الهياطلة والعودة إلى السلف الصالح

خريطة دولة الهياطلة

في آخر عهود الامبراطورية الپارثية (التركية الإغريقية) نشأت على الغرب من الصُغد دولة اعتمدت على مذهب متطرّف من مذاهب الشامانيّة، كانت لأحد الشعوب التوركية المعروفة باسم الهياطلة، أو الهون البيض (آق هُنلر) نسبة لاعتباراتهم الدينية.

حيث تشدّد الهياطلة بتقديس اللّون الأبيض على أنّه الكمال المطلق، وتشدّدوا برفض كلّ الألوان الباقية على أنها مواد ذات شائبة، فحرّموا أكل العناصر غير البيضاء، وحرّموا بناء البيوت وسكن المدن واقتناء الأرض وبالتالي حرّموا الزراعة والتزموا الترحال وحلْب الحيوانات لشرب حليبها.

لم يكتف الهياطلة بهجر الحضر والتزام خيام البداوة في نمط العيش، بل اعتبروا أنّهم الشعب الأنقى عالمياً وأنهم مفوّضون من السماء بتنظيف الأرض من شوائبها البشريّة والعودة إلى الطبيعة، فاكتسحوا الدول المجاورة ابتداءً من مدينة قُندُز في القرن الخامس، يدمّرون المدن ويجبرون الناس على حياة الترحال، ويمنعون الزراعة ويُحرقون المحاصيل ويُطلقون المواشي، تطبيقاً متطرّفاً لفكرة دينية أساسها “الرزق على الخالق”.

كذلك حرّموا الكتابة والنقش والنحت، وصارت خيامهم وألبستهم كلّها بيضاء من صوف الأغنام وشعر الماعز، ثمّ اعتبروا أنّ الشعوب المباركة ذات بشرة بيضاء، وكلّما قلّ بياض البشرة كلّما عبّر ذلك عن غضب الخالق على المخلوق وعلى قلّة البركة، ما دفعهم لتقديس من ابيضت شعورهم شيباً على أنّهم نالوا درجة الحكمة ببركة إلهية. ولطالما أنّهم من أصحاب البشرة البيضاء فهم البشر الأرقى والعرق الأنقى والمفضّلون من الخالق.

ثمّ توجهوا إلى الصين والهند فدمّروا الممالك وتوسّعوا بفتوحاتهم حتّى وصلوا سواحل پاكستان على المحيط الهندي.

ولم تقف الأمور هنا، بل طرد الهياطلة أبناء عمومتهم الهون (هُنلر) بسبب ميلهم لاحقاً إلى تقبّل الزراعة والتجارة، فرحل الهون إلى أوروپا ليستقرّوا في المجر الدولة التي نعرفها اليوم باسم هُنگاريا.

أخيراً طلب الساسان الفرس حلفاً مع الگوك تورك (التركواز) للمساعدة على القضاء على امبراطورية الهياطلة، وإيقاف مذهبهم المتطرّف عن الوجود، فالهياطلة أولاً وأخيراً تورك، يتّبعون مذهباً من مذاهب ديانة الگوك تورك نفسها، التنگرية (السماويّة)، لكن بتطرّف مزعج ومؤذي للبشريّة.
وهاجم خاقانات الگوك تورك دولة الهياطلة وأنهوها نهاية القرن السابع، ومنعوا أتباع مذهب الهياطلة (الأبيض) من الوصول إلى أيّ مركز قيادي في الدولة.

ملاحظة: تختلف بالمقصد كلمة تورك عن ترك، التورك هي جميع الشعوب التي تشترك بالأصل مع الترك، لكنها ليست تركية بالضرورة

تخيّل لو قُدّر لهذه الدولة البقاء، ماذا صنعت؟