خارطة إمارة بني كعب

تم النشر في

في قضية الأحواز العربية التي يحاول عربها التحرّر من سلطة إيران، يعتقد الكثيرون أنّها جزء من العراق احتلّته إيران، ويعتقد آخرون أنّها مجرّد أرض سكنها العرب داخل بلاد فارس. لكنّ الواقع أنّها دولة عربية عاشت 235 سنة مستقلّة لا تخضع لأحد، وقبل تأسيس دولة العراق. كما أنّها ليست أرضاً فارسيّة بالأساس استوطنها العرب. بل هي دولة عربية كان اسمها ”إمارة بني كعب“، أحد الإمارات العربيّة التي عاشت طويلاً على الساحل الشرقي للخليج العربي.

خارطة السيادة العربية في الأحواز في عهد إمارة المحمّرة ما بين 1832 - 1925
خارطة السيادة العربية في الأحواز في عهد إمارة المحمّرة ما بين 1832 – 1925

إمارة بني كعب كانت دولة عربيّة بنظام ملكيّ، نشأت في بلاد إيلام التي تسمّى كذلك بالأحواز نسبة إلى مدينة الأحواز. يسميها الفرس بالتسمية العثمانية القديمة عربستان. بينما يسمّيها العرب خطأ “عيلام”، ولا وجود تاريخي منقوش لهذه التسمية. والمنطقة مقسومة اليوم بين محافظتين إيرانيتين هما “إيلام” و”خوزستان”.

اسمها القديم منذ العهد الأكّدي هو “إ.لَم” والنسبة منه ”إلَمو“ (إ.لَمو للذكر، إ.لَمِتو للأنثى)، ومصدر التسمية الأكّدية هو اسم مدينة سوسة القديم ”لَمْ“ التي تعني بالعربية من الإيلامية ”بلد“. استعمل الأكّديّون اسم المدينة ”لَم“ وأضافوا له أداة التعريف ء فصار ”إلَم“ التي نقرأها اليوم ”إيلام“. أمّا اسمها المحلّي فكان “هَلْتَمْتي” 𒁹𒄬𒆷𒁶𒋾، وسمّاها السومريّون “نِمَّه” 𒉏𒈠𒆠.

في القرن الأول قبل الميلاد منحها الإغريق الاسم السياسي ”سوسيانه“ نسبة إلى عاصمتها مدينة ”سوسه“، لكنّ الجغرافي سترابو (اسطرابون) من القرن الأول قبل الميلاد سمّاها “بلاد الإيلوماي”.

لغة إيلام من اللّغات البائدة التي لا ترتبط ظاهرياً بأيّ من اللّغات الآريّة أو الساميّة، على الرغم من استخدامها للأبجديّة السومريّة-الأكّديّة. قواعد لغة إيلام تشبه من بعيد قواعد اللّغة اليابانية المعاصرة، لكن ترتبط مكوّناتها باللّغة الدراڤيديّة إلى درجة تسمية علماء اللّسانيات اللّغة الدراڤيديّة بلغة الإيلامو، والدراڤيديّة هي لغة سكّان الهند الأصليّين ولم تزل تحيا إلى اليوم في جنوب الهند. وينحدر الدراڤيد عرقيّاً وثقافيّاً من سواحل شرق أفريقيا.

الباحثان في علوم اللّغات: الروسي گيورگي ستارستن Гео́ргий Ста́ростин والتشيكي ڤاتسلاڤ بلاچك Václav Blažek يقترحان انتساب لغة إيلام إلى اللّغة السومريّة التي تنتسب بدورها إلى لغات شرق قارة أفريقيا، ولم يأخذ بأبحاثهما أيّ من البحّاثة الغربيّون.

استمرّ وجود لغة إيلام واستخدامها قرابة ثلاث ألفيات، منذ 2800 ق.م وحتّى العهد الهيليني، وكانت أحد اللّغات الرسميّة التي تعترف بها الامبراطوريّة الأخمينيّة. ثمّ تضاءل استخدامها في عهد ملوك الطوائف الإغريق خلال العهد الهيليني وتوقّفت كتابتها لمصلحة الآراميّة، إلى أن منعتها أخيراً الدولة الساسانيّة في القرن الثالث بسبب مآخذ دينيّة وبُغية القضاء على الديانة الإيلامية.

في عهد مملكة السلوقيّين أطلق سكّان منطقة إيلام من العرب اسم الأحواز عليها، وهي صيغة جمع مفردها حَوز أو حَوزة من الفعل حاز. والحوز هو اسمٌ ذكرٌ للأرض المسوّرة. بينما الحوزة هو اسمٌ أنثى للطبيعة. وتشارك العرب سكن المنطقة إلى جوار القبائل الفارسيّة مع سكّان المدن الإيلاميّين، وكان من القبائل العربية في المنطقة قبل الإسلام آل كثير وبني مرّة وبني العمر.

في العهد الساساني ومنذ القرن الرابع، أطلق الساسان تسمية خوزستان على الإقليم تحويراً عن كلمة حَوز.

بعد الفتح الإسلامي للامبراطورية الساسانيّة، وخاصّة في العهد العبّاسي-السلجوقي ومنذ القرن العاشر، كثرت هجرة القبائل العربية من غرب العراق إلى مناطق الأحواز فصارت عربية خالصة.

منذ بداية القرن السادس عشر، وتحديداً منذ 1508، وقعت الأحواز تحت حكم الأسرة الصفويّة. وبالرغم من فرض الصفويّين للمذهب الإثناعشري في عموم الإمبراطورية إلا أنّهم تساهلوا مع القبائل العربيّة على الساحل الشرقي للخليج العربي، ومنه الأحواز، فبقوا على مذاهبهم.

لكن قبل تمدّد الأسرة الصفويّة على عموم إيران بدأ الشيخ محمد بن فلاح سنة 1436 بنشر مذهب شيعي بين القبائل العربيّة في الأحواز قائلاً بخروج المهدي من اليمن، وأسّس دولة المشعشعيّة العربيّة ومركزها مدينة الحويزة. واتّسعت الدولة حتى شملت شمال الخليج كاملاً واقتربت حدودها من بغداد.

اصطدمت المشعشعيّة بالصفويّين سنة 1508، فنادى ابن فلاح بوجوب القضاء على الأسرة الصفويّة واستبدالها لحكم عموم الإمبراطورية، تمهيداً لظهور المهدي. لم يتغلّب ابن فلاح على الصفويّين وتضاءلت مساحة دولته مع الزمن لصالح الأوشار (الأڤشار)، حتّى اقتصرت أخيراً على مدينة الحويزة فقط، إلى أن قضت عليها إمارة بنو كعب سنة 1724 وتحوّلت إلى ولاية كعبيّة انتهت بدورها سنة 1882.

منتصف القرن 17 انتصب الشيخ ناصر بن محمّد أميراً على مدينة سوق الأحواز (الأهواز) باسم المشعشعية. لاحقاً أسّس بنو كعب من بني ناصر مدينة القبّان. ومن القبّان استقلّ بنو كعب سنة 1690 بإمارة عربيّة وبزعامة الشيخ سلمان البوناصر.

سنة 1730 ومستغلّاً الفوضى السياسيّة في الدولة الصفويّة، أنهى سلمان البوناصر حكم الأوشار لمنطقة الأحواز وأخذ العاصمة الدورق وغيّر اسمها إلى الفلّاحيّة وبهذا تأسّست الإمارة الكعبيّة التي حكمت معظم أراضي الأحواز ونالت اعترافاً دولياً.

سنة 1812 أسّس الكعبيّون مدينة المحمّرة وميناءها بغاية تطوير الإمارة وفتحها على التجارة الدولية، لاحقاً نقل الشيخ جابر الكعبي عاصمة الإمارة إلى مدينة المحمّرة سنة 1832 وفرض قانوناً موحّداً في كامل البلد.

سنة 1890 نزلت الإمارة الكعبيّة تحت الوصاية البريطانيّة التي غيّرت اسمها إلى مشيخة المحمّرة.

سنة 1897 وأثناء مساعي تحديث الدولة، غيّر الشيخ خزعل الكعبيّ اسم المشيخة إلى الناصريّة.

في أثناء الحرب العالميّة الأولى نادت الناصريّة بالقوميّة العربيّة وبالثورة على العثمانيّة تحالفاً مع بريطانيا، أملاً بالتوسّع في ولاية البصرة وحكم العراق، فصارت منبراً عروبياً لعرب الخليج، ودعمت وموّلت الكثير من الأنشطة السياسيّة العروبيّة في المنطقة، كما أنّها استضافت قِوَى المعارضة البغدادية للحكم العثماني، كالحركة القحطانيّة.

سنة 1925 وأثناء مراحل تأسيس الدولة البهلويّة وبتآمر مع القوّات البريطانيّة؛ اعتقلت الدبلوماسيّة الإيرانيّة الشيخ خزعل الكعبيّ مع أبنائه على يختهم الخاص واختطفتهم، ثمّ أسرتهم في طهران، ثمّ أعدمتهم سنة 1936، بينما نشرت قوّاتها في الأحواز وضمّت الناصريّة بشكل نهائيّ إلى إيران.

الجدير بالذكر أنّ بريطانيا قدّمت الناصريّة مع نفطها الغزير للحكومة البهلوية مقابل توقّف الأخيرة عن التقارب مع الاتحاد السوڤييتي ولمنع الشيوعية في إيران. ومن المهم أن نذكر أنّ العديد من العرب استعملوا مصطلح ”ناصريّ“ بمعنى قوميّ عروبيّ، نسبة إلى هذه الإمارة الناصريّة؛ وقبل عقود من ولادة المصري جمال عبد الناصر.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

تعليقان

شارك برأيك