خريطة الامبراطورية التركية الأولى

في القرن الرابع قبل الميلاد وعقب سقوط الامبراطورية الأخمينية وتقاسمها من قبل القوّاد الإغريق، تبعثرت الفوضى السياسية في منطقة آسيا الوسطى أسوة بعموم المناطق الأخمينيّة نتيجة حروب ملوك الطوائف، حين تقاتل الضباط الإغريق فيما بينهم للفوز بحصّص من الامبراطورية الأخمينيّة البائدة. 

في تلك الفترة تباينت شعوب آسيا في نسبة تبنّيها وتقبّلها للثقافة الإغريقيّة وقوانينها، فمنهم من رفض القوانين الإغريقية بالمطلق كالزردشت، ومنهم من تقبّل الثقافة وأدمجها بدياناته المحليّة دون تقبّل القوانين كالپنجاب، ومنهم من تقبّل القوانين الإغريقيّة وترك الثقافة فاحتفظ بديانته كالصغد (الصوغد).

احتفظ الصُغد بلغتهم التوركية القريبة من الفارسية (ليست التركية) وحافظوا على أبجديّتها الآرامية، كما حافظوا على ديانتهم التنگرية (السماوية) أحد مذاهب الديانة المنشورية، لكنّهم كانوا من الشعوب التوركية الحضرية القائمة على ثقافة زراعية، ما سهّل عليهم تقبّل قوانين حكّام الدولة الإغريق وتطبيقها، وما ساعدهم على تأسيس الدولة الپارثية في القرن الثالث ق م، إمبراطورية صُغدية ذات ثقافة توركية-إغريقية مشتركة استمرّت ستة قرون حتى انتهت في القرن الثالث ميلادية.

الامبراطورية الپارثية وعواصمها الثلاث وكانت بدأت من نيسا، في تركمنستان المعاصرة
الامبراطورية الپارثية وعواصمها الثلاث وكانت بدأت من نيسا، في تركمنستان المعاصرة

لكن في آخر عهود الپارثية نشأت شرقها وعلى الغرب من الصُغد دولة اعتمد على مذهب متطرّف من مذاهب الشامانيّة، كانت لأحد الشعوب التوركية المعروفة باسم الهياطلة، أو الهون البيض (آق هُنلر) نسبة لاعتباراتهم الدينية. اتّبع الهياطلة مذهباً متطرّفاً من مذاهب التنگرية حيث تشدّدوا بتقديس اللّون الأبيض على أنّه الكمال المطلق، وتشدّدوا برفض كلّ الألوان الباقية على أنهاء مواد ذات شائبة، فحرّموا أكل العناصر غير البيضاء، وحرّموا بناء البيوت وسكن المدن واقتناء الأرض وبالتالي حرّموا الزراعة والتزموا الترحال وحلْب الحيوانات لشرب حليبها.

بالأزرق امبراطورية الهاطلة الهون بشطريها الشمالي والجنوبي
بالأزرق امبراطورية الهاطلة الهون بشطريها الشمالي والجنوبي

لم يكتف الهياطلة بهجر الحضر والتزام خيام البداوة في نمط العيش، بل اعتبروا أنّهم مفوّضون من السماء بتنظيف الأرض من شوائبها البشريّة، فاكتسحوا الدول المجاورة جنوباً وغرباً حتّى وصلوا الساحل الپاكستاني جنوباً ابتداءً من مدينة قُندُز (شمال أفغانستان المعاصرة) في القرن الخامس، يدمّرون المدن ويجبرون الناس على حياة الترحال، ويمنعون الزراعة ويُحرقون المحاصيل ويُطلقون المواشي، تطبيقاً متطرّفاً لفكرة دينية أساسها “الرزق على الخالق”. كذلك حرّموا الكتابة والنقش والنحت، وصارت خيامهم وألبستهم كلّها بيضاء من صوف الأغنام وشعر الماعز، ثمّ اعتبروا أنّ الشعوب المباركة ذات بشرة بيضاء، وكلّما قلّ بياض البشرة كلّما عبّر ذلك عن غضب الخالق على المخلوق وعلى قلّة البركة، ما دفعهم لتقديس من ابيضت شعورهم شيباً على أنّهم نالوا درجة الحكمة ببركة إلهية.

أخيراً طلب الساسان الفرس (خلفاء الپارثية) حلفاً مع الگوك تورك (التركواز) للمساعدة على القضاء امبراطورية الهياطلة، وإيقاف مذهبهم المتطرّف عن الوجود، وكادت الامبراطورية الساسانية أن تسقط أمام الضغط الهيطلي. فالهياطلة أولاً وأخيراً تورك، يتّبعون مذهباً من مذاهب ديانة الگوك تورك نفسها، التنگرية، لكن بتطرّف مزعج ومؤذي للبشريّة. قضى الگوك تورك على دولة الهاطلة وضُمّت إلى مُلك عرش الگوك تورك الغربي، ونزح أهل السلطة ورجال الدين الهاطلة إلى نجد والمنطقة العربية.

