فنار الإسكندرية

منارة الإسكندرية، أو فنار الإسكندرية باسمه السكندري، كان أحد مشاريع هذا العالم العملاقة. لم يكن مشروعاً عاديّاً عابراً للزمن، وحدوثه ووجوده أثّر ثقافيّاً على كلّ لغات المتوسط بتأثير يستمرّ حتى اليوم، إذ أنّ مجرّد وجود هذا المبنى مثلاً أسّس لما يُعرف اليوم باسم علم المنارات الفارولوجي Pharology الذي أخذ اسمه من اسم منارة الإسكندرية نفسها فاروس Φάρος. هذه الفاروس كانت إنجازاً ضخماً للبشرية ينظر باستمرار عبر البحر الأبيض المتوسط ووجّهت عينها السفن طوال آلاف الليالي.

منارة الإسكندرية اليوم ليست سوى ذكرى، ولكن، ولعدّة قرون كانت واحدة من أطول المباني التي صنعها الإنسان في أيّ مكان في العالم. سنة 2006 أعيدت دراسة المقاسات التي أوردها ”ابن الشيخ“ في موسوعته ”ألف باء“ والتي سجّل فيها تفاصيل دقيقة لفنار الإسكندرية، فاتّضح أنّ ارتفاع المبنى على حياة ابن الشيخ كان 140 متراً، وطول ضلع قاعدته المربّعة 30 متراً ويرتفع على منحدر صنعي بطول 300 متر يعبره درب بعرض عشرة أمتار. وابن الشيخ هو موسوعيّ أندلسي من مالقة، اسمه أبو الحجّاج يوسف بن محمد البلوي القضاعي الحميري. وكان يوسف بن الشيخ قد خدم متطوّعاً في جيش صلاح الدين الأيّوبي في الشام ثمّ نزل الإسكندرية سنة 1166 بغاية الدراسة وأقام فيها حتّى توفّي سنة 1207. وقبل يوسف بن الشيخ كان الجغرافي محمّد الإدريسي قد زار الإسكندرية سنة 1154 وسجّل مقاساتها، فورد عنه أنّ ارتفاع الفنار مع القاعدة الصنعية بالكامل 162 متر. والإدريسي هو جغرافيّ مغربي من سبته، اسمه أبو عبد الله محمد الإدريسي القرطبي الحسني؛ إذ كان والده أميراً من قرطبة. اشتغل وعاش في صقليه في خدمة الملك روجر الثاني، ملك صقلية النورماني. وهو صاحب أوّل خريطة متكاملة للعالم.

خلال العصر الهيليني اعتُبرت الفنار واحدةً من عجائب العالم الهيليني السبع التي يُشدّ الرحال إليها لمشاهدتها والسياحة في مدنها. استمرّت حياة هذه الفنار حوالي 1600 سنة، تُرشد السفن وتجذب أنظار العالم إلى عظمة مدينة الإسكندرية. واسم الفنار في الأصل هو ”هوْ فاروس تِيس ألِكسَندريَّس“ ὁ Φάρος τῆς Ἀλεξανδρείας ومعناه حرفيّاً ”الفاروسُ السكندرية“ والمعنى من اللّغة الكوينية، إغريقية مصر، والتسمية ترد في الكوينية بصيغة أنثى. أمر ببنائها خليفة الإسكندر، ملك مصر پطولِمي الأوّل؛ والذي كان قد أعلن نفسه ملكاً سنة 305 ق.م، ثمّ أمر بالشروع بتنفيذ هذا المشروع تعبيراً عن عظمة مملكته المصرية. وكانت مصر قبل تأسيس المملكة الپطولِمية جزء من الإمبراطورية الأسورية الأخمينية؛ وكانت عليها أسرة ملكيّة من المُضريّين.

تورد سجلّات المملكة الپطولِميّة أنّ أعمال بناء الفنار كلّفت 800 تلنت من الفضّة، ما يوازي 21600 كلغ من الفضّة بحسب قيمة التلنت المصري في ذلك الوقت (1 تلنت = 27 كلغ). وكان استغرق بناء الفنار 12 سنة… في العموم، فنار الإسكندرية لم تكن مجرّد منارة للسفن، بل كانت ناطحة سحاب يقيم فيها حوالي ألف إنسان، هم عمّال المنشأة وذويهم. والعمّال الأساسيّون 300 يقومون بنقل الوقود إلى قمّة الفنار بنظام هيدروليكي معقّد، ويقومون على صيانة المبنى وتنظيفه والإشراف على نظافة المرآة الضخمة على رأس الفنار. وجميع هؤلاء العمّال كانوا موظّفين تنفق شركة الفنار رواتبهم، التي تحصّلها من أموال دافعي الضرائب في المملكة المصرية.

تأخذ الفنار اسمها في الواقع من اسم الجزيرة التي بُنيت عليها، لا العكس، فقد بُنيت الفنار على جزيرة صخرية اسمها فاروس تقابل ميناء الإسكندرية، وكانت الجزيرة قاعدة للجيش قبل انفراط الإمبراطورية الأسورية الأخمينية. ويعتقد بعض الآثاريّين أنّ الجزيرة حملت فناراً سابقاً بُني قبل 2500 سنة في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم يكن فنار پطولِمي الأوّل سوى تطوير أو إعادة بناء للفنار المُضري السابق. وبتوثيق وجود هذا الفنار القديم تثبت حقيقة أنّ الإسكندرية كانت موجودة كميناء ومدينة قبل ميلاد الإسكندر المقدوني نفسه، ما يعني أنّ الاعتقاد الشائع بتأسيس الإسكندر لمدينة الإسكندرية غير صحيح.

سنة 2007 أنجز المؤرّخ البريطاني جستن پولارد بالتعاون مع مواطنه الآثاري هوراد ريد بحثاً ودراسة بعنوان The Rise and Fall of Alexandria ذكرا فيها أنّ الإسكندرية كانت قائمة بالفعل ومنذ 3200 سنة على الأقل، وبدأت كقرية تعيش على الصيد ثمّ صارت مدينة تجارية باسم ”رَگاطِت“ قبل ألف عام من حياة الإسكندر، وهذه المدينة ذاتها ذكرها الإغريق باسم راكوتِس Ῥακῶτις قبل تغيير اسمها إلى الإسكندرية تعظيماً للاسكندر بعد وفاته وطمعاً من پطولِمي بخلافة الإسكندر فعلاً، خلال أحداث حرب الخلفاء التي تنازع فيها ضبّاط الإسكندر المقدوني على خلافته على رأس الإمبراطورية البائدة.

ابتداء من القرن الثامن ضربت منطقة شرق المتوسط سلسلة من الزلازل زعزعت أساسات فنار الإسكندرية وصدّعت مبناه، سيّما زلزال سنة 796 وسنة 956. وكانت هذه الأحداث قد لحقت بزلزال سنة 365 العظيم الذي بدأ من جزيرة كريت، ثمّ سحب المياه عن سواحل المتوسط عدّة كيلومترات وأعادها موجة تسونامي عظيمة، تسبّبت بغرق جزء من مدينة الإسكندرية؛ لم يزل تحت الماء حتى اليوم. وهو ميناء مدينة راكوتِس وأحياؤها الملكية.

سنة 956 انهارت بنية فنار الإسكندرية فعلاً بفعل الزلزال فسقط القسم العلوي (الطبقة الرابعة) من المبنى، وأعادت الحكومة الإخشيدية ترميم المبنى وإعادة العمل بالفنار. وأعيد آنذاك بناء حوالي 20 متر من قمّة الفنار على طراز عبّاسي إسلاميّ.

سنة 1303 ضرب الإسكندرية زلزال قويّ وكانت كريت هي منبعه من جديد، بما يوازي تقريباً أثر كارثة سنة 365. فانهارت الفنار تماماً ولم يبق منها قائماً سوى حوالي عشرة أمتار من المبنى الأصلي. وبقيت خراباً على حالها حتى سنة 1480 حين أمر السلطان المملوكي أبو النصر قايتباي ببناء قلعة على جزيرة فاروس باستخدام حجارة حطام الفنار القديم، فزال من الوجود ذلك الركام والبقايا. ويذكر ابن بطّوطة أنّ الملك المملوكي الناصر ناصر الدين محمد بن قلاوون خطّط لبناء فنار جديد إلى جانب الفنار المنهار على جزيرة فاروس، لكنّ وفاته ألغت المشروع.

وبالخلاصة، تبق لفنار الإسكندرية عظمتها التاريخية، حتى ولو زالت كياناً من الوجود، لكنّ بُعدها الثقافيّ أعمق من أن يزول ويختفي. وكما كانت الإسكندرية منارة للعلم والمعرفة طيلة الفترة الهيلينية وحتى عهد جستينيان السفّاح الذي أحرق مكتبة الإسكندرية، لكنّ نور الفنار لم يزل يرشدنا حتّى اليوم في لجى العالم وبين تلاطم أمواجه… تخيّل بنفسك ناطحة سحاب تنتصب وسط البحر للناظر القادم إبحاراً من بعيد، لا بدّ كان للمنظر هيبة وترهيب.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات