الڤاني، من الصوفيّة إلى السلفيّة الراديكاليّة

Yeni Valide Camii

في أوج ازدهار الامبراطوريّة العثمانيّة خلال القرن ١٧ ضرب حريق رهيب العاصمة العثمانيّة القسطنطينيّة سنة ١٦٦٠ أيام ٢٤-٢٦ تموز، قضى الحريق على ثلثيّ المدينة ودمّر خلال ٤٩ ساعة ٢٨٠ ألف مبنى وقتل أربعين ألف إنسان. في الواقع قضى الحريق على الأقسام القديمة من المدينة التي كانت مبنيّة على الطراز الرومي القديم، من الخشب والطين.

في تلك الفترة كانت العثمانيّة في عهد السلاطين النساء، تحكمها أمهات “الخلفاء” الرجال، من خلال لقب رسمي هو والدة سلطان (بالعثمانية: ڤاليده سُلطان).

كان خطيب القسطنطينيّة (المفتي الأعلى) في تلك السنة هو المدرّس محمّد أفندي الڤاني Vani Mehmet Efendi، من ڤان (وان) أقصى شرق تركيا المعاصرة. اعتبر الڤاني أنّ الحريق غضب وعقاب من الله على “الفساد الاجتماعي” من وجهة نظره وعلى التسامح المدني القائم في مدينة القسطنطينيّة، حاضرة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت.

مدخل مسجد الڤاني في بورصه التركية

لذا تحوّل محمّد أفندي الڤاني من الصوفيّة إلى أقصى السلفيّة، التي كانت سائدة بين علماء مكّة الإسلاميّين في ذلك الوقت. فهدم المقامات الصوفيّة واعتقل وأعدم قادة الصوفيّة وأفتى بكفرهم، وأمر بتحريم استهلاك التبغ والقهوة والخمور في المدينة، واعتبرها جميعاً خموراً.

أخيراً، أشار الڤاني على السلطانة صفيّة، والدة الخليفة محمد الثالث، بمنع إعادة بناء الكنائس المسيحيّة والكنس اليهودية، في الأحياء التي دمرها الحريق، مدعياً أنّ الله أحرق المدينة غضباً على “عبادة غير الله” فيها.

استمعت السلطانة صفيّة لنصيحة محمد أفندي الڤاني، ومنعت إعادة أماكن العبادة غير الإسلامية، وشرعت ببناء المسجد الجديد (الأموي الجديد) على أرض كانت للمسيحيّين، وهو المسجد المعروف باسم جامع الوالده الجديد، أو يني ڤاليده جامع Yeni Valide Camii.

كذلك، استملكت الدولة جميع الأراضي التي احترقت مبانيها، وبات على المسيحيين واليهود إعادة شراء هذه الأراضي من الدولة (من الوقفيات) لإعادة عمرانها وإعمارها.

توفيت سنتها السلطانة صفيّة فقامت من بعدها السلطانة طُرخان (تورهان) بتمويل بناء المسجد الجديد الذي افتتح سنة ١٦٦٥، ومنحت محمد أفندي الڤاني منصب الخطيب الأول للسلطة العثمانية بأكملها، وصار خطيب المسجد الجديد.

پورتريه گرافيك للسلطانة طُرخان والدة الخليفة محمد الرابع، رسمها البلجيكي پييترو دو يوده الثاني Pietro do Jode II، بطلب من زوج السلطانه؛ إبراهيم، قبل سنة ١٦٦٠.

علماء الصوفيّة الهاربين من تكفير الڤاني هربوا سنة ١٦٦٠ إلى دمشق، فغضب عليها محمد أفندي واتّهم الدمشقيّين بتسميم عقول المسلمين بالقهوة الدمشقية والنبيذ الدمشقي. ومع وصول الڤاني إلى منصب واعظ العثمانية بعد خمس سنوات أفتى بكفر أهل دمشق، وبوجوب تطهّر المدينة من الدنس الموجود فيها.

كان ردّ الدمشقيّين بزيادة عدد المقاهي، وباتخاذ القهوة مشروباً تقليديّاً، وبفتح المدينة ومدارسها ملجأً للصوفيّة من كلّ أجاء العثمانية، فتوافد المهاجرون إلى دمشق وغوطتيها، وكذلك وفد إليها المزيد من اليهود السفارديم.

توفي محمّد أفندي الڤاني سنة ١٦٨٥ فتحرّرت العثمانية من فتاويه وقراراته، وأعيد السماح بتداول التبغ والقهوة والخمور. لكن عاشت دمشق من بعده قرنين من أكثر أزمنتها ازدهاراً، انتهت بالحصار الروسي وأزمة الملل.

النقاش على فيسبوك 
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=10156123024489017

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-6M