ساحة ريگيستان

مدينة سمرقند، من أقدم مدن وسط آسيا، ولا تنافسها عمراً سوى مدينة بخارى، وهي منبع وحاضرة الحضارة الصُغدية عبر العصور. اسم المدينة من البابلية القديمة ومعناه “البلد الغربي” أو “البيت الغربي” وأسماها الإغريق مَرَگَنده Maracanda أي “البلدة الغربية”.

خلال عهد آل گورکاني (التيموريّين) الذين حكموا الصُغد ما بين القرنين ١٤ و١٥، نهضت عاصمتهم سمرقند معمارياً وعلمياً بشكل ملحوظ، فباتت المدينة حاضرة لامبراطورية گورکانیان‎ التيمورية وأحد عواصم العلم والمعرفة في العالم.

يبدوا واضحاً اهتمام آل گورکاني بالعلم والمعرفة في تكريس ساحة سمرقند الرئيسية للمدارس والجامعات، فبدل إحاطة ساحة ریگيستان بالقصور الملكية والمباني الحكومية (على عادة الممالك)، تمتلئ الساحة وفقط بالمدارس والمساجد، وهي كانت الساحة التي يستمع فيها الناس للقوانين الجديدة والأخبار الحكومية، وفيها تُعلن الترسيمات الجديدة والتصريحات الملكية.

Interior of Tilya-Kori Madrasah on Registan Square in Samarkand – Uzbekistan

ورغم انتقال العاصمة السياسية لامبراطورية گورکانیان‎ عن سمرقند سنة ١٤٠٥، ورغم سقوط الامبراطورية ونزوحها نحو الهند سنة ١٥٠٧، إلا أنّ المدينة بقيت حاضرة للعلم والمعرفة في عهد خانيّة بخارى الشيبانيّة واستمرّت بأداء دورها كأحد عواصم التعليم في آسيا، إلى أن سقطت الخانيّة تحت الاحتلال الروسي مطلع القرن العشرين.

عانت منشآت ساحة ریگيستان من إهمال شديد في العهد السوڤييتي، انتشر فيها الخراب واستخدمتها القوات السوڤييتة معسكراً للجيش ومستودعات حكوميّة. لكن تعتني الحكومة الأزبكية بها اليوم كونها أهمّ المقاصد السياحية للمدينة.

تجتمع في ساحة ریگيستان خمسة منشآت رئيسية، كلّ منشأة منها مجمّع لعدّة مباني تختصّ بتخصّص مشترك. وریگيستان هي كلمة صغديّة تعني “المكان المُنبسط” (المرگوگ) بينما تعني في اللغة الفارسية المعاصرة “القفرة”.

المنشآت الخمسة هي ثلاث مدارس ومركز للتجارة الدولية وضريح آل شيباني. بُنيت جميعاً بطُرز معمارية إسلامية، اعتنت عناية شديدة بالفسيفساء والمقرنصات والمنمنات الأزبكية، ومزينة جميعاً باللون الأرزق المبهر، سواء بالأزرق السماوي أو التركواز أو النيلي.

في الواقع يعود احترام اللون الأزرق في الصُغد إلى أقدم تواجد حضري في المنطقة، ومنذ انتشرت فيها الديانة التنگرية (السماوية) التي قدّست اللّون السماوي، وكانت الحضارة الأولى حول العالم التي منحت اللّون الأزرق انتباهاً واسماً، قبل أن يُعرف في أيّ من اللّغات القديمة حول العالم. واستمرّ حضور اللون الأزرق واحترامه مع الإسلام، سيّما وقد اتّخذ الإسلام تقديساً سماوياً، ارتبط بالسماء والسماوات وبالله الغائب.

كلمة مدرسه باللّغة الصغدية تقابلها كلمة جامعة في عصرنا الراهن، ولم تتبدّل استخدامات الكلمة حتى مع تقلّب ثقافات ممالك المنطقة ما بين الآرامية والهيلينة والتركية والفارسية، ومنشآت ساحة ریگيستان هي:

مدرسه أُلغ بیگ Ulugh Beg Madrasah‎، بُنيت سنة ١٤١٧ واستغرق بناءها ثلاث سنوات، في عهد شاھرخ میرزا ومنحها میرزا محمد طارق عناية خاصة. وفي بداية عهدها كانت تحتوي على إيوان الملك التيموري، وتتميّز بمناراتها المرتفعة، وبفسيفساء الإيوان والمداخل وبالزخارف الهندسية المنمنمة المبنية على خبرات حسابية عالية. وتحتوي مبانيها إضافة إلى المنارات على مسجد وقاعات للمحاضرات، وعنبر لغرف سكن الطلاب، وتحتوي كذلك على صالات عدّة تتعامد مع المحاور والممرّات. في الواقع سبق وجود مدرسه أُلغ بیگ مدرسه أقدم في المكان، ولا يُعرف تاريخ بنائها، ولم يكن إنشاء مدرسه أُلغ بیگ إلا توسعة وتطويراً للمدرسة القديمة المكوّنة من مبنى من طابقين تحيطه أربع قاعات مقبّبة للمحاضرات، في كلّ زاوية.

اشتُهرت مدرسه أُلغ بیگ خلال القرن ١٥ بصفة جامعة الشرق الإسلامي، واختصّت بتدريس الشريعة الإسلامية والشعر والعلوم الصوفية والرياضيات وعلوم الطب والفلسفة، وكانت تعتبر فنون الرسم والنحت كأحد أفرع علم الرياضيات.

Interior of Sherdor Madrasah in Samarkand, Uzbekistan

مدرسه شِر-دار، يلفظ أهل الصغد حرف ا بلفظ سرياني بحيث يكون مائلاً إلى الواو وليس ممدوداً تماماً، لذا يكتب الأوزبك اسم المدرسة اليوم Sher-Dor Madrasah. بنيت على مراحل ما بين ١٦١٩ و١٦٣٦ في العهد الشيباني بقرار من حاكم سمرقند يلنگطش بخادُر، ولا أحد يعرف سبب زخرفتها بزخارف ميثرانية شرقية، رغم أنّ الديانة الميثرانية كانت قد ماتت شرقاً وغرباً قبل أكثر من ألف عام. أمّا سبب بناء المدرسة فكان توسعة لقدرات استيعاب مدرسة أُلغ بیگ بعد ازدحام الطلاب فيها.

مدرسه طيلايه-كاري Tilya-Kori Madrasah ويعني اسمها “المطلية بالذهب”، بنيت على مراحل ما بين ١٦٤٦ و١٦٦٠، وحاكم سمرقند الشيباني يلنگطش بخادُر هو من أمر ببنائها كذلك، وكانت الغاية من بنائها استخدامها كسكن ومسجد للطلاب، حيث لا تحتوي على قاعات تدريس. رغم احتوائها على أربع صالات كبيرة تتعامد مع محاور المنشأة. المسجد في قسمها الغربي مذهّب بالكامل من الداخل. 

إلى جانب المدارس يقف في ساحة ريگيستان مبنيان آخران هما:

ضريح آل شيباني، تمّ بناءه خلال القرن ١٦ كمقام لمحمد شيباني، القائد الأُزبكي المؤسّس للأسرة الملكية الشيبانية، كان شيباني زعيماً للبدو الأُزبك، تحالف مع الخانية الجغطائية لصدّ التوسع الصفوي مطلع القرن ١٦ وقضى على الإدارة المتهالكة للأسرة الگورکانية ثمّ تربّع على عرش خانية بخارى منذ ١٥٠٧، ما أدّى إلى تحضر وتمدّن جميع البدو الأزبك نهائياً.

المبنى الخامس في ساحة ریگيستان هو الشارسُ Chorsu هو مبنى مسدّس مقبّب، اسمه من الفارسية ومعناه “تقاطع الطرق” حيث يقع على تقاطع الطرق الدولية من سمرقند نحو طشقند، وبخارى، وشهر سبز. أنشئ خلال القرن ١٥ كبازار لتجار القوافل، ثمّ أصبح المركز التجاري للصُغد وعموم وسط آسيا، وأعيد بناؤه خلال القرن ١٨.

سنة ٢٠٠٥ استملكت المبنى أكاديمية الفنون الأزبكية، وأصبح أهم متاحف عرض الفنون في سمرقند.

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-1Q