراث. وفي الثقافة العربية لا نجد تعريفاً لهذه الحالة سوى اكتراء جارية، على درجة بسيطة أعلى من العبدة.

ونجد في شريعة حَمُّرَبي كذلك أنّ المرأة مُنعت من حقّ الطلاق، فإذا طلبت الطلاق أو تركت بيت زوجها عوقبت بالإعدام غرقاً تحت الماء، وإذا ثبتت عليها ميول عاطفية اتّجاه رجل آخر غير زوجها عوقبت بالرمي من أعالي القلاع والمعابد. ولا يُسمح لها بالطلاق أو بمغادرة بيت زوجها إلا إذا استطاعت أن تُثبت للقاضي أنّ زوجها أساء معاملتها فمنع عنها المأكل وضربها.

لا مجال أمام المرأة للخلاص من زوجها في الشريعة البابلية إلا إذا تركها هذا الرجل بإرادته ورفض وجودها في حياته. وللرجل الحقّ بإنزال زوجته مرتبة العبيد والزواج عليها وإكراهها على خدمة الزوجة الثانية، إذا تقاعست عن خدمته وأهملت واجباتها اتجاهه. والعبيد تُشترى وتباع وتُقتل دون حساب.

أيّ رعب عاشته المرأة في ظلّ المملكة البابلية وفي كلّ المجتمعات التي سارت على نهجها ولا سيّما الرومانية… أن تكون المرأة جارية مستعبدة وسط رجال أنجبتهم.

لوحة بعنوان “سوق الزواج البابلي” رسمها الفنان إدوِن لونگ سنة 1875 لصالح كلّية هولّويى الملكية
لوحة بعنوان “سوق الزواج البابلي” رسمها الفنان إدوِن لونگ سنة 1875 لصالح كلّية هولّويى الملكية

هذه اللوحة أعلاه تجسّد ببساطة وضع ومقام المرأة الاجتماعي في العهد البابلي ومع بداية العهد الآرامي في العراق. هذه اللّوحة من القرن التاسع عشر، التي تقدّم مشهداً متخيّلاً لما كان عليه ”سوق الزواج البابلي“ في بابل وغيرها من مدن المملكة البابلية، التي نشأت في الأساس على أرض سومر.

رسم هذه اللوحة سنة 1875 الآثاري البريطاني إدوِن لونگ Edwin Long وإدوِن إنگليزي، وُلد جنوب غرب إنگلترا، لكنّه درس وعاش أغلب حياته في لندن، واشتغل في المتحف البريطاني باحثاً مؤرّخاً متخصّصاً بأثريّات بابل وبتراث الكتاب المقدّس، لذا يمنحه البعض لقب مستشرق؛ بينما أراه متْحفيّاً أمضى حياته في دراسة مقتنيات المتحف البريطاني الضخم.

لكي يرسم إدوِن هذه اللوحة درس المئات من نقوش وريليفات اللّقى الأثرية الأسورية (الأشورية)، كما اعتمد على نصوص من كتاب إيتستوريس Ἱστορίαι الذي نعرفه باسم تاريخ هيرودت؛ على اسم كاتبه إيرودوتُس Ἡρόδοτος الذي جمع المعلومات فيه قبل حوالي 2500 سنة.

نقل إدوِن وبعناية الكثير من التفاصيل المصوّرة في الريليفات الأسورية، ثمّ اعتمد على النمط الفنّي الڤيكتوري ليجمع مكوّنات مشهد اللوحة بالكامل وليُنتج إضاءته ووضعيات الأشخاص فيه. ونرى العذراوات متجمّعات تنتظرن العرض في الأسفل خلف المنصّة، بينما تتناولهن الخطّابة واحدة بعد الأخرى وتعرضهنّ على المنصّة على الشباب الراغب كلّ منهم بشراء زوجة.

على اليسار نرى رجلاً واقفاً على منبر، هو مالك سوق الزواج في الواقع، وتكون مهمّته الأهمّ تقديم البنات ومدح صفاتهنّ وأنسابهنّ وتلاوة خبراتهنّ وتاريخ خصوبة أهلهنّ لترويج البضاعة، وقد يسأل الشباب كذلك البنت على المنصّة بعض الأسئلة لسماع صوتها ومعرفة آرائها ومهاراتها، وقد تقدّم البنت عرضاً لمهاراتها؛ إن كانت تجيد العزف والغناء مثلاً.

بالخلاصة، يتمّ حجز الزوجة، ثمّ يتولّى موظّفوا هذا الرجل على المنبر؛ مهمّة متابعة إجراءات عقد الزواج والتنسيق مع والد البنت ووالد الشابّ، لسداد الثمن وإتمام اتفاقات نقل الملكية والمسؤولية، لتنتقل البنت للإقامة والسكن في بيت الشاب زوجها.

من الجدير بالذكر أنّ بعض الغجر لم يزل يمارس عادات سوق الزواج حتى اليوم، وخاصّة في بلغاريا ورومانيا، مع إتاحة المجال للشباب والبنات نوعاً ما للتقارب والتعارف أثناء انعقاد احتفال سوق الزواج السنوي.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات