تاريخ القهوة

اليوم هو يوم القهوة العالمي، واحتفاءً بها أنشر هذه التدوينة البسيطة عن تاريخ مشروب القهوة، وأكتبها باللّغة العربية الفصيحة إكراماً لأصلها ومنبتها، اليمن، أصل العربية والقهوة.

يبتدئ تاريخنا مع القهوة مع حبوب البن، التي كان يستلذّ الناس بها مضغاً أو تخزيناً دون صناعة مشروبها. في الواقع من غير المعلوم إذا شربت العرب مشروب القهوة في التاريخ الماضي أو لا، بسبب عدم وجود دراسات كافية حتّى اليوم تبيّن ماضي أساليب استهلاك البن بين العرب. لكن من المثبت تاريخياً معرفة العرب بحبوب البن وتجارتها منذ ٦٠٠٠ سنة على الأقل.

آثارياً، عُثر في منطقة أمّ النار الأثرية في حدود دولة الإمارات العربية المتحدة، على أواني فخّارية مغلقة وفي داخلها حبوب بنّ سليمة دون تحميص، تعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أقدم أثر مكتشف حول العالم لحبوب البن المعدّة للاستهلاك البشري. بينما من الثابت في زمننا أنّ مشروب القهوة حُضّر وشُرب للمرّة الأولى في اليمن، دون الإمكانية لتحديد عمر واضح لوصفة القهوة.

عموماً أقدم وصفة معروفة للقهوة في عالم اليوم هي وصفة قهوة الموكا، المعروفة عالمياً باسم الموكاتشينو، قهوة مدينة المخاء الساحلية جنوب اليمن، حيث طُبخت حبوب البن لأوّل مرّة بعد تحميصها وطحنها، فعرفنا القهوة التي نشربها اليوم. وأقدم ذكر لمشروب القهوة في التراث العربي يعود إلى فتاوى حجازية من مكّة تحرّم مشروب القهوة وشربها خلال القرن الخامس عشر، لأنّ أهل اليمن، أهلها، أسموها قهوة، وكانت القهوة من أسماء الخمر.

كلمة “قهوة” كانت من أسماء الخمر وبالأخص النبيذ، لأنّه يقهي شاربه عن الطعام، أي يُشبعه أو يذهب بشهوته، يقول لسان العرب: “والقَهْوة: الخمر، سمّيت بذلك لأنها تُقْهِي شاربها عن الطعام أَي تذهب بشهوته، وفي التهذيب أَي تُشبِعه؛ يذكر نسّاء: فأَصبَحْنَ قد أَقْهَين عنّي، كما أَبَتْ حِياضَ الإِمدَّانِ الهِجانُ القَوامِحُ”. هكذا نال منقوع البن اسم القهوة كناية بأفعال الخمرة.

أمّا اسم القهوة عالميّاً (كافيه) أو (كوفي) أو (كفيه) فهو تحوير عن اللّفظ العثماني للقهوة “كهڤه”، بسبب الواو الفارسية التي تحوّلت في اللّغات الأوروپية فاء.

تُزرع شجرة البنّ العربيّة اليوم في اليمن في محافظات تعز وإب والضالع ولحج وأبين وصنعاء والمحويت وحجة وصعدة والحديدة وعمران وريمه وذمار وكذلك في جنوب غرب العربية السعودية في الطائف والباحة وعسير وجيزان ونجران.

حتّى عام ١٦٦١ كانت زراعة البنّ حكراً على اليمن، وكانت العثمانية والحكومة الملكيّة المحلية في اليمن كليهما تمنعان على التجّار بيع نبات القهوة أو حبّات البنّ دون سلقها كي لا تتسرّب زراعتها خارج اليمن. لكن في ذلك العام تمكّن تاجر هولندي من سرقة بذور بنّ طازجة على أنّها حبوب مسلوقة، وبعد ٤٠ عام انتشرت زراعة البنّ في أماكن عديدة حول العالم.

مع ذلك تبق للبنّ اليمنيّ امتيازاته التي لا تنافسها أنواع البنّ في العالم، فزراعته لم تزل تعتمد على المدرّجات الزراعية الجبلية والريّ البعلي، ولم تزل الشمس تُستخدم لتجفيف حبوبة طبيعيّاً دون خلطها بأيّ موادّ كيماويّة. ولو أنّي قادر لامتنعت عن شراء غير البنّ اليمنيّ، دعماً لتراث لا يبزّه منافس شريف. وعلى سيرة المنافس الشريف، لم تتمكّن بريطانيا من احتكار تجارة البنّ في العالم إلّا بقصف وتدمير مدينة المخاء وميناءها ما بين عاميّ ١٩١١ و١٩١٥ لنقل تجارة البنّ إلى شركاتها في البرازيل والمكسيك.

شاركني رأيك