سنة ٣٣٣ ق.م، يوم انتهت الحضارة

The Macedonian Empire

أعتقد أنّ سنة ٣٣٣ ق.م كانت سنة نهاية الحضارة الإنسانيّة، بالمطلق، وكانت السنة التي خسرت فيها المرأة حقوقها على مستوى العالم، حيث بدأ ما نعاني آثاره الاجتماعيّة والحقوقيّة حتّى اليوم، وسأشرح هنا سبب اعتقادي هذا.
قبل سنة ٣٣٣ ق.م حكمت الشرق كاملاً امبراطوريّة عملاقة على مقاييس العالم القديم، فقد شملت في حكمها جميع أراضي العالم المتمدّن في ذلك الوقت، من الصين والصُغد شرقاً حتّى ليبيا غرباً، ومن اليونان والقوقاز شمالاً حتى اثيوپيا جنوباً، كانت أكبر الامبراطوريّات القديمة على الإطلاق، أكبر حتّى من الامبراطوريّة الرومانيّة. نسمّيها في عصرنا الامبراطوريّة الأخمينيّة، بينما سمّاها أهلها “العالم” ببساطة، ولم تنافسها مساحةً عبر التاريخ سوى الامبراطوريّة الأمويّة، حكمتها أسرة قورش الأخمينيّة ودامت حوالي قرنين من الزمن، ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، من ٥٥٠ حتى ٣٣٣ ق.م، وكان هذين القرنين هما أعظم ما وصلت إليه الحضارة الإنسانيّة حتّى اليوم.
بنهاية هذه الدولة انقلبت القوانين الاجتماعية وزال العدل وسقطت البلاد في أتّون “الحضارة” الهيلينيّة، التي لم أشهد، من قراءة التاريخ، أسوأ منها أثراً على التاريخ الإنسانيّ. لذا سأستعرض هنا لمحة عن أهمّ مميّزات القانون الأخميني، مقارنة بما تغيّر مع القانون المقدوني الهيليني.

ما هي الإمبراطورية الأخمينية؟

يحبّ مؤرّخوا اليوم وصم الامبراطوريّة الأخمينيّة بالامبراطوريّة الفارسيّة، كون قورش، مؤسّسها، من أسرة نصف فارسيّة، لكنّ الثقافة الفارسيّة ما كانت قد تشكّلت بعد في زمن الأخمينيّة، كانت لغة الدولة هي اللّغة الآراميّة، وكانت الأبجديّة المستعملة لجميع اللّغات على جميع أراضي الامبراطوريّة هي الأبجديّة الآراميّة، حتّى ديانة الدولة ومرجعيتها التشريعيّة لم تكن فارسيّة، كانت البابليّة، لذا أستغرب وصف الامبراطوريّة الأخمينيّة بالفارسيّة وليس فيها شيء من فارس سوى دماء الأسرة الحاكمة.
قورِش بالعربية، كوروش بالفارسية، كورِش بالعبرية، گيرُس باليونانية، أمير أنشان من أمّ ميدية وأب فارسي، ورث عرش أنشان عن أبيه واعتنق الزردشتية رافضاً المجوسية ديانة شعبه، فكان أوّل ملك يؤمن بالله الواحد واليوم الآخر.
قبل الأخمينيّة كان العالم القديم منقسماً بين عدّة امبراطوريّات، لكلّ منها ديانتها ونظرتها إلى العالم، لكنّ الأسرة الأخمينيّة آمنت بمفهوم الدولة العالميّة، أي وحدة العالم سياسيّاً، وكانت آنذاك أحد الأسر الحاكمة لإقليم صغير تحت سلطة امبراطوريّة المديان (الميدية). ثمّ وخلال القرن السادس ق.م انضمّ قورش إلى ثورة شعبيّة على المديان، ثمّ قادها فوصل بفضلها إلى عرش الامبراطورية التي صارت من يومها أخمينيّة. ثمّ انطلق قورش يضمّ الامبراطوريّات المجاورة إلى مملكته، فبدأ بليديا ثمّ بابل ثمّ سوريا وواصل غرباً حتى وصل مصر، وفعل ذات الفعل على الشرق حتى وصل أوزبكستان.
لكن، على عكس الامبراطوريّات السابقة، لم يقم قورش بإزالة أيّ مملكة فتحها من الوجود، بل حافظ على نظامها السياسي وترك له دياناتها وعباداتها، وترك لها قوانينها المحلّيّة. لكنّه فرض وحدة النقد، وسياسة العلاقات الخارجية، والأبجديّة، بالإضافة إلى نظام ضريبي خاص بالتنظيمات الإدارية يضمن نوعاً من التعاون بين الممالك المفتوحة، ما منع الحروب بين الدول.
هنا كانت الامبراطوريّة الأخمينيّة أوّل الامبراطوريّات القائمة على نظام اتحاديّ لا مركزي على الإطلاق، وحّدت النظام العسكري، وفرضت توحيد الجيش تحت قيادة واحدة، وتركت الشؤون المدنيّة والإداريّة لشعوب الممالك المتّحدة، تقرّرها محليّاً.
هكذا باتت كلّ ولاية من ولايات الامبراطوريّة مملكة شبه مستقلّة بحكم ذاتي، تتبع اقتصاديّاً لعاصمة البلاد، هذا منح الامبراطور الأخميني لقب ملك الملوك. ملك على اتحاد ممالك يشبه كثيراً الاتحاد الأوروپي في عصرنا، لو كان عليه ملك.
كان لكلّ ولاية جيشها لكنّ قيادة هذا الجيش تتبع لملك الملوك مباشرة، وكان لملك الملوك صلاحية سلطة تعيّين رئيس وزراء الولاية ووزير ماليّتها، كذلك أسّست الأسرة الأخمينيّة جهازاً أمنياً يُرسل العيون لنقل أخبار جميع الولايات وأحوالها إلى العاصمة.
لاحقاً قامت الأخمينيّة بفصل الجيش عن الإدارة المحلّيّة، ونقلت إدارته بالكامل إلى المؤسّسة الاتّحاديّة، فصارت أوّل دولة في العالم تُنشئ مؤسّسة حكوميّة عسكريّة خاصة بالجيش ومؤسّساته، وتتبع العاصمة مباشرة. بينما، وقبل هذا الإجراء، كانت الجيوش عبارة عن كتائب مُناطة بالقبائل وتحالفاتها، يعود تمويلها إلى ثروات قبائلها، ولم تمتلك الدول مؤسّسة موحّدة للتدريب والتأهيل العسكري والتوجيه المعنوي.
من خلال وارد الضرائب المحليّة في الامبراطورية، أسّست الأسرة الأخمينيّة وزارة لإنشاء الطُرق، وأنشأت طُرقاً ومهّدتها ما بين عموم أرجاء الامبراطوريّة ومدنها، ما أسّس لاحقاً لطريق الحرير الشهير عبر التاريخ، وبهذا سبقت الأخمينيّة روما بمدّ شبكات الطرق والمواصلات وصيانتها. كانت أهمّ الطرق تربط وادي السند في پاكستان حالياً بمدينة إزمير غرب تركيا المعاصرة.
أسّست الأخمينيّة نظام البريد الموحّد والمموّل من الدولة، الذي كان يضمن وصول الرسائل ما بين أرجاء الامبراطوريّة الواسعة في مدّة أقصاها يومان! هذا في القرن السادس قبل الميلاد.
كذلك وحّدت الأخمينيّة الأنظمة النقديّة، وسكّت عملة موحّدة لجميع أرجاء الامبراطويّة، ما وسّع التجارة وربط اقتصاد جميع أرجاء العالم القديم. وكانت أوّل الأنظمة الحكوميّة التي تستدين من مواطنيها، بمعنى أنّها شرّعت استدانة مؤسّسات الدولة من الهياكل التجارية الخاصّة بدلاً عن فرض الضرائب واستملاك الأراضي، وكانت هذه القروض تُعاد إلى الدائن بفائدة تدفعها الحكومة.

