حرّاس القواميس

‫قبل فيٓسبوك لم يحدث أن دُوّنت اللّهجة السورية على نطاق واسع، حتّى مع انتشار المدوّنات ومواقع الوب بفضل انتشار الإنترنت في سوريا منذ التسعينيّات؛ لكن، مع ذلك لم ينتشر التدوين باللّهجة السوريّة على نطاق واسع قبل انتشار فيٓسبوك.‬

‫فيٓسبوك معروف في سوريا منذ ١٣ سنة، لكنه انتشر بين السوريّين انتشاراً واسعاً فعليّاً منذ ست سنوات فقط. تأخر انتشار فيٓسبوك في سوريا بسبب سياسة الحجب التي تعاملت بها السلطات السورية مع فيٓسبوك قبل ٢٠١٢.‬ ثمّ انتشر السوريون في الشتات واحتاجوا فيٓسبوك وسيلة تواصل.

‫خلال ست سنوات فقط انتشرت كتابة اللّهجة السورية بين السوريّين، واستسهلت الناس كتابتها، وانتشرت لأوّل مرّة في تاريخها؛ تدوينات طويلة ومُقيلات مكتوبة باللّهجة السورية دون الفصحى. وهذا الانتشار الواسع خلال زمن قصير جداً يشبه البذرة التي تُنتِش خلال أيّام فتتحوّل بسرعة من بذرة إلى برعم فشتلة، بعد أشهر وربما سنوات من حالة كمون وخمول.‬

‫شخصيّاً، لطالما ارتبكتُ بالكتابة؛ ولو محادثات سريعة، باللّهجة السورية، كانت الفصحى هي الغالب. استلزمتني الحاجة عامين من حياة فيٓسبوك، قبل أن أعتاد الكتابة بلهجتي الشاميّة وبلغوتنا السوريّة. وقد علّمتنا المدارس أنّ الكتابة خُلقت أساساً للعربيّة الفصحى، وأنّ الكتابة بغير الفصحى حرام.‬

‫تماماً كما تعامل السومريّون مع الكتابة فقدّسوها وحرّموها على العامة طوال قرون، إلى أن جاءت ثورة أكّاد الثقافية، الّتي أعادت حقّ الكتابة للجميع.‬

‫اليوم، وكغيري؛ أكتب بالسوريّة تماماً كما أكتب بالعربيّة، ودون ارتباك أو حرج. وأراه تطوّراً جميلاً وردّ اعتبار للهجة أُبعدت عن حروف التدوين منذ انحسار استخدام الأبجدية السريانية، حتى صارت تسمّى “لغوة غير مكتوبة” تصغيراً عن لغة.‬

‫هذا الانتشار مكّن كلّ سوريّ وسوريّة من التواصل والتعبير كتابة وقراءة، ودون حرج، هذا الانتشار فتح تبادل المعارف بين جميع طبقات المجتمع، بعد أن كانت مقتصرة على النّخبة القادرة وحدها على التفاعل مع لغة القواميس الفصيحة.‬

‫لفيٓسبوك الفضل الأكبر بفتح المجال أمام هذا الاعتياد، وجميع المدوّنين الذين يدوّنون اليوم بالسوريّة على مدوّناتهم عبر الوب، اعتادوا قراءة وكتابة السوريّة، أوّلاً على فيٓسبوك.‬

‫وأنا؛ بتّ أستمتع كلّ يوم بقراءة تدوينات اللّهجات العربيّة المختلفة، وأستمتع بالتعرّف عليها وعلى مفاتيحها وعلى كلماتها، التي لا سمعتها قبلاً ولا قرأتها. وتعرّفت بالتالي على أشكال جديدة جميلة من استخدامات اللّغة العربيّة، الّتي وسّعت من تشكيلات هذه اللّغة العظيمة، في خاطري وفي مخيّلتي، وكثّرت أدواتي. ‬

‫باتت لوحة ألوان العربيّة في ذهني أوسع، وأشمل، وأكثر تنوّعاً وغناً، من خلال التعرّف على التنوّع الواسع لأشكال استخدامات اللّغة العربيّة ولغواتها ولهجاتها. وخرجت لغتي عن حدود القاموس المدرسي وتأطيراته وقوالبه والخطوط الحمراء التي تفنّن “آسرو اللّغة” برسمها منذ القرن ١٣، وتشدّدوا وتطرّفوا فيها منذ بداية القرن ١٩.‬

‫فيٓسبوك، وبغير قصد من مبتكري فيٓسبوك، حرّر اللّغة العربيّة من سجون القوميّين العرب، وأطلق العربيّة من قيود آسريها المحدودين فكريّاً وعاطفيّاً، أولاءك الذين يقول عنهم ميخائيل نعيمة “‬أما سمعت بالذي طبخ القاموس وأكله ليصبح كاتباً؟ لقد مات المسكين بعسر الهضم، وما استطاع أن يكتب حتّى وصيّته.”.

‫كان نُعيمة من أنصار تدوين اللّغوات المحلّية التي نسمّيها لهجات عاميّة، وكان يشجّع على كتابتها ولا سيّما في الرواية التمثيليّة، ففهي المسرحيّة التي دعاها الآباء والبنون (١٩١٧) اعترضته عقبةٌ كبرى هي اللّغوة العاميّة؛ فكيف يُنطِق الفلّاح الأمّيّ بلغة الدواوين الشعريّة؟ والمسرحيّة في تخصّصها، تصويرٌ حياتيّ صادق وحيّ، لا سيّما وأنّ اللّغوة العاميّة تكتنز كثيراً من فلسفة الشعب واختباراته في الحياة.‬

‫أجمل ما كتبه نُعيمة في فصحانا سنة ١٩٤٥، التي منحها اسمها الأوجب “لغة القواميس”، هو هذا الاقتباس الذي تعلّقت به أفكاري منذ كان عمري ١٤ سنة “اللّغة في القاموس مومياء. أمّا على ألسنة الناس وشفاههم فكيانٌ حيّ يزخر بأمواج الأفكار والخيالات… فهي لا حياة لها في ذاتها. ولكنّها تستمدّ حياتها من حياة المتكلّم والسامع. فالعنصر الأساسيّ فيها هو الإنسان… التفاهم لا يقوم على معرفة اللّغة وأصولها لا غير، بل لا بدّ له من قلب مؤمن”. ‬

‫الغلاف من تصميم عبد الناصر غارم‬

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-65