الشرف الذكوري

دائماً ما أسأل نفسي ما الّذي يدفع الرجل في بلادنا لاعتبار شرفه من شرف المرأة في أسرته؟ هذا الشرف الذكوري العجيب.

صحيح أنّ الإجابة التقليدية على هذا السؤال هي “العادات والتقاليد”، والبعض يرميها استسهالاً على الإسلام، لكن لكلّ عادة بداية، ولكل تقليد أصل نقلّده، فأين هو الأصل؟

للعثور على هذا الأصل درست نقطة “الشرف” هذه من علاقة الرجل بالمرأة، في جميع المجتمعات المتوسطيّة، طالما أنّنا كمشرقيّين على علاقة وثيقة بهذا البحر ومجتمعاته، ودرستها كذلك في المجتمعات المسلمة في آسيا، طالما أنّنا كمشرقيّين مسلمون بالأغلبيّة.

وجدت أنّ “الشرف” بمفهمومه العربي المرتبط بالنساء، غير موجود بذات المفهوم في اللّغات الآسيويّة كالپشتوني والبلوشي والهندي والتركي، لا توجد كلمات تعبّر عن الشرف الذكوري أو شرف الأسرة في هذه اللّغات الآسيويّة التي يغلب على متحدّثيها الإسلام. أغلب هذه الشعوب أسلمت منذ القرون التاسع والعاشر الميلادية، ولو أنّ مسألة “الشرف الذكوري” مسألة إسلاميّة لكانت هذه اللّغات قد أُجبرت على تطوير كلمات تلائم هذا المفهوم، تماماً كما طوّرت هذه المجتمعات كلمات عديدة تجسّد المفاهيم الإسلاميّة المختلفة. وواجهت هذه المجتمعات الآسيوية المسلمة حالات خلت فيها اللّغات المحليّة من كلمات تجسّد الشرائع الإسلاميّة، هنا لجأت هذه المجتمعات غير العربيّة والمسلمة إلى استعارة كلمات عربيّة وإدماجها في لغاتها الأصليّة، لكن هذا لم يحدث مع مفهوم “الشرف الذكوري”.

في ذات الوقت، وللمفارقة، تحتوي اللّغات المتوسطيّة جميعاً على كلمات تمثّل مفهوم “الشرف” الذي نعرفه في المجتمعات العربيّة، ولا تنتمي هذه اللّغات إلى مجتمعات مسلمة في أغلبها، كما نجد مثلاً قريناً لكلمة “شرف” العربيّة في كلمة “تيمي Τιμη” الإغريقيّة وبذات المعنى، وكلمة “أونوريس honoris” اللاتينية كذلك نجد مقابلاً لاتينيّاً لكلمة عِرض العربيّة هو ora، وكذلك كلمة “كَڤود כבוד” العبريّة. في جميع هذه اللّغات المتوسطيّة نجد نصوصاً تربط الشرف بعلاقة المرأة بالرجل، ونجد قوانيناً تتكلّم عن فقدان الرجل لشرفه بناء على تصرّفات المرأة، أي أنّ الرجل يفقد احترامه بين الناس بناء على سلوك النساء المرتبطة به وبمكانتها الاجتماعية.

أليس غريباً أن تنصّ حكومة قانوناً يحاسب الرجل بناء على سلوك امرأة من أسرته؟ هذه القوانين كانت موجودة فعلاً في القانون الروماني، وسأتحدث عنها لاحقاً، لكن لكي نمسك جذر الحالة علينا العودة بالتاريخ قليلاً نحو ألف عام.

دائماً ما ترتبط قوانين الدول ومجتمعاتها بالتشريعات الدينيّة المعتبرة في هذه المجتمعات، وفي منطقة شرق المتوسط كانت الأديان والتشريعات المسيطرة بأغلبها وحتى العصر الإغريقي ذات مصدر بابلي، أي أنّ فكر الامبراطوريّة الشرقية (أسوريا) حكم منطقة شرق المتوسط منذ الألف الرابع قبل الميلاد وحتى العصر الإغريقي. آخر الامبراطوريّات الناظمة للمجتمع الشرقي قبل الإغريق كانت الامبراطورية الاخمينيّة ذات الفكر البابلي، والتي حكمت الشرق منذ القرن السادس ق.م وحتى القرن الرابع ق.م موحّدة ممالك الشرق جميعاً، إلى أن انقلب عليها الاسكندر المقدوني وأورثها لقادة جيشه الذين عمّموا القوانين والشرائع المقدونية الإغريقية على بلاد الشرق.

