التخطيط الحضري المتعمّد

صورة جوية لآثار مدينة “موئن جو دڙو” القديمة في پاكستان، والتي تُثبت عدم سبق الإغريق بابتكار التخطيط المتعمّد للمدن. عُمر آثار هذه المدينة هو أكثر من خمسة آلاف سنة، وكانت مبنيّة وفق تخطيط مسبق مع بنى تحتيّة مخطّطة سلفاً وفق مدرسة التخطيط المتعمّد المستخدمة لتخطيط مدن اليوم، وتنافس حتّى معايير اليوم في تخطيط المدن.

المدينة واحدة من مدن عديدة متطوّرة في وادي السند، تعرّض أهلها جميعاً لإبادة سريعة قبل خمسة آلاف سنة، حتّى ظنّت الأساطير الهنديّة أنّهم ولشدّة تطوّرهم غادروا الأرض معاً في ليلة واحدة، لكنّ الواقع أنّهم تعرّضوا لغزو من الشمال من قبل شعوب أقل تطوّراً قضت على حضارتهم.

أقدم توثيق متاح بين أيدينا للتخطيط الحضري يظهر في ملحمة گلگامش ٢١٠٠ ق.م: “اذهب إلى حائط أوروك وتجوّل. تفحّص منصة الأساس ودقة الطوب. التي تشهد بأن الطوب هو الطوب المخبوز، والمستشارين السبعة، فضلا عن الأرض المفتوحة لمعبد عشتار. ثلاثة أميال مربعة والأرض المفتوحة التي تشمل أوروك. ابحث عن مربع النحاس، والتراجع عن قفل البرونزية، وفتح الباب لسرها، وقرص اللازورد والقراءة”.

بدأ التخطيط الحضري العضوي organic urban planning بالظهور في منطقة المتوسط قبل خمسة-ستة آلاف سنة، ونراه في مدن الحضارة الموينية (المينوسية) والفينية (الفينيقية) وحضارات العراقين وفي الحضارات المصرية القديمة. ونراه كذلك في مدن المكستك القديمة (الازتك) والمايا. غير أنّ العاصمة المكسيكية القديمة تنوختيتلان (تنوچتيتلان) كانت قد بنيت على نمط وسيط ما بين العضوي والمتعمّد، يشبه المدن المصرية القديمة المبنية قبل ٣٠٠٠ سنة.

بينما بدأ التخطيط الحضري المتعمّد deliberate urban planning بالظهور في منطقة وادي السند قبل خمسة آلاف سنة، خصوصاً في مدن هرپّه، لوتهَل، وموئن جو دَرو. ثمّ وصل مع هيپّودامُس Hippodamus إلى الحضارة الإغريقية خلال القرن الخامس قبل الميلاد بتخطيط إعادة بناء مدينة أثينة وميناءها، ثمّ انتشر عبر المتوسط مع الامبراطورية الرومانية التي ورثت المدرسة المتعمّدة عن الحضارة الإتروسكانية السالفة في إيطاليا، والتي كانت على علاقة ثقافية وثيقة بالدول الهيلينية بعد انحسار الحضارة الفينية.

شاركني رأيك