صورة جوية لمدينة دمشق القديمة

بُنيت مدينة دمشق القديمة بنمط معماري فينيقي (فيني) يسمّى في عصرنا الراهن بالتخطيط الحضري العضوي، حيث تُبنى المباني وفقاً لحاجاتها وشروطها ومن ثمّ تخطّط وتُنشأ الشوارع لتلائمها وتخدمها. اليوم تسعى الكثير من الأمم حول العالم للعودة إلى اكتشاف نمط العمران العضوي organic urbanism سعياً لتخطيط مدن أكثر إنسانية وأكثر ملاءمة للحياة الطبيعية.

نلاحظ في الصورة الملتقطة سنة ٢٠١٧ من ارتفاع ٢ كيلومتر، أثر التعديلات الهيلينيّة والرومانيّة على تخطيط المدينة القديمة، الباقية والواضحة إلى اليوم، فبينما ينمو شكل المدينة طبيعيّاً مع التخطيط العضوي، دون أشكال هندسية منتظمة، يعاكسه المنطق الروماني الذي يفرض تخطيط الشوارع أوّلاً وبخطوط مستقيمة متعامدة، ومن ثمّ يتمّ توزيع الأبنية وتكييفها بما يلائم الشوارع ومقاساتها. ويظهر بوضوح خط الشارع الطويل الذي شُقّ في العهد الروماني والذي يقسم المدينة القديمة من شرقها وحتى غربها، ما بين الباب الشرقي وحتى السوق الحميدية اليوم.

المتجوّل في القسم القديم من دمشق سيلاحظ الأزقّة النامية كالعروق في جسد المدينة، ثمّ سيرى انشطارها بالشوارع الرومانية المبنية بالتخطيط الحضري المتعمّد كما لو أن مشرطاً قد قصّها، أو مبضع جرّاح.

أوّل توثيق متاح بين أيدينا للتخطيط الحضري يظهر في ملحمة گلگامش: “اذهب إلى حائط أوروك وتجوّل. تفحّص منصة الأساس ودقة الطوب. التي تشهد بأن الطوب هو الطوب المخبوز، والمستشارين السبعة، فضلا عن الأرض المفتوحة لمعبد عشتار. ثلاثة أميال مربعة والأرض المفتوحة التي تشمل أوروك. ابحث عن مربع النحاس، والتراجع عن قفل البرونزية، وفتح الباب لسرها، وقرص اللازورد والقراءة”.

بدأ التخطيط الحضري العضوي organic urban planning بالظهور في منطقة المتوسط قبل خمسة-ستة آلاف سنة، ونراه في مدن الحضارة الموينية (المينوسية) والفينية (الفينيقية) وحضارات العراقين وفي الحضارات المصرية القديمة. ونراه كذلك في مدن المكستك القديمة (الازتك) والمايا. غير أنّ العاصمة المكسيكية القديمة تنوختيتلان (تنوچتيتلان) كانت قد بنيت على نمط وسيط ما بين العضوي والمتعمّد، يشبه المدن المصرية القديمة المبنية قبل ٣٠٠٠ سنة.

بينما بدأ التخطيط الحضري المتعمّد deliberate urban planning بالظهور في منطقة وادي السند قبل ٤٥٠٠ سنة، خصوصاً في مدن هرپّه، لوتهَل، وموئن جو دَرو. ثمّ وصل مع هيپّودامُس Hippodamus إلى الحضارة الإغريقية خلال القرن الخامس قبل الميلاد بتخطيط مدينة أثينة وميناءها، ثمّ انتشر عبر المتوسط مع الامبراطورية الرومانية التي ورثت المدرسة المتعمّدة عن الحضارة الإتروسكانية السالفة في إيطاليا، والتي كانت على علاقة ثقافية وثيقة بالدول الهيلينية بعد انحسار الحضارة الفينية.

اليوم، تعود مدارس تخطيط المدن المعمارية لدراسة أنماط التخطيط الحضري العضوي في محاولات لتطويره وإعادة تكوين نمط هجين، يسمح بالحفاظ على تقنيات الحياة المدينيّة المعاصرة، مع الاستغناء الكامل عن نمط التخطيط الحضري المتعمّد. إذ ومع تطوّر العلوم، بدأت تتكشّف مشاكل هذا النوع من التخطيط الحضري، وأثره السيء على الحياة الإنسانية والصحة النفسية والعقلية للإنسان.

من جهتي أرى فعلاً أنّ التخطيط العضوي أقرب إلى الطبيعيّة من متعامدات ومكرّرات التخطيط المتعمّد، المعاكس وبحدّة للطبيعة.

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-2O