في سيرة البسبوس من الفَتوت إلى السدور

في محاولات لفهم تاريخ الهريسة؛ الحلويات السورية الشهيرة، لمست أصولاً يمانية لهذا الطبق، إذ اتّضح لي أنّها معروفة باسم ”هريسة“ في أجزاء من كلّ من سوريا وفلسطين ومصر، بينما يسمّيها المتن المصري مع بقية سوريا والعالم العربي بسبوسة… لهذا السبب اندرت أبحث في تاريخ البسبوسة، وتركت الكلام في تسمية ”هريسة“ لأكلة اللّحم العربية الشهيرة بذات الاسم.

والسبب في قراري أنّي اكتشفت من التاريخ ومن بعد البحث وجود تراث مطبخي عربي مترابط وخاص بقبائل قُضاعة؛ واحدة من أهمّ شعوب العرب. وفي هذا التراث وجدت كلمتين تردان دائماً مع بعض؛ هنّ: ”هريس وبسيس“ لدرجة تحسّ فيها وكأنّ القضاعيّ لا يأكل بسيساً بلا هريس ولا يبدأ بالهريس من دون وجود البسيس.

هريس اللحم مع القمح
هريس اللحم مع القمح

هنا صار لازماً علىّ أن أفهم ما هو المقصود بالهريس وبالبسيس؟ ما معنى هاتي الكلمتين في عربية قضاعة تماماً؟ ولأيّ غرض تأتين دائماً معاً؟ ولإتمام هاتي الدراسة اخترت أن أرجع لشخصين من أهمّ معجميّي اللّغة العربية؛ برأيي، وهم أصحاب لسان العرب والصحّاح في اللّغة.

والسبب أنّ الصحّاح في اللّغة كتبه خلال القرن 10 واحد من أهمّ علماء الفيزياء والميكانيك في زمنه، وأنا ميّال دائماً لآراء الفيزيائيّين؛ وكتابه هو المفضّل عندي من زمن الطفولة. بينما كتب لسان العرب خلال القرن 13 واحد من أهمّ معجميّي العالم. رجل خصّص كلّ حياته العلمية بدراسات الليكسِكوگرفيا (مجموع علم اللّسان وعلم اللّغة وعلم الكلام) وسافر وعاش بين المغرب والمشرق، وجمع في معجمه الملافظ الدارجة مع الفصيحة… تركت معلومات تفصيلية عنهم في نهاية التدوينة.

من دراسة اسم البسبوسة خرجت بأنّه جاء من الجذر العربي ”بسَّ“ أو بمعجميّة ”بسس“ ولتشكيل الاسم نصنع ”بسيسة“. وهنا ذهب لعند ابن منظور وسألته ما يعرف عن البسيسة، فقال أنّه سمع عن اللّحياني قوله ”البسيسة هي التي تُلتّ بسمن أو زيت ولا تُبلّ“ وهكذا فهمت أنّ البسيسة هي شيء فيه سمن أو زيت ولا تُراق. لكن، هل البسيسة هي البسبوسة؟

يعودُني ابن منظور ويشرح لي كلام اللّحياني ويقول ”بَسَّ السَّويقَ والدقيقَ وغيرهما: خلطه بسمن أَو زيت، وهي البَسِيسَةُ“ فقلت له ما فهمت، فرجع وقال لكي يُفهمني ”والبَسُّ: اتّخاذ البَسيسَة، وهو أَن يُلتَّ السَّويقُ أَو الدقيق أَو الأَقِطُ المطحون؛ بالسمن أَو بالزيت ثم يؤكل ولا يطبخ.“… جميل! لكن ما هو السويق؟ وما هو الأقط؟ واللّحياني قال فعلاً ما سمعته من قبل وهو تُلتّ، ماذا يعني اللّتّ؟

لأفهم كلام هذا التونسي ابن منظور ورفيقه العراقي اللّحياني ذهبت إلى عند التركي اسماعيل الجوهري، وهو شرح لي وقال “جَدَحْتُ السَوِيقَ واجتدحْتُهُ، أي لَتَتُّه.” وأحسست كأنّي سأقول وفسّر الماء بعد الجهد بالماء!

طيب، يا أستاذنا يا جوهري ماذا تعني كلمة جدحت؟ فقال ”شَرابٌ مَجَدَّحٌ، أي مُخَوَّض“ ففهمت أنّ قصد الرجل أنّ أكلة مريقة مخلوطة لكنّها ليست مخفوقة… صح أستاذ؟ فقال ”المِجْدَحُ: ما يُجْدَحُ به: وهو خَشَبةٌ طَرَفَها ذو جوانب.“ تمام، ممنونكم أستاذ. صارت الصورة واضحة… لأنّك، في البداية، جدحت لي مخّي بإجاباتك البخارية القصيرة.

