تاريخ قهوة الموكا

تنتشر اليوم في مقاهي العالم أشهر وصفات القهوة وأكثر أنواع مشروبها تداولاً على الإطلاق، قهوة الموكاتشينو أو الموكا، في هذه التدوينة سأسرد تاريخ هذه القهوة مع تاريخ المقاهي وتشكّل تجارتها حول العالم.

قهوة الموكاتشينو mocaccino التي تُكتب أيضاً mochaccino والّتي يُظنّ من اسمها الإيطالي أنّها وصفة إيطالية المصدر، تسمّى باللغتين الإنگليزية والفرنسية caffè mocha وتحتوي بشكل أساسي على مغلي بذور البن المطحونة مع الحليب والكاكاو.

في الحقيقة هذه القهوة ليست إيطالية، واسمها أساساً قهوة الموكا، تسمية لم تزل متداولة في تركيا وشمال وشرق أوروبا وهولندا، وتعود هذه التسمية إلى ميناء المُخاء غرب اليمن، ميناء موكا باللّفظ الأوروبي، أشهر موانئ العالم ولقرون قبل بزوغ دبي.

اسمها الحقيقي قهوة المُخا وهي القهوة العربيّة الأصليّة، وكانت تُحضّر على طريقة يمنيّة تختلف قليلاً عن وصفة اليوم، دون حليب، بغلي بذور البن بعد تحميصها ودقّها ومن ثم إضافة مسحوق الكاكاو وعُوداً من القرفة إلى مائها. أضاف البولند الحليب إلى الموكا في ڤيينا، ثمّ جعلها الأوروبيّون قهوة إيطالية، حيث تقوم أغلب المقاهي حول عالم اليوم بطهي الموكا من ثلاثة مكوّنات، هي الشوكولا مع الاسپرسّو والحليب.

تختلف قهوة المخا العربيّة عن القهوة دمشق العربيّة بعنصر التنكيه، فبينما تعتمد قهوة المخا على القرفة تعتمد القهوة الشامية على الهيل، وبينما تعتمد القهوة اليمنيّة على الكاكاو لإثرائها، تعتمد القهوة الشامية على زيادة كمية البن واختلاف طريقة التحميص.

ولمّا شاعت قهوة المخا أوّلاً ونالت اسم القهوة العربيّة في مجتمعات الشرق الأوسط منذ القرن السابع عشر، نالت القهوة الشاميّة لقب التركيّة بين العرب تمييزاً منذ القرن الثامن عشر، رغم عدم وجود شعبيّة لها في مدن الأناضول، لكنّ توفّر حبوب الهيل بكثرة في دمشق بسبب الجالية الهنديّة وتخصّصها في استيراد التوابل، دفع الدمشقيّين لإضافة الهيل كتابل رئيسي في كثير من المأكولات والمشروبات الدمشقيّة.

كانت المخاء بلدة صغيرة وغير ذات شهرة نتيجة النزاعات حولها خلال القرن الخامس عشر، إلى أن سيطر العثمانيّون على اليمن سنة ١٥٣٨، إذ ذاك صدر قانون عثماني من صنعاء يُجبر جميع السفن العابرة بالرسو في ميناء المخاء وسداد ضريبة عن حمولاتها قبل إكمال الطريق نحو موانئ البحر الأحمر، أو خروجاً منه، وكان البحر الأحمر قد صار بحيرة عثمانيّة. جعل هذا القانون العثماني من المخاء أحد أهم موانئ العالم، الأثرى والأشهر على الإطلاق ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، فصار بوّابة تجارة الحجاز وشرق إفريقيا وبالتالي البوّابة البحريّة لتجارة غزّة مع الهند.

كان القرن السابع عشر هو القرن الذهبي في حياة المخاء الحديثة حين اشترى هولنديّون أوّل صفقة للبن عام ١٦٢٨ لبيعه غرب الهند، ثم بدأ بيع البن اليمني في هولندا سنة ١٦٦١ ما جعل ميناء المخا المصدر الرئيسي للبن في العالم قبل تدميره قصفاً من قبل الپرتغاليين. أخيراً دمّر الإيطاليون والإنكليز مدينة المخا ما بين عامي ١٩١١ و١٩١٥ لنقل تجارة البن إلى البرازيل والمكسيك، ونقل الإنكليز تجارة اليمن الهنديّة إلى ميناء عدن.

مخاء ميناء حِميري كان اسمه مَخَنُ وذُكر باسم نخوان، ووصل المدينة الإسلام واسمها مَخا في القرن السابع ميلادي. اشتهرت بتصدير الصبر والبخور والأراك والزبيب، ثم صارت أهم مورّد للبن مع ازدهار مشروب القهوة.

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-3b