في تشريعات الاخمينيّة نلاحظ غياب مفهوم “الشرف الذكوري” تماماً عن تشريعات الدولة، فشرف الرجل مساو لشرف المرأة، لكليهما ذات الحقوق. يستمدّ المواطن شرفه من سداد الضرائب وتملّك الأراضي. وكانت المرأة تتملّك كما الرجل تماماً وتحاسَب أمام القانون على أعمالها كما يحاسب الرجل، ولم يُلزِم التشريع الاخميني المرأة بالزواج، كما لم يُلزم الرجل. على عكس التشريعات الرومانيّة.

بينما، وعلى النقيض، نجد أنّ التشريعات المقدونيّة التي تحكّمت لاحقاً بهذه المجتمعات، لم تمنح المرأة ذات المساواة، فقد حرمتها أولاً من حقّ التملّك، بات على المرأة المالكة أن تجد وصيّاً ذكراً راشداً يمثّلها في المؤسّسات الحكوميّة. كذلك أصرّت القوانين المقدونيّة على ربط حقّ التملّك بالخدمة في الجيش الحكومي، ولمّا كانت الخدمة العسكريّة حكراً على الذكور فقط فقد سقط حقّ التملّك تلقائياً عن المرأة. ولم يتحرّج بعض الضبّاط الإغريق أحياناً عن الاستيلاء على أراض وممتلكات خاصّة بحجّة أنّ مالكيها نساء، وأن لا رجل في “البيت” للوصاية على الأملاك.

كانت مجتمعات الشرق مجتمعات زراعيّة، وفي مجتمع ذو اقتصاد زراعي يفقد المواطن قيمته المادّية دون أرض يملكها، يسقط اسمه عن سجلّات الضرائب، ويخسر بالتالي حريّة التنقّل والتجارة والكفالة، المقرونة بوثيقة دفع الضرائب، ويخسر حتّى حقّ رفع شكوى في حضور قاض، ويتحوّل الإنسان عبداً في بلاده، لا حقّ له فيها سوى العمل في أراضي الآخرين.

لاحقاً منعت التشريعات الإغريقيّة النساء عن التجوّل بحريّة في أسواق المدينة، وعن مخالطة الرّجال في المؤسّسات التعليميّة، وعن الكلام في حضور القُضاة، وعن مشاهدة الألعاب الرياضيّة التي كانت المشاركة فيها كذلك حكراً على الذكور، ببساطة همّشت القوانين الإغريقيّة المرأة تماماً داخل المجتمع، وتحوّل وجودها الاجتماعي إلى الاتّكال المطلق على وجود الرجل، فعلى المرأة أن تجد وصياً ذكراً في حياتها كي تبق لها حياة. هنا، ولطالما كان القانون عاجزاً عن الوصاية على المرأة بشكل مباشر، وجد في الرجل الوصيّ (الكفيل) تجسيداً لسلوك المرأة، مستحقّاً للعقوبات المالية بدلاً عنها.

خلال القرن الأول قبل الميلاد بدأت الجمهوريّة الرومانيّة بالتوسّع حول المتوسط مستأثرة بالمجد السابق للامبراطوريّة القرطاجيّة، والقوانين الرومانيّة كانت مستمدّة بمجملها من القوانين الإغريقيّة، لكنّ الوضع الجمهوريّ لمدينة روما حرّر قوانيناً رفعت بعض القيود عن حياة النساء. مع ذلك، ومع اضطرار الحكومة الرومانيّة لتشريع قانون مواطنة روماني جديد مع التوسع الامبراطوري، كرّست الحكومة الرومانيّة أشكالاً جديدة صادمة في تاريخ المرأة، حوّلت مفهوم شرف المواطن بالكامل إلى المفهوم الذي نعرفه عربيّاً اليوم.

‫كلمة أونوريس honoris اللاتينية تعني حرفياً (في سبيل الاحترام) وهي الجذر لجميع الكلمات الأوروبية التي تعني “شرف”، وأيم وُجدت في النصوص القانونيّة فقد ربطت العقوبات والواجبات والحقوق بالشرف، وهكذا كان القانون الروماني، يقدّم العقوبات على الواجبات على الحقوق، وكان الشرف هو نقاط المقياس المعياري لنوعية كلّ من العقوبات والواجبات والحقوق التي يستحقّها المواطن الروماني.‬

أسقط القانون الروماني حقّ المواطَنة عن النساء، باتت كلمة مواطن civitas مرتبطة بالذكور ممّن تجاوزوا سن ١٤، أمّا الأطفال والنساء فأجانب لا حقوق لهنّ مدنيّة أو سياسيّة، يتعامل معهم القانون كممتلكات يتولّى رجل “مواطن” رعايتها وإدارة شؤونها.

بقيت المرأة في نظر القانون الروماني تابعة لرجل كما القانون الإغريقي، ولم يعترف القانون بأهليّة المرأة لتمثيل الآخرين أو النيابة عنهم، لم يعترف بشهادتها في المحكمة، ولم يسمح لها بالتكلّم في المحافل العموميّة، صوتها عورة. لم يسمح القانون الروماني للنساء بممارسة السياسة، ولا التصويت في الانتخابات العامّة.

ومنع القانون الروماني عن المرأة حقّ التبنّي والكفالة والوصاية، فصارت حقوق الأبناء الورثة تذهب إلى الرجل الوصيّ على حياتها، فإن لم تجد وصياً ذهب ميراث القاصرين إلى الدولة لإدارته. كذلك منع القانون الروماني المرأة عن رفع ادعاءات في المحاكم وكان عليها أن تجد كفيلاً ينوب عنها.

ثمّ أتى قانون lex voconia سنة ١٦٩ ق.م الذي منع المرأة عن الميراث. وكان على المرأة أن تُنجب ثلاث أبناء ذكور على الأقل كي تمتلك حريّة التصرّف بممتلكاتها دون وصيّ.

سنة ١٠٠ ميلاديّة تحدّد سنّ الزواج القانوني الأدنى للبنت ب١٢ سنة بعد أن كان محدّداً ب٢٠ سنة في العهد الهيليني والقرطاجي، وكان طبيبٌ أفسوسي إغريقي قد نصح بالتزويج عقب البلوغ مباشرة، ولم يكن الزواج ليُعقد قانوناً دون موافقة ربّ الأسرة، أمّا موافقة العروس فكانت أمراً شكلياً. وأصبح الزواج بمثابة تحالف سياسي، وتداخل إجرائي قانوني بين بيتين (قبيلتين).

هذه القوانين بقيت ذاتها مع التوسّع الامبراطوري، وطُبّقت على جميع المجتمعات تحت الراية الرومانيّة، وكما سابقتها الإغريقيّة بقيت الدولة تحاسب الرجل على سلوك وتصرّفات المرأة تحت وصايته، فإن سرقت امرأة عوقب الرجل الوصيّ، وإن خالفت المرأة الأعراف بآرائها حوسب “ربّ الاسرة” كفيلها. بهذا أجبر القانون الرجل على تقييد حريّة المرأة ومراقبتها ومحاسبتها خشية أن يقع هو نفسه محطّ عقاب نتيحة أخطائها الاجتماعيّة.

بقيت القوانين الرومانيّة حيّة تطبّق في جميع المجتمعات المتطوّرة عن الحالة الرومانيّة حتى اليوم، سواء أكانت مسيحيّة أو مسلمة أو يهوديّة، وبقوانين تُستمدّ من شريعة دينيّة هي في الواقع أعراف وتقاليد اجتماعيّة موروثة عن القانون الروماني، وكان أحد آخر هذه القوانين قد سقط في المانيا سنة ١٩٧٤، حين سُمح للمرأة بقبض أجرة عملها مباشرة، بدل تحويل راتبها إلى الرجل الوصيّ على حياتها. أمّا في دول الشرق الأوسط فلم تزل المرأة ممنوعة عن منح مواطنتها إلى أبنائها من زوج أجنبي.

هنا نجد الجذر الحقيقي للشرف الذكوريّ، نمسك أصل التقليد الذي نعيشه حتّى اليوم، فشرف الرجل فعلاً من شرف المرأة في العهد الروماني، كما كان سلفاً في العهد الهيليني، ولكن بشكل ممنهج وأعمق، يضع ربّ الأسراً عميداً للبيت، يحاسب على أعمال جميع أفراد أسرته وقبيلته، ويعاقبه القانون على أعمال جميع نساء بيته حتى الموت، بينما يتحرّر ربّ البيت من من كفالة الذكور في أسرته متى بلغوا سن ١٤. ومن دخلت بيته زوجة لأحد أبنائه صارت على كفالته ووصايته، وباتت من شرفه.

لقراءة تاريخ تغيير قوانين الشرق بما يدمّر حياة المرأة، لخصتها في التدوينة التالية

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-6h