الأديان وعلاقتها بالدولة

لم يكن من ديانة رسميّة للامبراطوريّة، منحت الأسرة الأخمينيّة حقّ حريّة التديّن والممارسات الدينيّة لجميع الشعوب في حدودها، بينما اتّخذت لنفسها الاعتقاد بالديانة الزردشتية منذ عهد دارا الأوّل. كانت ديانة الفرس قبل الأخمين هي المجوسيّة، التي تتقرّب لله بإسالة الدم وتقديم الأضاحي وبشرب النبيذ اعتقاداً بكونه دم الله وبأكل الخبز اعتقاداً بكونه جسد الله. حرّمت الزردشتية الأخمينيّة عبادة الأصنام وذبح الأضاحي وأكل اللّحم وشرب الخمر وحضّت على العدل والنيّة الطيّبة والتقوى والنظافة والصدق والأمانة، كما آمنت باليوم الآخر. وبهذا توقّفت رعاية الدولة للاحتفالات الطقسية ولذبح الأضاحي.
لكن الأمر لم يتوقّف هنا، إذ لم تؤمن الزردشتية بالمعابد فلم تبنها ولم تؤمن بالصلاة جماعة، إذ اعتبرت أنّ العبادات علاقة خاصّة للعابد بالله. وبهذا توقّف الإنفاق الحكومي على المعابد، كما توقّف جمع الضرائب باسم الله والدين وعباداته.
وتجدر هنا الإشارة إلى أنّ الديانة الزردشتية هي أوّل ديانة توحيديّة في العالم، تعبد “الحكمة الإلهية” التي تحكم العالم وتشمل العالم، وترى أنّ العالم ينبغي أن يكون جميعاً تحت سلطة حكومة واحدة، وهو ما سعت الأخمينيّة لتحقيقه، لكن في ذات الوقت لا تؤمن الزردشتية بواجب فرض عباداتها على العالم، بل تنحصر مسؤوليّة الدولة بإحقاق العدل وتنظيم الحياة العامّة.
سمحت الأخمينيّة بالحفاظ على الديانة البابليّة وقدّمت لها رعاية حكوميّة خاصّة، أي أنّ مرافِقها كانت تنال تمويلاً من المؤسّسات المَلكيّة أسوة بالديانة الزردشتية، وعكس بقية أديان الامبراطوريّة. وكانت الديانة البابليّة قد نالت صفة رسميّة في الدولة منذ عهد اردشير الثاني، لاعتقاده بها على حساب الزردشتيّة، ديانة أسرته. فصار “إ-مي” الإله الشمس رمزاً حكوميّاً إلى جانب “أهُرَ مَزْده” الحكمة الإلهية. لكن تنبغي الإشارة إلى أن التمويل الملكي لا يعني تمويلاً حكومياً، حيث استمرّ امتناع الحكومة الاتحادية عن تمويل المؤسّسات الدينية.

