شقيقات نعمان الجولان

المسافة بين بيتي غرب دمشق والجولان كانت أقل من خمسين كيلومتر، أقل من عرض مدينة برلين بقليل، وأقل من نصف ساعة بالسيارة…. دون حواجز. وكثيراً ما كنت أخرج إلى الجولان لاستبدال الهواء في رئيتيّ وللاستماع إلى صمت الطبيعة الساحر في الشريط العازل المعزول بين الحدود.

الجولان جوَلانٌ من المعارك طيلة السنين الآلاف الماضية. وكم قليلة هي العقود التي عرفت فيها هذه الهضبة سلماً وأهلاً… لربّما هذا ما يفسّر قلّة عدد من استوطنوا فعلاً الجولان وأقاموا فيه… يشير التاريخ إلى أنّ بركاناً هائلاً ضرب منطقة حوران كلّها، قبل نحو 4670 سنة، والأكيد أنّ هذا البركان أخلى المنطقة كلّها من السكّان، من الجليل غرباً وحتى البادية السورية شرقاً.

في الواقع، انفجرت في تلك الفترة ثلاث براكين على الأقل في وقت واحد، هي بركان جبل أبو رغيله قرب شهبا ما بين الحقف وخبب؛ وبركان الصنمين على القرب من جاسم على حدود الجولان؛ وبركان جبل العرب (الدروز)… بركان جبل العرب كان الأضخم إذ رفع الأرض نحو 1800 متر، بينما رفع بركان الصنمين 1200 متر، وبركان شهبا 950 متر.

خارطة براكين فترة الهولوسين في حوران
خارطة براكين فترة الهولوسين في حوران

لاحقاً وبعد البركان بنحو قرنين وصل الجولان ومنطقة حوران مهاجرون، ربّما من اليمن، أسماهم الأكّديّون ”أمُرّوم“ (المورو) بمعنى ”المغاربة“، لأنّهم استوطنوا غرب الفرات والبلاد الأكّدية. اتخذ المورو، الجولان قاعدة لثقافتهم وحضارتهم واعتبروا حرمون جبلهم المقدّس فتعبّدوا على قمّته، ثمّ تواصل استيطانهم في سوريا حتّى صار جبل البِشْرِي شمالاً ما بين دير الزور والرقّة خزّاناً بشريّاً لقوّاتهم ينتشرون منه على شرق الفرات.

وكان المورو من سكّان الجبال الرعاة، ما أشعل صداماً فيما بعد بينهم وثقافة سومر الزراعية، صدام ثقافي ديني وصراع اقتصادي على الأرض… صراع انتهى بسيطرة المورو على سومر ذاتها وإدارة حضارتها، ومن ثمّ تأسيس بابل والسلالة البابلية الأولى، التي دمجت ما بين ثقافات سومر وأكّد وأمُرّوم فنشأت الثقافة الآرامية ولغتها التي نعرفها.

خلال الفترة الهيلينية دارت على أرض الجولان رحى أهمّ المعارك التي قرّرت مصير سوريا، سلوقيّة أم پطولمية. وهي معركة پانيوم Πάνειον قبل حوالي 2200 سنة، التي اقتتل فيها على أرض مدينة بانياس الجولان جيشا؛ السلوقي السوري انطيخوس الثالث والپطولمي المصري پطوليموس الخامس. انتصر السلوقيّون في هذه المعركة فصارت سوريا كلّها سلوقية خارج نطاق التأثير الپطولمي.

وإلى الجولان وفد المسيح في العهد الروماني، كما تقول الروايات، حيث آمن به بطرس بعد أن التقى امرأة في كفر ناحوم وشفاها من نزيف، ولم يزل موقع المعجزة يزار إلى اليوم في كنيسة على تلّ يسمّى دير بانياس.

أهمّ المعارك العسكرية التي أعلنت خروج سوريا من سلطة الثقافة البيزنطية المسيحية؛ لتصبح إسلامية، كانت كذلك في الجولان، حين تصادم العرب بالروم في وادي اليرموك، ليصبح الجولان فيما بعد من أهمّ مفاصل الحكم والثروة الأموية، سيّما وقد والى الغساسنة السريان آل أمية ولم يعادوهم… في الواقع، كانت المعركة عربية-عربية سنة 636، إذ تقاتل فيها جيش الغساسنة المدعوم إسلامياً مع جيش بهراء المدعوم بيزنطياً. وانهزمت بهراء في تلك المعركة فانسحبت إلى الرُصافة.

خلال العهد الإسلامي احتضنت الجولان واحدة من أهمّ المدن الإسلامية العربية، بأثرها الكبير على الثقافة الإسلامية فيما بعد، حين تجمّع العرب المتصوّفة في مدينة بانياس؛ فعمروها وأطلقوا منها مجرىً يدعوا المسلمين إلى التصوّف، كنهر بانياس الجاري منها إلى دمشق… بانياس الحولة، بانياس الجولان، التي نالت اسمها تكريماً لإله المراعي والرعاة الإغريقي پان Πάν، رعاها ودعمها هيرودس الأول ملك القدس في العهد الروماني وأراد نقل عاصمة ملكه من القدس إلى بانياس، فنالت الاهتمام حتى من أولاده من بعده، وصارت منبتاً للمعابد الرومانية المختلفة، مع تبدّل الأباطرة كلّ مرّة.

بانياس الجولان الجميلة والمعروفة بجمال روح أهلها سقطت طوال قرنين تقريباً، كأيّامنا، وسط حدود التقاتل ما بين الممالك التركية الإسلامية على الشرق، والممالك الفرنسية الصليبية على الغرب، فحوّلها الفرنسيّون ثكنة عسكرية محاطة بالقواعد والقلاع وصارت ثغراً من ثغور الممالك الإسلامية، يجب سترها واستردادها… عادت وازدهرت مدينة بانياس خلال العهد العثماني، سيّما وقد أحيا بعض سلاطين العثمانية تقاليد الصوفيّين وأطلقوا لهم حرية الدعوة، فعادت المدينة معمورة من جديد وقد اعتبرها الصوفيّون في العالم عاصمة ثقافية لهم.

ثمّ استقبلت الجولان سنة 1878 عشرات الآلاف من اللاجئين الشركس والتركمان واليوروك، فشهدت الهضبة نهضة اقتصادية تطوّرت معها مدينة القنيطرة وشجّعت بدو عرب المنطقة على الاستقرار والاشتغال في التجارة والزراعة والصناعة، وصارت القنيطرة الواصلة التجارية ما بين دمشق والجليل. سنة 1948 وفدت على الجولان موجة جديدة من اللاجئين إليها من فلسطين هذه المرّة، وبالأخص من قرى الجليل الذين شكّلوا نحو 15٪ من سكّان الهضبة، قبل ترحيلهم جميعاً مع باقي سكان الجولان نحو دمشق سنة 1967.

اليوم، يقيم على أرض الجولان أقل من خمسين ألف، نصفهم من السوريّين ونصفهم من الإسرائيليّين، أقل من خمسين ألفٍ كنت أقترب منهم كلّ يوم لأقل من خمسين كيلومتر، ثمّ أزور رُباهم في أقل من نصف ساعة.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات