الحضرة، تراثٌ مجهول النسب

في بلاد المغرب، كان يقال عن المسلمين النازحين من الأندلس “حضرة”. يقول البعض أنّ التسمية أتت من كون نازحي الأندلس حضرٌ أساساً، أبناء مدن، لا يحسنون تقاليد قبائل أرياف الجزائر والمغرب، وهذا على الأغلب خطأ شائع.

إذ في سوريا وتركيا، وفد نازحوا الأندلس جالبين معهم فنّ الحضرة، طقوس إسلامية لم تزل تحمل ذات التسمية إلى اليوم، حضرة.

من بعد كارثة القرن ١٦، يوم تعرّض شعب بلد أوروپيّ كامل للتهجير والبعثرة في الشتات، انتشرت معه طُرق الأندلسيّين المُرسية الصوفيّة حول العالم، ناثرة معها تقاليد فنّ الحضرة في عموم بلاد المسلمين.

اليوم، وبعد خمسة قرون، تنتشر ممارسة طقوس الحضرة من جنوب شرق آسيا شرقاً حتى المغرب غرب أفريقيا، محافظةً على اسمها، وعلى تقاليد شعب أوروپي؛ لم يزل حيّاً في الشتات.

الحضرة استقت اسمها أساساً من تحضير القلب في حضرة الله، جلسات ذكر جماعية صوفية تتخلّلها خطبة وتلاوة للقرآن مع أدعية وأوردة إسلامية، مع أشعار الأناشيد الدينية والمدائح النبويّة، ثمّ الدعاء وذكر أسماء الله الحسنى على تواتر إيقاعي وبنغم موسيقي رتيب يصل الطرب.

الحضرة طقوس صوفيّة إيبرية مستعربية، انتشرت من خلال الخلافة الموحّدة في أفريقيا من غربها، ثمّ انتثرت بذورها في أرجاء العالم الإسلاميّ بعد التهجير العظيم المعروف باسم كارثة القرن ١٦. 

أساس صحبتها موسيقياً هو الدف، لكن أضاف المغاربة والسلت لصحبتها الربكه، فصارت الحضرة بشكلين عالمياً، حضرة الحضرة ذات الدف، وحضرة المغاربة بصحبه الدف والربكه، أو الدف والكلارينت مع الربكة أحياًناً بنسختها العثمانية.

تاريخياً تعود طقوس ممارسة الحضرة بشكلها إلى المسيحية الغنوصية السورية والإيبرية، حيث مارسها أمازيغ إيبريا قبل الإسلام، من بعد احتضان نازحي الغنوصية السورية الهاربين من بطش كنائس الروم الپيزنطية.

لكن تشير بعض المكتشفات الأثريّة إلى تكرّر ممارسات الحضرة في ديانة الگالين (المعلمين) ما قبل المسيحية في الجزيرة الفراتية، وانتقالها معهم كذلك إلى أتباع ديانة الگال (الغال) في إيبريا وجنوب فرنسا المعاصرة.

بكل حال، تمثّل طقوس الحضرة الأندلسية جزأ مهمّاً من ثقافة مئات ملايين المسلمين حول عالم اليوم، وترتبط بأجواء رمضان والعيدين، وكان لاعتمادها من قبل الأسرة العثمانية وإقرانها بالصوفية الرومية الإغريقية؛ أشدّ الأثر لانتشارها عالمياً، وتحوّلها إلى أحد أعمّ الممارسات الإسلامية حول العالم.

المديح المورسكي في هذه المقطوعة، من تنفيذ فرقة الفردوس الغرناطية، اكتُشف عام ١٨٨٤ مخبّأً في سقف بيت قديم يعود إلى القرن ١٧، في قرية إسپانية، مكتوباً بلغة مسلمي إسپانيا المستعربية. كان صاحب البيت قد خبّأ صفحات المدائح مع كتب إسلامية، في سقف مزيّف في البيت، قبل أن يُجبر على الرحيل مع عائلته عن إسپانيا.

لمتابعة النقاش على فيسبوك
https://www.facebook.com/564474016/posts/10156178511794017/

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-5X