وللحزن قوّة مجهولة

اعتدنا تراكم الحزن مؤخّراً عادة في أيّامنا، وطالما يحيط بي الحزن من كلّ جانب قرّرت كتابة هذه التدوينة. فبالنسبة لمعظم الناس، الحزن حقيقة من حقائق الحياة. سواء رضينا بوجوده أم مججناه. دائماً ما تحيطنا ظروف وأحداث في الحياة تسبّب الحزن. وقد ننظر إلى عاطفة الحزن على أنّها واحدة من العواطف غير المرحّب بها، لكنّ هذه العاطفة تخدمنا في الواقع وبطرق غير متوقّعة.

“الحزن قوّة من عمق واتّساع هائل. يقودنا الحزن المفرط إلى أن نكون سلبيّين ومكتئبين، نشفق على الذات وغير قادرين على الحركة. بينما يقودنا القليل جدّاً من الحزن إلى أن نكون سطحيّين ولا مبالين ومكبوتين نفتقر إلى الحساسية“ (مصدر). لا أعرف دراسة علمية أثبتت قدرة خاصّة للمبدعين على الشعور بالمشاعر العميقة وتوجيهها، لكنّني أعتقد بوجودها، كفنّان على الأقل.

كثيراً ما أجد في الكآبة والحزن تغذية لتعبيري الإبداعي. يبدو الأمر وكأنّه غير منطقي، لكنّه حقيقة… أكثر من تأثير السعادة، يبدو أنّ لحظات الحزن تكشف في دوخلنا عن الأفكار والكلمات والأفكار المؤثّرة.

بِتّي تُلّيُز Betty Tullius مختصّة في معالجة الزواج والعلاقات الأسريّة، تقول في أحد مقالاتها “أظهرت الدراسات أنّه على عكس كونه عاطفة عديمة الفائدة، فإنّ الحزن مفيد لنا بطرق تعزّز خير سعادتنا بالفعل. اكتشف دكتور يوسف پَول فورگَس Joseph Paul Forgas أنّنا حين نكون حزانى يمكننا تذكّر التفاصيل بدقّة أكبر، ونمتلك تحكيماً أفضل، ونمتلك كذلك حافزاً أكبر ممّا يدفعنا حين نكون سعداء. يبدو أنّ هذا يرجع جزئياً إلى آلية عمل عاطفة الحزن كإشارة إلى أنّ شيئاً ما ليس صحيحاً، ممّا يجعلنا أكثر انتباهاً إلى التفاصيل، وأكثر انتباهاً للإشارات الاجتماعية، و / أو أكثر حماساً لإجراء تغييرات“.

أرواحنا في الليل

أرواحنا في الليل

منذ فترة، قرأت رواية كِنت هَرُف Kent Haruf “أرواحنا في الليل“ Our Souls at Night… والرواية حكاية أرملة تبلغ من العمر 70 عام تطرق باب جارها العتيق وتسأله عمّا إذا كان يرغب في القدوم إلى منزلها ليلاً للاستلقاء في السرير – ليس لممارسة الجنس، ولكن للتحدّث والنوم معاً. وأقتبس قولها ”أنا أقصد عبور اللّيل والاستلقاء بدفئ في سرير برفقة. نستلقي في سرير معاً وتُمضي اللّيل. اللّيالي هي الأسوأ، ألا تظنّ ذلك؟“.

في الحياة الواقعية أصيب كاتب الرواية هَرُف بمرض رئوي مزمن يؤدّي إلى تليّف الرئة. وقدّر له الأطبّاء الحياة سنوات قليلة؛ فقرّر كتابة رواية أخيرة قبل وفاته. ثمّ أمضى حوالي 45 يوم يلازم غرفة حتّى خرج مع المسودّة الأولى من ”أرواحنا في الليل“.

أعيد تكييفُ الرواية بعد نشرها لصناعة فيلم بذات عنوان الرواية فأنتجته نتفليكس ومثّل أدوار البطولة فيه روبرت ريدفورد وجين فوندا. وفي الواقع، نسج كِنت هَرُف روايته على أحداث حقيقيّة من حياته. إذ تلا اختباره المرض ستّ سنوات قبل وفاته، أعاد أثناءها إحياء صداقة قديمة مع امرأة تدعى كاثي كانت زميلة له أيام الدراسة الثانوية. وطالما انتهى زواج كلّ منهم في وقت سابق من الحياة، اجتمعوا وتزوّجوا. تجسّد رواية هَرُف الأخيرة ”أرواحنا في الليل“ الكثير ممّا عبراه معاً هو وكاثي.

كتابة تلك الرواية كانت مساهمة علاجيّة لهَرُف، إذ يقول أنّ عيش الأحداث في الرواية ومن ثمّ كتابتها كانت كلّ ما يبقيه على قيد الحياة ”كان من المهمّ بالنسبة لي أن أنهض صباح كلّ يوم“ وأعتقد أنّ هذه الحالة عامّة بالنسبة لمعظم الأشخاص المبدعين. إنّ شهيّتنا للتعبير الإبداعي مهمّة للغاية. هذا ما يجعلنا نستمر ونواصل في الكثير من الحالات. حتّى عندما يأتي الإلهام من قلب حزين.