رجعت لعند ابن منظور وقلت له ”حبيبنا! ما هو السويق؟“ فجاوبني وقال: ”السَّوِيق ما يُتَّخذ من الحنطة والشعير. والسَّوِيق الخمر، وسَوِيقُ الكَرْم الخمر.“ وهكذا اتّضح لي ما هو السويق، فظهر أنّه المخزون الجافّ المجروش ناعماً من الحنطة أو الشعير، ناعم لدرجة أنّنا نحسّ ملمسه كالسائل، مثل الطحين ولكن أخشن…

طيّب، ما الأقط؟ سألت الجوهري فجاوبني ”الأَقِطُ معروف“ بالله عليك!! تا الله كم أنت بخاري!… وذهبت إلى عند ابن المنظور المنظوم كرّرت السؤال عليه… ما الأقط؟ فقال ”الأقطُ شيء يُتّخذ من لبن الإبل المَخِيض، يُطبخ ثم يترك حتى يَمْصُل، والقِطعةُ منه أَقِطةٌ.“ وهكذا فهمت أنّ الأقط هو قريشة حليب النوق، جبن الجمل. مع الانتباه أنّ كلمة لبن عند التوانسة في القرن 13 معناها حليب وليس لبنٌ خاثر.

جبن النوق من الإنتاج المعاصر
جبن حليب النوق من الإنتاج المعاصر

طيب، ما اللّتّ؟ ما فهمتها بعد… ذهبت إلى عند لغويّ عراقي قديم من القرن الثامن أو التاسع اسمه يعقوب والتفت إليّ وقال لي ”البسيس هو أشدّ من اللّتّ بللاً“ قصده أنّ البسيسة مبلولة أكتر من الملتوتة، فقلت له؛ أستاذ، أنا أساساً أبحث عن معنى بسيس، ما هو اللّت؟ فجاوبني أخيراً وقال أنّ الملتوت هو العجين غير المطبوخ.

وهكذا فهمت أنّه وبالمفهوم العربي القديم، لمّا تَعجن طحيناً أو سميداً أو قريشةً بسمن أو بزيت تصير إمّا بسيساً أو ملتوت… إذا ما طبختها في الفرن صارت بسيسة وإذا ما أكلتها من دون خَبز بالفرن صارت ملتوتة.

واتضح لي بالتالي أنّ البسبوسة هي البسيسة نفسها، لكنّها وطالما أنّها محبوبة مصرية فقد أخذت اسم دلع على الطريقة المصرية وصارت بسبوسة، واتضح لي كذلك أنّ حلاوة الجبن السورية هي أكلة عربية قديمة ومعروفة عبر الأزمان واسمها الأصليّ هو الملتوت أو الملتوتة بالتأنيث.

وأنا راض بهذه النتيجة ينكزني ابن منظور ويقول لي ”البسيسة: خبز يجفّف ويدقّ ويشرب كما يشرب السويق“ فقلت له “حبيبنا طوّل بالك، للتوّ أقنعتني أنّه عجين؛ كيف تقول يُشرب؟” فقال ”قال ابن دريد: وأَحسبه الذي يسمّى الفَتُوتُ.“. وهنا خرجت عنّي آآآآ الرضى الطويلة… ظهر قصده أنّ الخبز يُشرّب ولا يُشرب يعني أنّ قصده أنّ الفتيت مشرّب ومبلول بالسمن أو بالزيت.

وظهرت هكذا البسبوسة أنّها واحدة من فتّات القضاعية الحميريّين اليمانية، فتّة أساسها فتّ خبز الشعير الناشف وعجنه بالسمن وقريشة النوق إذا توفّرت… وخُبز الشعير مخبوز بالأساس، ما يعني أنّه ليس طحيناً نيءً، لذا يمكن أن تُصنع من دون طبخ ويبقى اسمها بسبوسة… وهكذا ظهرت الأكلة في الأصل بدوية، أكلة رحّالة ومسافرين، يحملون معهم مؤونة الخبز الناشف مع السمن، وإذا جاعوا طبخوا هريس اللّحم مع القمح، وفتّوا الخبز وعجنوه بالسمن، وفردوا سُفرة غنيّة من وجبة الهريس وتحلية البسيس.

الهريسة (البسبوسة) النبكية السورية بالفستق الحلبي
الهريسة (البسبوسة) النبكية السورية بالفستق الحلبي

شكراً لأساتذتي ابن منظور وإسماعيل الجوهري، وأعرّفكم بهم:

أبو الفضل جمال الدين محمّد بن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي، عربي تونسي من قفصة، درس في غرناطة وعاش واشتغل في طرابلس الغرب في ليبيا وتوفّى في القاهرة. وفي سنة 1290 نشر معجمه العظيم ”لسان العرب“ الذي حاول أن يجمع فيه عربية المشرق مع عربية المغرب.

أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجَوهري الفارابي الصُغدي، تركي بخاري من فاراب، وآثار فاراب اليوم في جنوب جمهورية قازاقستان. نشأ ودرس في بغداد ودرس علوم اللّغة العربية في الحجاز وعاش في نيسابور في إيران. إسماعيل توفّى سنة 1002 لكنّه وخلال حياته نشر معجم الصحّاح في اللّغة لتصحيح أخطاء غير العرب ممارسي اللّغة العربية.

يبقى في الأخير مهمّاً أن نسرد أسماء البسبوسة في اللّغات المختلفة عند الشعوب التي تحبّها وتعتبرها من تراثها التقليدي:

بالعربية المصرية بسبوسه
بالعربية المشرقية هريسه أو نمّورة
بالأرمنية شَمَلي Շամալի (يعني شامية)
باليونانية شامَلي σάμαλι (يعني شامية)
بتركية تركيا شام تتليسى şam tatlısı (يعني حلوى شامية)
بالإنگليزية فچ fudge (يعني مزيّفة)
بالفرنسية تغوكير truquer (يعني مزيّفة)
ومزيّفة مقصود فيها أنّها كيك مزيّف.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات