الشعريّة – تاريخ المكرونة، المقرونة، المعكرونة

نعرف جميعاً المعكرونة (المكرونة-المقرونه) وكذلك نعرف الشعيريّة، ونعرف الرامن الذي نسمّيه في سوريا “إندومي” نسبة إلى أشهر الماركات المسوّقة لهذا المنتج في الشرق الأوسط، ونعرف كذلك النودلز.

لكنّنا حقيقة نجهل تاريخ المعكرونة ونجهل اسمها الحقيقي عربيّاً، وكثيراً ما نخلط بين أسماء أنواعها ومصادرها. لذا أقدّم هذه التدوينة لوضع بعض النقاط على الحروف في نصوص تاريخها وأصولها.

بداية نبدأ مع الاسم العربيّ للمعكرونة، وهو “الشَعريّة” كونها تشبه الشعر بشكلها، الاسم الذي اشتقّ عنه السوريّون كلمة “شُعيريّة” بمعنى أنّها عجينة مصنوعة كالشُعيرات، فصارت “الشَعريّة” هي المعكرونة السميكة، بينما “الشُعيريّة” هي المعكرونة الرفيعة، وكليهما مصنوع من عجينة من دقيق القمح دون تخمير.

ولا علاقة لهذه الأسماء بعشبة الشعير، ولا تحتويها مكوّنات الشعريّة.

تسمّى الشَعريّة (المعكرونة) باللّغة الإنگليزية نودلز noodles وهو الاسم الشائع في مطابخ العالم وصناعاتها اليوم. وتعود كلمة نودلز إلى أصلها الألماني نوديٓل nudel المستوردة بثقافتها من قبائل الهُن التركية (الهون) التي شاركت النورديّين الجرمان حكم وسط أوروپا وجنوبها منذ القرن الخامس.

البداية من الصين

خريطة انتشار الشعرية عالمياً من الصين خلال ألفي عام
خريطة انتشار الشعرية عالمياً من الصين خلال ألفي عام

مسقط رأس شَعريّة القمح المعاصرة هي عاصمة الصين القديمة لويانگ، خلال القرن الأوّل، لكنّ الشعريّة حقيقةً تعود بقِدمها تاريخيّاً إلى ٤٠٠٠ سنة مضت، وأيضاً في الصين، حين كانت تُصنع من عجينة مصنوعة من دقيق بذور الدَخْنْ غرب الصين الحاليّة، ومن خلال تكرار مط العجينة لصنع الخيوط الشَعريّة.

وُلدت شعريّة القمح في زمنٍ بدأت فيه تعاليم كونفوشيوس بالانتشار في الصين بمساعٍ حكومية، ذات الزمن الذي شهدت فيه الصين تقدّماً ملحوظاً في العلوم والاختراعات، مثل الورق وتقريب ثابت الدائرة الپاي. وأضافت إلى هذه الاختراعات صناعة عجينة الشعرية من دقيق القمح بدلاً عن عجينة الدخن الهندية، ثمّ انتشرت الشعريّة فصارت الأكلة الأكثر شعبيّة في عموم امبراطورية الهان.

من الصين انتشرت الشعرية في وسط وشمال أوروپا عن طريق قبائل الهُن (الهون) التورك، الذين استوطنوا هُنگاريا خلال القرن الخامس قادمين من شرق الصين، فدخلت الشعرية مطابخ القبائل النوردية باسم نوديٓل nudel وانتشرت حيث حكم الحلف الهوني-الجرماني في أوروپا، مع ذلك لم تتبناها الكثير من شعوب أوروپا آنذاك وانحسرت شعبيتها لاحقاً. لكن وخلال القرن 18 دخلت المطبخ الالماني الشپيٓتسله Spätzle قادمة من إسپانيا، بشكل جديد متطوّر عن الكسكس الأمازيغية.

من الصين كذلك انتشرت الشعريّة في غرب اليابان مع انتشار الديانة البوذيّة من الصين خلال القرن التاسع.

الشعريّة لم تصل كوريا من الصين قبل القرن 14-15، ثمّ صارت شعبيّة في عموم اليابان منذ 1900 قادمة هذه المرّة من كوريا باسم رامن. وتحوّلت إلى الأكلة الرئيسية في عموم أنحاء البلدين.

في اليابان وسنة 1958 تمّ اختراع الشعريّة السريعة، من خلال قلي الشعرية في الزيت بعد سلقها، ما يتسبب بتجفيفها وإخراج كامل الرطوبة منها، ذات الرطوبة التي تُعيدها إلى مظهرها الأصلي بعد نقعها بالماء. وهي التي نعرفها كسوريّين اليوم خطأ باسم إندومي. وانتشرت في أنحاء العالم كأسرع وأسهل طبق على الإطلاق.

خلال القرن ١٣ وصلت الشعريّة منطقة إيران قادمة من الصغد وسط آسيا باسم إرِيشته عن طريق طريق الحرير، وتعني كلمة إريشته “المقصقصة” بالتركية الصغدية، فصار اسمها في إيران رِشته، ثمّ وصلت سوريا فصارت رِشتايه. لكن اسمها المعاصر اليوم في عموم بلدان وسط آسيا هو “قسمه” kesme، أي المقسّمة بالعربية.

المعكرونة أحد الفنون الغذائية السورية

مع ذلك، الفيزيائي السرياني عيسى بن علي (عيشو بار علي) وخلال القرن التاسع، يذكر نوعاً من الشعريّة سمّاه “إطريه” أي “الطريه” بالعربية، مصنوعة من السميد، وقال أنّها انتشرت محمولة بين العرب المسافرين منذ القرن الخامس، وانتشرت كذلك في عموم الامبراطورية الپيزنطية باسم إتريون itrion المحرّف عن إطريه iṭriyah، الكلمة التي ذُكرت في اللاتينية بصيغة itrium في فلسطين القرن الثاني.

والعطريّة عُرفت في اللّغة الآراميّة وانتشرت معها بانتشار الآراميّة في عموم الإمبراطورية الساسانيّة ما قبل الإسلام.

ثمّ انتشرت في سواحل غرب افريقيا المتوسطية، ومنذ القرن السابع، نوعيّة مختلفة شكلاً من الشعرية سمّاها مخترعوها الأمازيغ “سيكسو”، وصنعوها من سميد القمح ومن الذرة، ثمّ انتشرت في إسپانيا العربيّة وعموم بلاد المغرب وصار اسمها “كسكس” في القرن ١٤.

أمّا الجغرافي المعروف الإدريسي فيذكر سنة 1154 أنّ الإطريه قد صُنعت في صقليه خلال القرن 11 من قِبل العرب الصقلّيّين، ثمّ صُدّرت منها إلى عموم أوروپا بعد انتهاء العهد العربي.

خلال القرن ١٣ تبنّت المناطق الإيطاليّة صناعة العطريّة الشعريّة من صقليه ونتج عن هذا التبنّي تطوّر الپاستا ابتداء من القرن ١٤، وسمّاها الطليان بداية “الديدان” Vermicelli بسبب شكلها، ومن إيطاليا قفزت الشعريّة إلى مطبخ شمال أميركا عن طريق نيويورك خلال القرن العشرين.

ما يعني المعكرونة هي أحد فنون الطبخ السورية التي هجرت وطنها واستقرّت في إيطاليا بينما نسيها أهلها ولقرون، لكن اليوم المعكرونة هي من أهم الأغذية السورية التي تعثر عليها في كلّ بيت سوري حول العالم بلا استثناء.

سنة 826 انقلب قائد الأسطول البيزنطي الإدميرال فيمي Euphemius على حكومته لأسباب عاطفية واستقلّ عن الامبراطورية البيزنطية بجزيرة صقليه، ثم أسّس لنفسه مملكة صقليه، سريعاً انهزم فيمي نتيجة خلافات داخليه بين فصائل الثورة فلجأ دبلوماسياً إلى تونس (إمارة أفريقيا الإسلامية) وعرض على الأغالبه التبعية الصقليّه لتونس مقابل دعمه للإستقلال بالجزيرة عن البيزنط. نشر الأغالبه إعلاناً لتهيئه جيوش “فتح الأراضي الإيطالية” واستقطاب المجاهدين، وجمعوا فصائل عسكرية من العرب والأمازيغ والعجم (الأندلسيّين) والكريت والخوراسانيّين الفرس، وعيّنوا على رأس الجيش أسد بن الفرات.

أسد بن الفرات قاضي القيروان ولد سنة 759 في العراق، أهله من حرّان قرب ديار بكر وأصلهم من نيسابور، كان أبوه جندياً في الجيش الأموي واستقرّ بسببه في القيروان، أكمل دراساته العليا في الحجاز والعراق ومصر ثمّ عاد ليستلم القضاء في القيروان قبل أن يكلّفه زيادة الله بن إبراهيم أحد ملوك الأغالبة بقيادة جيش فيمي سنة 827، توفي في العام التالي بالطاعون أثناء حصار سرقوسه (سيراكوز) عاصمة صقليه الروميه.

توفى فيمي سنة 830 وأعلن الأغالبة تأسيس إمارة صقليه الإسلامية تابعة اتحادياً لإمارة أفريقيا الأغالبية، كانت الإمارة على برّ صقليه والجنوب الإيطالي ومالطه ‪وسردانيه (سردينيا) وكورسيكا‬، سنة 909 انتقلت إمارة صقليه للحكم الفاطمي ولاحقاً استقلّت كدولة أوروبية مسلمة سنة 948 ثمّ كإمارة عربية أوروبيه تحت حكم الكلبيّين من سنة 1044.

إمارة صقليه الثانية
إمارة صقليه الثانية

سنة 1091 استولى النورمان المسيحيّين (ألمان شمال فرنسا) على صقليه ومالطه والجزر المتوسطية بالإضافة لهطاي وإدلب السوريات، انتهى الحكم الإسلامي لصقليه وجزر المتوسط، لكن حافظ النورمان على عروبة الجزيرة بدون تغيير. في الواقع دخل النورمان الجزيرة انتصاراً لطائفة إسلامية على طائفة أخرى، ودخلوها مرتزقة بدون قصد الفتح، ثمّ دعموا المسيحيين على حساب المسلمين، لكنّهم كانوا من المعجبين بالثقافة العربية لجزيرة صقليه. خلال حياة الخلافة الفاطمية كان النورمان من أقرب أصدقاء وحلفاء الفاطميّين على البحر.

المهم في الموضوع، خلال فترة الأغالبة استعربت الجزيرة بالكامل، وتحوّل أهلها الأرثذكس إلى الإسلام العبّاسي ولقّبهم العرب بالعجم، وخلال فترة الحكم الفاطمي انتشرت الأزمات الطائفية بين سنة وشيعة البلد فهجرها نسبة من السكان، لكن بعد الفاطميّين تحوّلت صقليه إلى بلد مفتوح، شديد الثراء وبدون تأثير من أيّ مرجعية دينية خارجية، بالتالي كانت صقليه وخلال القرن العاشر ملجأ لمئات آلاف العائلات العربية والسريانية، المسلمة والمسيحية، خصوصاً من سوريا نتيجة الحروب الصليبية على الساحل السوري، وحمل هؤلاء اللاجئين معهم تراثهم ومأكولاتهم إلى صقليه.

نقل العرب إلى صقليه زراعات البرتقال واللّيمون والفستق الحلبي وقصب السكر والقطن وشجرة التوت الشامي والنخيل والبطيخ الأحمر والبطيخ الأصفر، وأدخلوا صناعة الحرير مشجّعين على رعاية دودة القزّ، ونشروا نظام الري باستخدام النواعير وأقاموا صناعتها، وكذلك صنعة الجزارة (مهنة الجزّار). وكان أهمّ ما انتقل مع العرب لصقليه وبالأخص العرب المسيحيّين هي صنعة صناعة المعكرونة (إطريه)، هذه الصناعة التي بقيت إلى يومنا وصارت من أهمّ الصناعات الغذائية في نصف العالم الغربي.

خلال القرن الخامس طوّر العرب الرُحّل تقنيةً لتجفيف العجين المصنوع من السميد بشكل خيوط شعريّة، وسمّوها الشعريّة، وكذلك انتشر لها اسم ثان بين السريان هو إطريه بمعنى الطريه itrion-iṭriyah وهو ما انتقل للإغريق والرومان، صناعة الشعرية هذه تحوّلت صنعة وتجارة واسعة في سوريا خلال القرن التاسع، وانتقلت لاحقاً مع السوريّين المهاجرين إلى صقليه خلال القرن العاشر. وبعد نزول الجزيرة تحت حكم الممالك الإيطالية خلال القرن 14 انتشرت صنعة الشعريّة في عموم الجنوب الإيطالي باسم “الديدان” Vermicelli ووُلدت صناعة الپاستا التي نعرفها اليوم.

أمّا على البرّ السوري ومع فرنسة الساحل السوري تحت حكم الإمارات الصليبية من جهة، ومع انتشار الحرف والصناعات الغذائية التركية تحت الحكم السلجوقي وتوابعه كالبرك بأنواعها، اختفت صنعة الـ”شعريّه” والـ”طريّه” رويداً رويداً وما عاد عرفها الناس هكذا إلى أن عادت مستوردة من إيطاليا نهاية الفترة العثمانية.

خريطة أصول أنواع الپاستا في إيطاليا
خريطة أصول أنواع الپاستا في إيطاليا

لتعلّم أصول وصفات الپاستا الإيطالية انقر هنا

أنواع المعكرونة اليوم

تُصنع الشَعريّة اليوم حول العالم بشكل أساسي من القمح، والحنطة السوداء، والأرز. وهي أطباق رئيسية في المطابخ التالية: 
– الشعريّة الصينية (27 صنف)
– الشعريّة الزجاجية في شرق وجنوب شرق آسيا
– الشعريّة اليابانية (سومن وسوبا)
– الشعريّة الكورية (رامن)
– الشعريّة الهندية (نوپُت)
– المكروني الإيطالية (پاستا من 6 أصناف)
– الپَنكيت الفيليپينية
– الشعريّة الڤييتنامية والتايلاندية.
– الشعريّة الاندونيسية (بكمي)
– شعرية مى پوك في جنوب شرق آسيا
– الكسكس المغاربي (شمال افريقيا واسپانيا)

ما أستغربه مع هذا التاريخ هو اختفاء شعريّة العطريّة من مطابخ المشرق العربي، وهي التي أوصلت الشعرية أساساً إلى المطابخ الأوروپية الشهيرة. أين ذهبت؟ ولماذا طغت لاحقاً أصناف الشعرية الإيطالية مكانها؟ ولماذا انحسرت شعبيّة الشعرية في مطابخ سوريا والعراق والمشرق العربي عموماً كمكوّن رئيسي من مكوّنات المطبخ؟ أسئلة تحتاج المزيد من الدراسات.

1 Comment

شارك بالمناقشة