القتبان، آباء مبادئ التجارة الدولية الحديثة

خلال النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد، هيمنت ثقافة دولة من دول اليمن على عرب الجنوب، إذ كانت الأكثر تطوّراً والأثرى اقتصاديّاً على الإطلاق طوال قرون، متحكّمة بطرق التجارة داخل اليمن، وخارجاً ما بين الهند وشرق افريقيا وشمال شبه الجزيرة العربية.

صورة جويّة لموقع مدينة تِمنع الأثريّة اليمنيّة
التقطتها بواسطة برنامج گوگل إيرث پرو لموقع آثار مدينة تِمنع في اليمن، ونظفت ألوانها وإضاءتها.

دولة قَتَبان، أو آل قَتَب أو القَتَبيّون، امتدّ حضورها ثماني قرون من القرن السادس قبل الميلاد حتى الثاني ميلاديّة، وبقيت عاصمتها دائماً مدينة تِمْنَع غرب اليمن حتى زالت الدولة (تسمّى اليوم الحماء). كان نظام حكم الدولة ملكي روحي، بحيث أمسك الحاكم بزمام الأمور السياديّة والدينيّة معاً للدولة والشعب، لقّب نفسه بالعم واعتبر الشعب نفسه أبناء العم.

ومن تراث القتبان نجد اليوم باقٍ في تراثنا العربي القيمة العالية لعبارة ابن العم، وأثرها على التقرّب والتفاوض، وكذلك استخدام كلمة عمّي للغريب بمعنى سيّدي.

اعتباراً من القرن الثالث قبل الميلاد لقّبت عرب الجنوب عمّ القتبان بلقب “مُكرّب العرب” وهي أعلى صفة روحيّة ينالها حاكم عربي قبل المسيحية والإسلام، معناها “كاهن الملوك”، وهو ذات المعنى لكلمة “مالك” أو “مَليك” أو “مَلْكي” التي اتّخذها لقباً بعض ملوك عرب الشمال.

تميّزت حضارة قَتبان بالتقدّم العلمي في المجال المعماري والرياضي والتجاري، لهم فضل كبيرة على النظام الاقتصادي الحديث وعلى تطوير مفاهيم النقد والعملات والتبادل التجاري، وسيطرت ثقافة قتبان على سياسات التبادل التجاري في منطقة اتّساعها من جنوب الهند شرقاً وحتّى جنوب وادي النيل غرباً، اليوم اكتُشفت قطع من عملات قتبان الذهبية والفضية في الهند وعُمان وأثيوبيا ومصر وعموم شرق افريقيا وجزر المحيط الهندي وبحر العرب، دليل اتّساع تجارة قتبان عبر البحار.

صورة لرأس منحوته جميلة من المرمر لامرأة أطلق عليها المستكشف اسم مريم، عثر عليها وندل فِلپس في براقش أواخر أربعينيات القرن العشرين، ومعروضة اليوم في گاليري آرثر م. ساكلر Arthur M. Sackler Gallery في العاصمة الأميركيّة واشنطن.

برع القتبان في فنون العمارة وعلومها، وهم من أكثر الشعوب القديمة اهتماماً بعلوم العمارة المدينيّة (الأوربان) فاهتمّوا ببناء المنشآت العامّة من الحجر المنحوت واستخدموا الاسفلت لتعبيد الطرق التجارية والعسكرية، واهتمّوا بتزيين جوانب الطرق بالتماثيل الفنيّة المنحوتة بدقّة جميلة، ما يدلّ على نضوج ذوق فنّيّ رفيع في مجتمعات القتبان خصوصاً وأنّ تلك المنحوتات لم تحمل أي قيمة دينيّة.

تحدّث القتبان بلهجة عن السبئية القديمة واستخدموا أبجديّة المسند لكتابتها، وهم أساساً من سبأ، بدؤوا بالظهور والتميّز خلال القرن الثامن قبل الميلاد في وادي بيحان، ثمّ استقلّوا سياسيّاً في القرن السادس قبل الميلاد، وهم من عرب المُدن وملوك الجبال، قليلاً ما اشتغلوا بالزراعة، ما أمالهم أكثر للتركيز على إنشاء وتطوير المراكز التجارية والطُرق الواصلة بينها، مع قلّة الاهتمام بالسيطرة على مساحات واسعة من الأرض، فلم يكن بينهم إقطاعيّون. لذا اعتمد اقتصاد الدولة على التجارة وممارستها بين الدول والشعوب، ما صنع للقتبان مراكز تجارية في أغلب مدن منطقة بحر العرب والمحيط الهندي، وصاغ هذا الاعتماد شكل الفلسفة والأحكام الدينيّة والاجتماعية القتبانيّة.

لذا، كانت أغلب المنشآت الدينيّة الهامّة في مُدن القتبان تحتوي عن مسلّات حجريّة ضخمة مغطّاة في أوجهها الأربعة بنقوش لأحكام قانون التبادل التجاري والتعامل المالي، وهي العادة التي استمرّت وانتقلت كتقليد إلى مجرى النيل ومصر القديمة ووادي فرغانة وجبال الألطاي في وسط آسيا.

مسلات قوانين التجارة اليمنية القديمة، عن الأستاذ معمّر الشرجبي

تميّز القتبان بتربية وتجارة الجِمال، فكانت قتبان وبالأخص عاصمتها “تِمنع” من أهم مصادر الجمال في شبه الجزيرة العربية. هذا الاهتمام الخاص بالجِمال وعلومها نتج عن اعتماد أبناء العم عليها كوسيلة للنقل والتبادل التجاري، تماماً كما نعتمد على القطارات والشاحنات اليوم.

كذلك احتكرت بعض العائلات التِمنعيّة تجارة اللّبان والمرّ على المستوى العربي والهندي والشرق افريقي، وهي كتجارة الزيوت العطريّة في زمننا، فكليهما كانا يُستهلكان في صناعة مواد تعطير المباني والمواد الطبيّة، ومصدرهما الأوّل هو جزيرة سُقطرى في بحر العرب.

مع الأسف، يعتمد الأميركيّون اليوم على الكتاب المقدّس كمصدر لدراسة تاريخ تِمنع وقتبان، فيخلطون بين أسماء القبائل والمواقع الجغرافية وخرجت الكثير من دراساتهم “سَلطة” مع احترامي لجميع الألقاب العلميّة، لكنّها المصدر الوحيد للدراسات القتبانية في عالم اليوم، والأميركيّون هم الوحيدون من نقّب في تِمنع منذ ستّة عقود، رغم أهميّتها كواحدة من أهمّ مراحل التاريخ الإنساني.

لمتابعة نقاش الموضوع على فيسبوك انقر هنا

للمزيد من المعلومات حول قتبان انقر هنا