حياتنا، ليست على جُزر نائية… الاندماج

كلاجئين في ألمانيا، تلاحقنا بها كلّ الأمكنة التي تستقبل وجودنا على الأرض الألمانية. تطالبنا بها الحكومة، مؤسسات الدولة، والمنظمات غير الحكوميّة، هيئات الايواء والمساعدة، وحتّى مراكز العمل التي تساعدنا على تجاوز محنة البطالة

اندماج integration يعرّفها قاموس أوكسفورد على أنّها عمليّة “إعادة تمازج أشخاص سبق أن تمّ الفصل بينهم” بينما، اندماج، مصطلح حديث نوعاً ما، لم يكن ذي ذكر ملحوظ قبل منتصف القرن العشرين، لم تكن أيّ من وسائل الإعلام في استخدام له ولم ذكره أيّ من الباحثين في دراساتهم وبحوثهم الاجتماعيّة إلا قليلاً، ثمّ ظهر وطفا وكثر استخدامه فجأة مع نهاية الحرب الباردة وعودة دول المعسكر الشرقي للاندماج في بوتقة الاقتصاد العالمي منذ عقدين. ومع حداثة هذا المصطلح، تُغرقنا به اليوم وسائل الإعلام والخطابات السياسية، حيثما نذهب وأينما نتجه. كلاجئين أينما كان، هي الكلمة الأولى التي نُستقبل بها، وكمهاجرين حيثما كان، الاندماج هو المطلب الأول الذي علينا تحقيقه لقبولنا في مجتمعاتنا الجديدة.

في دمشق، أتذكّر اعتيادنا على استخدام هذه الكلمة “اندماج” وتحديداً ضمن السياق “اندمج بالجو” كتعبير دقيق عن التمازج والتماهي في جوّ قد لا نتقبّله بكلّ جوانبه أو لربما في جوّ قد لا ندرك جميع تفاصيله. نعم، الاندماج هو هكذا بتجرّد، قد لا أتقبّل كلّ طبائع المجتمع الألماني، قد لا أدرك جميع تفاصيل هذا المجتمع الغريب عن منبتي وانتمائي وطِباع أهلي، لكنّني مُطالب بالاندماج فيه، مطالب بالتمازج والتماهي مع طبائع مجتمع غريب، وبالسعي باستمرار لإدراك تفاصيل عادات وأفكار لربّما لم أسمع بها من قبل.

من يطالبني بالاندماج؟ صحيح أنّ جميع وسائل الإعلام في هذا البلد الجديد تُمطرني باستمرار بضرورة الاندماج، وصحيح أن كلّ سياسيّ يستخدمها كلمة مرافقة وملاصقة لكلمة لاجئين، في كلّ موقف، أكان سياسيّاً مرحّباً بوجود اللاجئين في بلاده أم رافضاً تماماً لاستقبلنا، مع ذلك أعتقد أنّ المُطالب الأوّل لاندماجي في المجتمع الغريب هو مستقبلي. مستقبلي أنا ومستقبل عائلتي وأطفالي ومستقبل حياتنا جميعاً في مجتمع ليس مجبراً على التغيُّر إكراماً لحياتنا في أكنافه.

من المنطقي تماماً أن يرفضني مجتمع أرفض الاندماج به، من العادل أن يرفضني مجتمع أرفضه، أرفض عاداته وطباع أهله وتقاليدهم ثمّ أنظر إليها نظرة مستعليه أنفر بنفسي عنها وعنهم، هنا من الطبيعيّ جداً أن ينفروا عنّي فيرون أنّي لست منهم ولن أكون يوماً طبيعيّاً بينهم. وبينما أنا بحاجتهم وبحاجة هذا المجتمع لأنجح في تأسيس حياتي الجديد، ليس من بدّ إلا أن أكون طبيعياً بينهم، ربما لن أصل يوماً إلى أن أكون منهم، كما لن يصل أيّ منهم لأن يكون ابناً لمجتمعي وجزءً منه، لكنّ الاندماج يتوقف هنا حقيقة، يتوقف عند الحدود الرقيقة ما بين الذوبان التام من جهة والتقبّل والتعارف من جهة ثانية

مؤنس بخاري WDR http://goo.gl/HuO83y