القوانين العامة والهيكل القضائي

اعتمدت الأخمينيّة على قانون حمورابي البابلي مرجعاً لقوانين البلاد ومصدراً للتشريع. كان ملك الملوك هو سلطة التشريع الأولى، تتبعه المحكمة العليا المكوّنة من سبعة حكماء من أرجاء الامبراطوريّة ومقرّها العاصمة، وتتبعها محاكم عُليا على مستوى الولاية في عواصم الولايات، ثمّ محاكم شعبيّة تتبع لمحكمة الولاية. واختلفت العقوبات بمستوى الجرم، كذلك تمتّعت كلّ ولاية بقوانينها الخاصة. كان القانون الأخميني يعاقب على الرشوة بالنفي، ويعاقب القانون القاضي المرتشي بسلخ جلده حياً، لذا كان قبول الرشوة هو أعظم جريمة في القانون الأخميني وتُطبّق عليها أقسى العقوبات.
عموماً استخدمت الأخمينية ذات قانون العقوبات الآشوري مع بعض التخفيف، لكن بقي القانون الجزائي آشورياً بمعظمه.
اختصّت المحكمة العليا (مجلس الحكماء) بحلّ القضايا الدوليّة، الخلافات ما بين الولايات وملوكها، وقضايا حقوق الإنسان، وفضّ الدعاوى العالقة ما بين المؤسّسة العسكريّة والسلطات المدنيّة المحليّة، لما يشبه عمل مجلس الأمن في زمننا المعاصر.
قدّمت الحكومات الأخمينيّة رعاية وصناديق تمويل لدعم الفنون المحليّة في أرجاء الامبراطوريّة، بدون فرض رؤية محدّدة على الهويّة الفنّيّة، فانتعشت الفنون وتمايزت بين الولايات وتنافست، فنهضت فنون العمارة والرسم والموسيقى والمسرح، وكان للشِعر عناية خاصّة.
كما أجبرت القوانين الأخمينيّة الولايات على تطوير الصناعات المحليّة، وشجّعتها، تعزيزاً للتجارة الداخليّة والخارجيّة، وشرّعت الإجراءات التي تضمن مأسّسة الصناعة وضمان حقوق الصُنّاع والحرفيّين، فيم يشبه النقابات العمّالية في عصرنا والمدارس المهنيّة.
وسط كلّ هذا التطوّر الحضاري المبكّر لم تنظر القوانين الأخمينيّة بتمييز بين الرجل والمرأة، كان نظام الدولة إقطاعيّاً يقوم على امتلاك الأراضي الزراعيّة، فكان للمرأة حقّ التملّك كما الرجل، وكان لها حقّ الميراث كما الرجل تماماً، وكان الميراث يوزّع بالتساوي بين الأبناء والبنات الورثة، ما لم يكن من وصيّة، ولم يكن للدولة ضريبة على الميراث ولم تكن من الوَرَثة.
كذلك عاشت المرأة بشكل طبيعيّ تزاول حياتها كما الرجل، ما بين العمل والامتلاك والتشغيل ومزاولة العمل السياسي، دون نظرة خاصّة محدودة بجنسها وأنوثتها، سوى إعفاءها من الخدمة الإلزاميّة في الجيش كونها الجانب القادر على الإنجاب في المجتمع. كذلك لم تفرض الدولة نموذجاً موحّداً لعقود الزواج، فكان للأزواج الحقّ باختيار بنود عقد الزواج وبشكل يتناسب مع أديانهم الخاصّة أو يتناسب مع معتقداتهم الشخصيّة، على عكس الدول اللّاحقة التي فرضت شكلاً واحداً لمفهوم الزواج وعقوده، وكان فضّ عقود الزواج يتمّ في محكمة. ولم يكن الزواج مفروضاً بسلطة بالقانون أو شرطاً من شروط المواطنة، كما صار الحال لاحقاً مع الدول اليونانية والرومانية.

كارثة الإسكندر الأزعر

سنة ٣٣٦ ق.م ورث الإسكندر مُلك مقدونيا عن أبيه، وكانت مقدونيا آنذاك أحد ممالك الامبراطوريّة الأخمينيّة، لكنّها كانت من الممالك الرافضة للقانون الأخمينيّ، واستلمها الإسكندر في خضمّ ثورة شعبيّة قادها أبوه على التنظيمات الأخمينيّة وتُطالب بالاستقلال.
سنة ٣٣٤ ق.م وبعمر ٢٢ سنة، بدأ الإسكندر حملة تمرّد عسكري على النظام الأخميني، وكانت مقدونيا آنذاك هي حشد أمهر الجيوش الأخمينيّة تدريباً وأحسنهم تجهيزاً، حيث كان التقدّم في أوروپا من نوايا الامبراطوريّة الأخمينيّة وكانت مقدونيا قاعدته، فاستخدم الإسكندر هذا الجيش مرتدّاً على سُلطات الدولة الاتحاديّة.
يُسمّى في الثقافة الغربيّة الاسكندر العظيم “ميگاس ألكساندرُس”، وفي الثقافة العربيّة يسمّى باسم الاسكندر الأكبر، امتدّ حكمه بعد الانقلاب على الامبراطوريّة الأخمينيّة عشر سنوات، مات في نهايتها سنة ٣٢٣ ق.م، ثم غرقت البلاد في أسود عصورها ظُلمة.
سنة ٣٣٣ ق.م تمكّن الإسكندر من قتل الملك الأخميني داريُس (داريوش) الثالث، ثمّ أحرق العاصمة “تخت جمشيد” (پرسَپولِس)، وبهذا انتهت الدولة الأخمينيّة وسقطت تحت رحمة ضبّاط الإسكندر وقوانين بلاده المقدونيّة، وهكذا بدأ عصر نسمّيه في تاريخنا بالهيليني. ومن الأمور الجديرة بالاهتمام أنّ الإسكندر أحرق أعظم مدن الأرض في زمانها پرسَپولِس تلبية لرغبة عاهرة ضاجعها تلك اللّيلة، ثمّ تفنّن العساكر باحتفاليّة تدمير وحرق المدينة الملكيّة بسكّانها.
إحراق پرسَپولِس قضى على القصور الملكية، والمحكمة العليا، والمكتبة العامة، وجميع مؤسسات الدولة الاتحادية، ومساكن الأمراء والقضاة، والمرجعية الزردشتية.

تغيير القوانين الأخمينية

بعد حرق العاصمة التفت الإسكندر إلى تغيير القوانين الأخمينيّة، فماذا غيّر؟
أوّل ما فعله كانت الحكم بالإعدام على جميع ضبّاط الجيش الأخميني، فاضطرّ الكثير من الضباط إلى مبايعة القادة المقدون حرصاً على حياتهم، ثمّ شرّع قانوناً يمنع فيه النساء من ملكيّة الأراضي، وبهذا بات لضبّاط جيشه المقدوني الحقّ بالاستيلاء على أراضي الضباط الأخمين في عموم الامبراطوريّة، كونها صارت مملوكة لنساء أرامل بلا أزواج. ثمّ فرض شرطاً لملكيّة الأرض، يفقد فيه المدنيّ الحقّ بامتلاك أرضٍ إذا لم تسبق له الخدمة في الجيش.
لاحقاً أصدر قانوناً يُلغي لا مركزية الدولة ويحوّلها إلى دولة مركزية بالمطلق عاصمتها بابل، ذات ديانة رسميّة مفروضة على عموم الامبراطوريّة، وقانون موحّد يُلغي امتيازات القوانين المحلّيّة، ففقدت نساء العالم المتمدّن القديم جميع ممتلكاتهنّ لصالح مستملكين مقدون، وكذلك فقدها المواطنون الذين لم يضطرّوا للخدمة العسكرية سلفاً.
لاحقاً منعت القوانين المقدونيّة النساء عن الخروج إلى السوق، وعن مزاولة الأعمال وإدارتها، وسلبتهنّ حقوقهنّ السياسيّة، وألزمتهنّ بوصاية الرجال. لم تقف الأمور هنا حقيقةً، بل منعت القوانين المقدونية النساء عن رفع الصوت في حضور قاضٍ، ما منع النساء عن القدرة على رفع شكوى في المحاكم المحليّة، وصار لزاماً عليهنّ توكيل رجل في أمورهنّ القانونيّة.

من أين أتى الإسكندر بكلّ هذا الظلام في قوانين ظُلم المرأة وسلبها حقوقها؟

تبدأ الإجابة مع أستاذ الإسكندر ومربّيه أَرِسْطُوطَالِيس المعروف باسم أرسطو، حيث اعتبر أرسطو أنّ الدولة هي أسرة، وأنّ عماد رعاية الأسرة هو المرأة، وهو تخصّصها الوحيد في هذه الحياة، وبالتالي فتخصّص المرأة ضمن الدولة هو الخدمة ورعاية الأطفال فقط. رأى أَرِسْطُوطَالِيس أنّه ليس للمرأة سوى طاعة ربّ الأسرة فقط، على اعتبار أنّ الطبيعة منحت الرّجل هذا الحق بينما حرمت المرأة منه. كما اعتقد بقوامة الرجل على المرأة وحطّ من شأنها، على اعتبار أنّ عليها الطاعة وخدمة الرجل من خلال عملها المنزلي.
نظر أَرِسْطُوطَالِيس للمرأة بدونيّة شديدة، كالمادة الخام، مفترضاً أنّ غرض وجودها في هذه الحياة هو الحمل والولادة فقط. فوجد أنّ ظهور المرأة على مسرح العمل السياسي والاجتماعي والفلسفي ظهور سخيف لا يصح، حرصاً على حياة الأسرة. وتحت سُلطة الإسكندر المقتنع بآراء أستاذه، اختفت المرأة من الحياة العامّة وصارت موضوعاً لمناقشات الفكر الفلسفي لا أكثر.
مات الإسكندر سنة ٣٢٣ ق.م عن ٣٢ سنة، فتمزّقت ما كانت الامبراطوريّة الأخمينية من بعده بين ضباطه المقدون، يتنازعون السلطة ما بينهم، وسقط العالم في حروب فترة تسمّى تاريخيّاً باسم فترة “ملوك الطوائف” التي نعرفها كذلك باسم الفترة الهيلينيّة الممتدّة حتى العصر الروماني، وهكذا، برأيي سقطت الحضارة الإنسانيّة، وتحوّلت ما كانت امبراطوريّة واحدة إلى عروش تتقاتل وتتراكم الأحقاد ما بينها، وأُسّست مرجعيّة فكريّة لجميع الفلسفات وقوانين الدول اللّاحقة في الشرق والغرب.
أمّا عن دور المرأة في هذا العالم البائس، فقد أسبغوا عليها العزلة والمعيشة المقيّدة الأسوأ من الحياة في المملكة السعوديّة المعاصرة. فصارت غير قادرة على الحياة دون كفيل، أجبروها على ارتداء النقاب الأسود، وثبّتوا القوامة للرجل وبات على المرأة مراعاة شؤون بيت زوجها فقط، فصارت المرأة بلا وجود دون زوج. نظر القانون الهيليني للمرأة على أنّها ناقصة عقل وغير جديرة بالمناظرة الفكريّة وما عليها إلا طاعة المجتمع “الذكوري”. حُرمت من حقّ التعليم، واقتصر تعليمها على “علم” تدبير المنزل، بينما فتحت المدارس أبوابها للذكور فقط. كما حُرمت المرأة من الميراث بحجة عدم أهليّتها العقلية لإدارة الأموال والممتلكات.
أخيراً عوقبت النساء التي طالبت بالتعليم بالحرق، كما حدث مع أسپازيا المالطيّة التي طالبت بحقوق المرأة وبحق التعليم في أثينه، فانتهت على خشبة المحرقة بعمر ٣٠ سنة ٤٧٠ ق.م، ثمّ زُعم أنّها مومس أدارت ماخوراً للعاهرات، رغم أنّها أدارت في الواقع أوّل نادي نسائي أدبيّ في أوروپا، فتحته للنقاشات السياسيّة ولدفع النساء للمطالبة بتعديل القوانين الهيلينيّة والتحرّر من وصاية الرجل قانوناً.

هكذا كان سقوط الحضارة الإنسانيّة سنة ٣٣٣ ق.م فهل ترانا خرجنا من هذا السقوط؟

مؤنس بخاري – برلين

Map Source: The Macedonian Empire, 336-323 B.C. AND Kingdoms of the Diadochi in 301 BC and 200 BC. Historical Atlas by William R. Shepherd, 1911. Courtesy of the University of Texas Libraries, The University of Texas at Austin.