امبراطورية الگوك تورك بشرطيها الشرقي والغربي
امبراطورية الگوك تورك بشطريها الشرقي والغربي، مصدر الخريطة وزارة التعليم والتربية التركية

لغوياً تعني كلمات “گوك تورك” الفرسان الأقوياء، فكانت التسمية رمزاً للترحال وانتساباً للخيل، الرمز الأعلى في ثقافة الگوك تورك والشرف الشعبي. وهي مصدر كلمة الترك المعاصرة.

مع نموّ الامبراطورية التركية التنگرية الأولى شمال ووسط آسيا، اندمج فيها الصُغديّون سريعاً بسبب وحدة الديانة، التي تُقدّس لون السماء الأزرق التركواز (التوركڤاز)، لم تحرّم التنگرية (السماوية) الزراعة ولا التحضّر، ولم تفرض نمط حياة محدّد على أتباعها، ولم تحرّم أيّاً من المأكولات. كان شرطها الوحيد هو الصلاة للمخلوق قبل قطعه أو ذبحه، سواء أكان نباتاً أم حيواناً، كانت الصلاة احتراماً وشكر للمخلوق على منحه الحياة لاستمرار حياة مخلوق آخر هو الإنسان.

من جهة ثانية، كان الصغد شعب حضارة مدينيّة منذ أسّستها بابل قبل ٤٠٠٠ سنة ومنذ نشأ شعبها على التقاليد البابلية الحضريّة، ما ساهم بإضفاء تأثيرات حضرية عميقة على الديانة التنگريّة وزاد من ارتباطها وتقبّلها للنمط المديني من أنماط الحياة الإنسانية، فكانت هذه هي السمة الغالبة على تنگريّة الشطر الغربي من امبراطورية الگوك تورك التنگرية، التي وضعت أسّس الثقافة التركية اللاحقة.

في التنگريّة يقدّس الشامان اللون الأبيض، فهو لون الله في اعتبارات المؤمن، لون الكمال وأصل الألوان، لكن الله “تنگري” خلق السماء زرقاء سقفاً للإنسان، وخلق الأرض بنّية أرضاً للإنسان، وخلق الإنسان بينهما بدمٍ أحمر، وخلق المخلوقات البقيّة بجميع الألوان من أجل الإنسان وبطلب من الأمّ البيضاء (خليله الله آق أنا)، وخلق الموت أسوداً استراحة للمخلوق قبل العودة إلى الحياة من جديد. حقيقةً تعود تسمية الديانة التنگريّة بالشامانية إلى التسمية المنشوريّة القديمة “سَمَ – ساما” التي تعني السماء، لكن الكلمة تحوّلت إلى “شَمَ – شاما” مع ألسنة الشعوب التي تقلب السين شين، ثمّ أتت صيغة شامان صيغة جمع، ولم تزل الكلمة بصيغة سَمان بالمنشوريّة، أي السماويّون.

يعتبر المنشوريّون أنّ السماء جزئ من الله وهي مصدر كلّ شيئ حيّ، الذي ترسله إلى الأرض بواسطة الماء، فالماء هو وسيلة السماء لخلق الحياة على الأرض، ومجرى الماء هو مجرى الزمن وسرعته، لهذا ليس للماء لون فهو ليس مخلوقاً بذاته إنّما حامل للخلق ووسيلته، وكذلك ليس للضوء لون فهو انعكاس لكمال الله “تنگري” الأبيض.

لاحقاً، وبعد الفتح الإسلامي، تكرّر إحياء الامبراطورية التركية الأولى على نمط إسلامي من خلال امبراطورية الويگر (٨٥٠-١٢٥٠) التي حكمت معظم أراضي امبراطورية الگوك تورك السابقة من مدينة أوردو-بَليق وسط منگوليا المعاصرة، والتي يعني اسمها “عاصمة الجُند”، والمعروفة كذلك باسم قَرَبَلغَسُن. وكانت اعترفت هذه الامبراطورية الويگرية كذلك بالتنگرية السماوية (المنشورية) والبوذية، رغم أنها كانت، وحتى اعتناق الإسلام، دولة مسيحية على المذهب المانوي البابلي، قبل التوسّع الامبراطوري.

مملكة الويگر. مصدر الخريطة موسوعة بريتانيكا
مملكة الويگر. مصدر الخريطة موسوعة بريتانيكا

لاحقاً أيضاً، أعيدت محاولة إحياء الإمبراطورية التنگرية على مذهب شاماني عن طريق الإمبراطورية المنگولية (المغولية) التي حاربت التمدّن من جديد وقضت على مملكة الويگر منتصف القرن ١٣ ولاحقت الإسلام حتّى قضت على معقل الخلافة الإسلامية العبّاسية في بغداد. لكن سرعان ما عادت وتحوّلت هذه الامبراطورية إلى الإسلام خلال بضعة عقود تالية وصارت دولها أساساً لمبادئ التمدّن المعاصر.

 امبراطورية المنگول سنة ١٢٧٩مقارنة بحدود اليوم السياسية
 امبراطورية المنگول سنة ١٢٧٩مقارنة بحدود اليوم السياسية

حول علاقة المنگول بالإسلام والمسيحية أنصح بقراءة المقال على الرابط التالي

مؤنس بخاري – برلين

شاركني رأيك