أتمّ كِنت هَرُف روايته ”أرواحنا في الليل“ قبل وفاته بوقت قصير… كان لديه ما يريد قوله ورفض الرحيل قبل ترك كلماته بيننا. الروح الإبداعية لا تستسلم بسهولة. من الواضح أنّه حتّى في خريف حياة الفنّان هناك مجال لتوجيه الحزن إلى تعبير إبداعيّ. أن نتشارك مع القُرّاء والمشاهدين انعكاساً لروحنا البشرية. الجمال والإنسانية التي تسكن فينا جميعاً.

هناك فترات توقّف في حياتي حين لا تسير الأمور على ما يرام. أتذكّر السهر حتّى وقت متأخّر من اللّيل، أشرب الشاي والقهوة وأستمع إلى موسيقى الپوست روك. الكثير من أغاني الميتال تتحدّث في الواقع عن أناس يتعاملون مع الخسارة ومع ضياع الفرص والندم وغير ذلك. شَدّوا أوتار قلبي وجذبوا إلى السطح المشاعر والعواطف المكبوتة. الدموع التي انهمرت أحياناً على ندرتها؛ أفرغت بعض شياطيني وخفّفت عليّ حِملي العاطفي.

سواء كنتَ من محبّي موسيقى الپوست روك وأغاني الميتال أم لا، عليك أن تستسلم أحياناً إلى أوتار موسيقيّيهم فلديهم موهبة في التقاط الألم العاطفي.

متعة ولعنة

متعة ولعنة

أن تكون مبدعاً هي متعة ولعنة في ذات الوقت. المتعة واللّعنة في كونك روحاً مبدعة هي أنّك تشعر بالأشياء بعمق. هذا في الواقع ما يمكّنك من إنشاء أعمال فنّية تجسّد المشاعر. لكنّه وفي ذات الوقت ما يمكن أن يجرّك إلى أسفل… يتطلّب الإبحار في الحزن معايير دقيقة. يجب أن تسمح لنفسك بالشعور بالحزن، كي تتثنّى لك معالجته والخلاص منه. ثمّ عليك أن تنظّف نفسك وتتابع بإصرار. أحياناً، يمكنك محو الآلام تماماً، لكنّها في أحيان أخرى تتضاءل، تتقلّص، تخفت، وتستمرّ فيك تحمِلها على الدوام.

أعتقد أنّ هذه هي المعادلة الحقيقيّة. إذا أردت ولوج عالم الإلهام العاطفي الإبداعي، فعليك أن تتقبّل الألم الحتميّ الذي يمكن أن تجلبه عليك المشاعر والتجارب العميقة. ربّما هذا ما قصده إلتون جون في أغنيته الشهيرة Sad Songs حين قال ”والإحساس جميل جدّاً حين تؤذَى ببشاعة“ and it feels so good to hurt so bad.

سواء أكنت مؤلّفاً أو رسّاماً أو موسيقياً، أشجّعك على مواصلة قراءة تلك الروايات الصادرة عن القلب. استمع إلى تلك الأغاني الحزينة واسمح لقلبك أن يتأثّر بالتعبير الإبداعي العميق عن الآخرين. فإلى جانب سطحيّة السوشلميديا والإيقاعات اليومية المتكرّرة للحياة، توجد كذلك وتيرة أعمق للمعيشة. إنّه نوع من الموسيقى، نوع من الچيلّو البطيء الحزين الذي ينبض في قلوبنا. عندما نتواصل معه نشعر بإنسانيّتنا، وبخبراتنا المشتركة.

في بعض الأحيان، تصبح الحياة كثيراً من اللاشيء. مسيرة لا تنتهي من الشغل والمسؤوليّات والإلتزامات والواجبات. نضيع فيها يوماً بعد يوم إلى أن يحدث شيء ما؛ يضرب على وتر حسّاس وعميق فينا. وهو ما يجعل بعض الناس ينفجرون بكاءً أو يتركون وظائفهم ويستقيلون أو يقومون فجأة بأشياء لا نألفها عليهم. ومع ذلك، فإنّ مثل هذه الأحداث العاطفية تثير رؤى إبداعية رائعة وحتّى أعمالاً خارقة للعادة.

في بعض الأحيان، تحتاج فقط إلى الشعور بشيء ما لإيقاظك من ضبابية الحياة اليومية. عندما يضرب هذا الوتر لا تقاتله، لا تقاوم. خذ الوقت الكافي لتلك الأغنية الحزينة، أو فيلم في وقت متأخّر من اللّيل، أو موسيقى الميتال والپوست روك… نحن، وبشكل دوريّ، نحتاج إلى بكاء كاف. نحن بحاجة إلى إعادة الاتّصال بمشاعرنا. إنكارهم وإنكار وجودهم هو استنفاد البقايا القليلة الباقية من أرواحنا. وتراكم المشاعر المكبوتة غير صحيّ.

آمل أن يكون لدى كلّ منّا الكثير من البدور قبل أن تنتهي الحياة منّا. تأكّد من تخصيص وقت لتشعر بعمق بالأشياء من حولك. أغانٍ حزينة، موسيقى مؤثّرة، روايات مؤثرة، أفلام حزينة. حوّل هذه الأشياء إلى إبداعات من عروقك. بهذه الطريقة نتواصل مع اتّساع إنسانيّتنا وعمقها ونثير الآخرين ونتشارك موهبة العيش.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات