التصنيفات
إتيمولوجيا تاريخ تدوينات بالعربية خرائط

العرب في نصوص هيبوليتوس الرومي

مثيرة النصوص التي نجدها في كتب القدّيس هيبوليتوس الرومي حول العرب لما فيها من تناقض صريح مع معتقدات كلّ القوميّين من كلّ الحركات القومية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اتّفاقها المطلق مع المنطق الاجتماعي وسياق الانسياب التاريخيّ.

القدّيس هِپّوليتُس Hippolytus (هيبوليتوس الرومي) هو عالم عقيدة مسيحيّ ومؤرّخ من القرن الثاني وُلد في روما سنة 170 وتوفّي في سردينيا سنة 235. تعود أصول أهله إلى مملكة الپنطس (تركيا المعاصرة)، وعاش داعياً الناس إلى المسيحية في مدينة روما. ترك هِپّوليتُس كتباً عديدة بالإغريقية يهمّنا منها هنا كتابين بعنوان “كتاب الشرائع وأورَنيُس” و “كتاب شرائع البلدان”. 

وأورَنيُس أو يورانُس هو ملك حمص في فترة من النصف الأوّل من القرن الثالث واسمه الكامل هو Lucius Julius Aurelius Sulpicius Severus Uranius Antoninus وعُثر على نقود حمصية مضروب على وجه منها وجه أورَنيُس مع اسمه بالحرف الإغريقي، وعلى الوجه الثاني مضروب رسم لمعبد “إيل گَبَل” الحمصي وفي قلبه الحجر الأسود المقدّس. ومن المهمّ أنّ أذكر هنا أنّ مملكة حمص امتدّت أنذاك من فنيقيا اللّبنانية شمالاً (فنيقيا الداخل) وحتّى شمال الحجاز جنوباً. وهي مملكة عاشت حليفة للرومان من القرن الأول قبل الميلاد حتّى القرن السادس؛ حين انفرطت إلى 18 مملكة. 

Uranius Antoninus coin, with Greek inscriptions and dated according to the Seleucid Empire. On the reverse, the Emesa temple to the sun god El Gabal, with the holy stone.

Uranius Antoninus coin, with Greek inscriptions and dated according to the Seleucid Empire. On the reverse, the Emesa temple to the sun god El Gabal, with the holy stone.

في هذين الكتابين سابقيّ الذكر يتحدّث هِپّوليتُس عن سكّان شبه الجزيرة العربية؛ حيث ورد فيهما تقسيمه للعرب إلى ثلاثة شعوب: الطائيّين Țayyēyē (طسَيّيي)، والسراسين Saraceni (سَرَگينِ)، والعرب Árabes (آرَبيس). ويشير إلى انقسام هؤلاء الآرَبيس إلى مجموعتين: پراتي prōtoi و ديتِري deúteroi ومعانيها ببساطة: الأولى والثانية.

عرّف هِپّوليتُس عرب طي (طسَيّيي) بأنّهم ينتمون إلى خيبر شمال يثرب ويتمدّدون منها حتى نهر الفرات، وسمّاهم يهود العربيّة. كما عرّف السراسين (السَرَگينِ) بأنّهم يستوطنون الأراضي إلى الشمال من طي، من شمال الحجاز حتى سوريا (وسمّى المنطقة فنيقيا)، وتحدّث عن قدراتهم العسكرية العالية وبأنّهم يناهضون روما ويرفضون الخضوع للإمبراطورية؛ لذا سمّاهم الرومان ”بربر“. بينما قال أنّ العرب (آرَبيس) هم سكّان البلاد إلى الجنوب من طيء والسراسين.

خارطة العرب وفقاً لنصوص القدّيس هِپّوليتُس 170-235
خارطة العرب وفقاً لنصوص القدّيس هِپّوليتُس 170-235

عاد هِپّوليتُس بأصول العرب الأوائل (الپراتي) إلى اندماج الشعبين الكِدرو kedroúsioi والأمو alamousnoi، أو قصد أن التسميتين الكِدرو والأمو هنّ في الواقع تسميتين لذات الشعب الآرَبيس (العرب). ويقول هِپّوليتُس أنّ الأمو يعودون بنسبهم إلى جدّ اسمه سَبَط بن إيكتَن Iektan ولا أعرف ما هو التعريب المحتمل لاسم الجدّ الأخير هذا. ويعتقد الدكتور يان ريتسوه Jan Retsö من جامعة گوتِنبورگ أنّ سَبَط Sabat هو في الواقع سبأ المذكور في التوراة باسم محرّف.

يتحدّث هِپّوليتُس كذلك عن منطقة الجزيرة الفراتية ويقول بأنّ العرب الذين سكنوا شمال الحجاز هم ذاتهم العرب الذين سكنوا منطقة الجزيرة الفراتية منذ ما قبل الفترة الأشكانية-الپارثية، ما دفع المملكة الأشكانية لتسمية الجزيرة بمحافظة العربية. وهي محافظة امتدّت حدودها من شمال الجزيرة حتّى شمال الحجاز؛ وكان متنها في شمال الجزيرة. والمملكة الأشكانية هي المملكة التي حكمت العراق وإيران قبل المملكة الساسانية وبعد المملكة السلوقية.

مثيرة نصوص هِپّوليتُس؛ هيبوليتوس الرومي، أليس كذلك؟ إذ يتّضح من كلامه أن حال العرب في الفترة الرومانية لم يتغيّر كثيراً عن حال العرب اليوم ولا عن حال العرب في القرن السابع. ما ينفي بشدّة أن يكون انتشار العرب قد حدث زمن الدولة الإسلامية الأولى، بل يعود بتواجد العرب حيث هم اليوم إلى زمن طويل يسبق الإسلام.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك