حرائق المسجد الأموي في دمشق في المصادر القديمة

يوثّق التاريخ احتراق المسجد الأموي في دمشق ستّ مرّات خلال عمره الممتدّ ١٣٠٣ سنوات حتى اليوم، منذ افتتحه الأمير الأموي الوليد بن عبد الملك (الوليد الأول) سنة ٧١٥. في تلك السنة توفي الوليد في شهر شباط فبراير فخلفه شقيقه سليمان بن عبد الملك. وفي تلك السنة تقدّمت جيوش طارق بن زياد في إيبريا وانتهت هيسپنيا كمملكة قوطية. وبهذا كانت وصلت الإمبراطورية العربية أوج اتساعها في عهد الأمويّين، فأثّرت هذه الأحداث على احتفالية افتتاح المسجد الكبير في قلب عاصمة الإمبراطورية، دمشق.

هذه المعلومات مستقاة من المصادر المذيلة للتدوينة، ولا أدري صحّة رواياتها جميعها لكنّني اجتهدت بتحقيق التواريخ والأسماء.

حريق الأموي الأوّل حدث سنة ١٠٦٩ في عهد سلطة الدولة الفاطمية على سوريا، وقد اتّهم الأهالي العساكر الفاطميين بإحراق المسجد حيث رغب جنود الفاطمية بإحراق قصر الخضراء (البيت الأموي) فامتدت منه النار على المسجد وأُغلق عن الصلاة بعدها، ولم تحدث فيه أيّ ترميمات حتى عهد الدولة السلجوقية. ضمّ السلاجقة سوريا على مراحل ما بين سنة ١٠٧١ و١٠٧٨ ودخلوا دمشق سنة ١٠٧٦. ثمّ تكرّرت أعمال الترميم لإصلاح أثر الحريق الأوّل في عهد دولة دمشق (النوْريّين) ثمّ الأيّوبيين ثمّ المماليك.

حريق الأموي الثاني حدث سنة ١٣٤٠ في عهد الأمير المملوكي سيف الدين تنكز، وكان السبب في أعمال الترميم المملوكية للمسجد، لكنّ الحريق كان أكبر هذه المرّة فأتلف المدارس والأسواق في محيط المسجد الأموي. اتّهم تنكز مسيحيّين من قرية جوبر شرق دمشق بالتآمر وتنفيذ هذا العمل الإرهابي، حيث اتُّهموا بإعداد كعك من النفط وتوزيعه داخل دكاكين سوق الدهشه (أحد الأسواق البائدة) ثمّ امتدّت النار من السوق إلى المسجد ومحيطه. اعتقل تنكز العصابة المتآمرة وأُعدموا صلباً في دمشق. المفارقة التاريخية أنّ قرية جوبر الدمشقية كانت لليهود ولم تكن للمسيحيّين، فلست على يقين من رواية المصدر. لكن بالعموم أدّى هذا الحادث إلى عزل الأمير تنكز من قبل السلطان محمد بن قلاوون ونفيه إلى الإسكندرية.

حريق الأموي الثالث حدث سنة ١٣٩٢ حين احترقت المئذنة الشرقية وعمّت النار المسجد، حدث الحريق في عهد الاضطرابات التي عمّت بلاد الشام في نهاية عهد الأمير “يلبغا النصيري” والي حلب الذي تمرّد على دولته المملوكية واستقلّ ببلاد الشام كلها حتى سنة ١٣٩٢ حين غلبه “تيموربغا المنجكي” من المماليك البرجيّة، فاستعاد دمشق وحلب، وجلس أميراً على دمشق حتى سنة ١٣٩٥. المفارقة أنّ الأمير المنجكي اتّهم يهودياً دمشقياً بافتعال الحريق وأعدمه.

حريق الأموي الرابع حدث سنة ١٤٠١ بعد عام من استيلاء تيمور لنگ على سوريا، فأمر تيمور بإحراق دمشق كلّها واستمرّ الحريق ثلاثة أيّام ولم يبق من المسجد الأموي إلا جدرانه، وكذلك كان الحال بأسواق دمشق، ثمّ ترك تيمور لنگ دمشق سنة ١٤٠٤ تاركاً فيها برجاً من الرؤوس، في منطقة لم يزل الدمشقيّون إلى اليوم يسمّونها “برج الروس”.

حريق الأموي الخامس حدث سنة ١٤٧٩ في عهد دولة المماليك البرجية حين شبّت النار بالأسواق المحيطة بالمسجد الأموي، وحاولت الناس منع النار من الوصل إلى المسجد لكنّها أمسكته من الناحية القبلية (ناحية سوق البزورية اليوم) ثمّ استمرّت يومين، فسقطت قبة النسر والمئذنة الغربية. وكانت الفترة فترة اضطرابات سياسية من قبل أمير غضب عليه المماليك إلى درجة حذف اسمه من السجلات جميعاً ومن التاريخ. ثمّ رُمّم المسجد كاملاً في عهد الأمير “كجماس الإسحاقي” (١٤٨١-١٤٨٨).

حريق الأموي السادس حدث سنة ١٨٩٤ في عهد الوالي شريف محمد رؤوف پاشه، ما خلع الوالي من قبل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فاستبدله بالپاشه حاجي عثمان نوري. ويقال أنّ النار نشبت من نارجيلة أحد العمّال الفنّانين القائمين على ترميم سقف المسجد، وكان اليوم عاصفاً فانتشرت النار بسرعة وعمّت المسجد كاملاً فقضت عليه بساعتين ونصف. ويقال كذلك أنّ جمر النار كان من أداة خاصّة بحرق الدهان القديم وتجفيف الخشب، وليس من نارجيلة.

مصادر الروايات:

  • البداية والنهاية لابن كثير.
  • تاريخ القلانسي.
  • الدرة المضية لابن صصرى.
  • خطط دمشق للعلبي.
  • تيمورلنك وحكايته مع دمشق.
  • حريق الجامع الأموي أيام العثمانيين، جمعها صلاح الدين المنجد، ونشر بدمشق سنة ١٩٥٣.
  • حريق الجامع الأموي وبناؤه ١٣١١-١٣٢٠ نصوص ووثائق، للقاسمي وواصف وكردعلي والعظمي.
  • في ربوع الشام دمشق للدكتور محمد مطيع الحافظ، وهذه المقالة مستلّة من كتاب بتصرف من: محمد سارية عجلوني.
مخطّط مرسوم سنة ١٩٠٥ للمسجد الأموي في دمشق مع الأسواق المحيطة به، بما يشمل على مخطّطات آثار المنطقتين الشرقية والغربية للمعبد الروماني القديم. عن مكتبة مؤسسة آغا خان، عن معهد مسّتشُستّس للتقنيات، الولايات المتحدة الأميركية.
https://dome.mit.edu

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-5r