اللّبن الخاثر

اللّبن هو اسم هالمادة ببلاد الشام والعراق (سوريا)، اسمه العربي الفصيح الرَّوب واسمه العربي المشرقي الرائب أو الرايب، بينما اسمه العربي المغربي الخاثر، واسمه بمصر ووادي النيل عموماً زبادي، نسبة لسكبه بالزبادي على الموائد فصار لبن الزبادي، واسمه بالعثمانيّة يوغورت عن التركيّة يوغُرت، المحوّر عن الفعل الصُغدي يوغُن بمعنى كثيف أو تقيل… يعني حليب تقيل.

كلمة لبن لوحدها باللغة العربية الفصيحة معناها حليب.

ويوگرت اليوم هو اسم اللبن العالمي، لكن بعض الدول السلاڤية بتسمّيه حامض الحليب “كيسِلو مليكو”.

أساس اللبن تاريخيّاً هو حليب الخيل، كان حليب الخيل هو السائد بمعظم قارة آسيا (دول الحليب) وشمال افريقيا من ٤٥٠٠ سنة، فيما بعد صار اللّبن يتخثّر من حليب الماعز وانتشر هالنوع بين بلاد الشرق الأوسط والبلقان مع العهد الهيليني والروماني، وأخيراً خثّر الأوروبيّين الغربيّين حليب البقر، وهو الشائع عالميّاً اليوم.

اللبن وصل أوروبا الغربيّة عن طريق البعثات الدبلوماسيّة العثمانيّة بالقرن ١٦، وكان يُستعمل بفرنسا كدواء مضاد للإسهال فقط، قبل التعوّد عليه كغذاء عادي واكتشاف تخثير لبن البقر.

مع ذلك مناطق واسعة من العالم ما بتستهلك اللّبن الحيواني لحدّ اليوم، بينما ومن آلاف السنين بتعرف اللبن النباتي المصنوع من حليب جوز الهند، متل الهند والصين يلي بمثلوا حالياً ثلث سكان العالم، والسبب ديني.

المنغول ودول وسط آسيا بيستهلكوا حليب الخيل لليوم، وكان اللبن هو الغذاء الرئيسي بمنطقة وسط آسيا آيّام الديانة الأرواحية (الشامانيّة) كونه أبيض اللون، واستمر غذاء رئيسي بتركستان بعد الإسلام وامتدت أهمّيته بعموم المناطق الروسيّة والهند كذلك.

بينما بإندونيسيا وعموم جنوب شرق آسيا (عدا الصين) فالشائع هو لبن حليب الجاموس، وكان معروف هاللبن بسوريا بمنطقة سهل الغاب لحد خمسينيات القرن العشرين، وكذلك لبن الجاموس معروف بمصر وشائع بالصعيد ومناطق النوبات.

بداية القرن العشرين وتحديداً سنة ١٩٠٥، ابتدع المواطن العثماني اسحق كرسّو Isaac Carasso طريقة التخثير الصناعي للّبن، وأسّس على أثرها شركة دانون Groupe Danone عملاق صناعات الالبان بالعالم اليوم. اختراع كرسّو هو المسؤول عن وجود اللّبن بكل سوبرماركت اليوم، وإله الفضل وراء سهولة وجود هالمادة الغذائية على موائدنا كل يوم.

اسحق كرسّو بن منويل، مواليد سنة ١٨٧٤ بمدينة سلانيك (حالياً باليونان) وكانت المدينة تركية يهودية خلال العهد العثماني بسبب توافد يهود الأندلس السفرديم عليها بعد طردهم من إسبانية سنة ١٥٠٠.

كرسّو طبيب مختص بالجهاز الهضمي، كان يستخدم اللبن كدواء لأمراض المعدة، درس صحّة وطول أعمار الفلاحين البولغار، واعتقد إنّ اللّبن هو المسؤول عن هالصحة ولهالسبب قرّر ينشر ثقافة اللبن بالعثمانية أوّلاً وبأوروبا تالياً، واشتغل على موضوع تصنيع هالمادة الغذائية.

بعد الحرب العالمية الأولى انتقل كلاجئ لمدينة برشلونة الكتالونية سنة ١٩١٩، واعتبرها عودة للوطن بحسب تعبيره، وأسس مصنع صغير سماه دنونه Danone نسبة لاسم دلع ابنه دانيال، لاحقاً وبعد أزمة سياسية بإسبانيا انتقل اسحق بالمصنع لباريس سنة ١٩٢٩، واتوفى بعدها بعشر سنين سنة ١٩٣٩، ثمّ سنة ١٩٤٢ أسّس ابنه دانيال مصنع الولايات المتحدة الأميركية Dannon بمدينة نيويورك.

اليوم، كلّ التقنيات المستخدمة حول العالم لتصنيع اللّبن وتجارته هي تقنيات من ابتكار شركة دانون، وبعدها هالشركة إلها الحصة الأكبر من سوق الالبان بالعالم، حتى بالدول يلي مافيها منتجات دانون، بسبب حقها بأجور استخدام براءات الاختراع.

لكن مع ذلك، ومن مفارقات اللّبن إنه مطبخ بلاد الشام هو الوحيد بالعالم يلي طبخ اللّبن، ويلّي بيحتوي مطبخه على طبخات فيها لبن مطبوخ غير معروفة خارج مناطق بلاد الشام. وهي ميزة بعتقد لازم نستغلها عالميّاً على المستوى التجاري.

إضافة لذلك اللبن هو المنتج الوحيد من منتجات الحليب الغير محتوي على لاكتوز، والسبب إنه أغلب اللاكتوز بيتحول أثناء التخثير لحمض اللاكتيك، وبشكل عام اللبن قليل الدسم بساعد على تخفيف الوزن بسبب غناه بالكالسيوم، وكذلك بساهم بتخفيض الضغط.

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-48