الڤايكِنگ، من أكثر الشعوب المظلومة تاريخياً

انطلقت قبائل الڤايكنگ من النروج تغزو السواحل الأوروپيّة والمتوسطيّة نهاية القرن الثامن، كما اصطدموا بالعبّاسيّين في آسيا، وعُرف عنهم أنهم قراصنة متوحّشين امتهنوا الغزو والنهب، بما وصلنا من تراث القرون السابقة الأوروپّي، لكن الوقائع والحيثيات العلميّة تكشف حقائق مختلفة ومعاكسة أحياناً لما تداولته الروايات الأوروپيّة.

تأتي كلمة ڤايكِنگ من الكلمة الإنگليزية القديمة ڤيكينگ wicing والتي صارت تعني حرفيّاً “قرصان”. لكن في الواقع تنحدر تسمية ڤايكينگ بلسان أهلها من الكلمة النورسيّة (النرويجية القديمة) ڤيكِن viken نسبة إلى كلمة ڤيك vik التي تعني خليج أو درب محصول بين جبلين (مشابه لمعنى فجّ العربية)، وتصبح كلمة ڤيكن بالتالي بمعنى الشخص من الخليج، أو ببساطة الخليجي، نسبة إلى شكل المنطقة التي هُجّرت منها قبائل الڤايكنگ في اسكندنافيا قبل تحوّلهم إلى التوسّع البحري.

وتشير السجلّات التاريخيّة إلى أنّ الڤايكنگ تمتّعوا بتطوّر تقني ملاحي وعسكري مكّنهم من تحقيق انتصارات قويّة ومدوّية في الأوساط الأوروپية، حيث تشير التدوينات الأنگلوزاكسونيّة من العام 793 مثلاً إلى استخدام الڤايكنگ لأسلحة ناريّة تتحكّم بالنار وتوجهها نحو جدران الخصوم لتدميرها “جاء هذا العام مروّعاً بسبب التهديدات التي كانت تصل لأرض شعب نورثَمبريا، والتي كانت تُرعب الناس وتسبّب البؤس: حيث كانت هذه التهديدات عبارة عن أشعّة هائلة من الضوء تندفع في الهواء وزوابع وتنانين ناريّة تحلّق في السماء. وسرعان ما يتبع هذه العلامات الهائلة مجاعة كبيرة: وبعد فترة ليست طويلة، في اليوم السادس قبل حلول الخامس عشر من كانون الثاني يناير من نفس العام، أحدثت الغارات المروّعة التي قام بها رجال وثنيّون دماراً مؤسفاً في كنيسة الله على الجزيرة المقدّسة ليندسفارن، من خلال أعمال النهب والذبح التي قاموا بها.” ~ ألكوِن يورك Alcuin of York، معلّم إنگليزي.

كانت كاتدرائية ليندسفارن Lindisfarne أهمّ مركز ديني وتعليمي في شمال أوروپا خلال القرن الثامن، وداوم الملوك وأثرياء الأورپيّين على إرسال بنيّهم إلى جزيرة ليندسفارن لإتمام تعليمهم العالي والديني، ما منح الجزيرة الإنگليزية لقب المقدّسة. في ذات الوقت كانت ما تزال مناطق واسعة من شمال أوروپا خارج الإيمان المسيحي ويمارس أهلها طقوس أديانهم المحليّة ما قبل المسيحيّة. لكن في نهاية القرن الثامن فرض الملوك المسيحيّون مقاطعة اقتصاديّة شاملة على المناطق الغير مسيحيّة، رغبة منهم بفرض التنصير وإتمام سيطرة كنيسة الدولة على عموم أراضيها وإنهاء التعدّديّة الدينيّة الأوروپيّة، التي كانت بطبيعة الحال تعني تعدّديّة سياسيّة.

عانت الدول الاسكندنافيّة من ممارسات تجاريّة ظالمة وعقوبات دوليّة فرضها عليهم دعاة المسيحيّة، وأدّى هذا في النهاية إلى انهيار العلاقات السياسية وإلى الإغارة على كاتدرائيّاتهم. هذا كان السبب وراء أوّل هجوم عسكري قام به الڤايكنگ على مركز المسيحيّة الأوروپيّة في الشمال، مطالبين بفكّ الحصار وإنهاء العقوبات الدوليّة، بعد انتشار مجاعات في أراضي الشمال، حيث لا تمكن زراعة جميع الأصناف الغذائيّة.

استمرّ توسّع الڤايكنگ شمال وغرب أوروپا، ورغم عدم اهتمامهم بإنشاء امبراطوريّة مركزيّة لكنّهم حكموا مناطق واسعة ممّا يعرف اليوم بالمانيا وفرنسا وهولاند وبلجيكا وإنگلترا وإيطاليا وسواحل الأندلسيه (إسبانيا والبرتغال) وآيرلاند، إضافة إلى النروج والسويد والدنمارك، كما اكتشفوا آيسلاند وگرينلاند ووصلوا بمستعمراتهم حتى كندا وشرق الولايات المتحدة الأميركيّة وأسموها ڤِنلاند، كما تحالفوا مع قبائل الروس (الكييڤن رُس) في آسيا فحكموا من خلالهم مناطق واسعة من شرق أوروپا وصلت حتى حدود الخلافة العبّاسيّة وعاصمة الروم القسطنطينيّة.

شكل توضيحي لقبر ڤايكنگ

آمنت ديانة الڤايكنگ بالحياة الآخرة، وكالديانات المصرية القديمة آمن الڤايكنگ بوجوب دفن ممتلكات الميت مع جثمانه كي ترحل معه إلى الحياة الآخرة، فكانوا يدفنون حتّى قواربهم معهم، وفيها السلاح والمتاع والمجوهرات، لتكون عوناً لهم في رحلتهم إلى الجنّه بعد الدفن. لهذه الغاية أنشأ الڤايكنگ صناعة وحرفة فريدة هي صناعة قوارب الدفن، وراجت كما تنتشر اليوم صناعة التوابيت الخشبية في بلاد غرب العالم.

يسمّيهم التراث الإغريقي ڤارَگي Βάραγγοι أو ڤرنجي Væringjar وتذكرهم التدوينات الأوروپيه البلقانيه بصفة “ڤرنجيون” Várangoi، ما يدعوا للتساؤل حول ما إذا كان الفرنجه المذكورين في التراث العربي ما بين القرنين الثامن والعاشر هم الڤايكنگ أنفسهم لا الفرنسيين، حتى أحمد بن فضلان الذي زارهم على نهر الڤولگا سمّاهم في تدويناته الفرنچ لا الڤايكنگ.

امتدّ عصر الڤايكنگ الذهبي ثلاثة قرون وأصبحت لغتهم، اللّغة النورديّة القديمة (النورسيه)، هي اللّغة الأم لما يُعرف اليوم باسم اللّغات الجرمانيّة الشماليّة، وكلمة نورد تعني الشمال باللّغات الجرمانيّة. وبحلول عام 801 تمّ لهم تأسيس سلطة مركزيّة قويّة في گوتلاند في السويد. وانتشرت أساطيل الڤايكنگ تسيطر على التجارة البحريّة في بحر الشمال وغرب المتوسّط.

وبسبب اهتمامِهم بالتجارة، شجّع الڤايكنگ النموّ الحضاري، وأسّسوا العديد من المدن والبلدات، مثل يورك في إنگلترا، ودبلن في آيرلاند، وكييڤ في أُوكرانيا، ونيوفاونلاند في كندا، التي أُنشِئت جميعاً أساساً كمراكز تجاريّة دوليّة حرّة. كما عقدوا علاقات تجاريّة جيّدة مع الخلافة الفاطميّة في تونس ومصر لاحقاً.

رسم يوضّج تفاصيل بنية ومحتوى سفينة الڤايكنگ التقليدية

إنجازات الڤايكنگ البحريّة غير عاديّة. فعلى سبيل المثال، أنشأوا فهارس لمسافات الرحلات البحريّة غاية في الدقّة، لا تختلف عن قياسات الأقمار الاصطناعيّة الحديثة، حتّى في المسافات البعيدة مثل عبور المحيط الأطلسي. كما استخدموا التلسكوب قبل أن يصنع گاليليو گاليلي مقرابه بستّة قرون. واستخدموا أيضاً البوصلة الملاحيّة البصريّة، التي تقوم على تقسيم شعاع الضوء المار في قطعة من الكريستال الطبيعي، لقياس المسافات، إضافة إلى استخدامهم لأدوات ملاحيّة عربيّة وأندلسيّة.

انتهى عصر الڤايكنگ الذهبي بتوسّع الممالك المسيحيّة الأوروبيّة بداية القرن الثاني عشر، وانتهت آخر ممالك الڤايكنگ في اسكتلاند منتصف القرن الثالث عشر بتنازل أوركني (النروج) عن مملكة مان والجزر التابعة لها وجميع المستوطنات على البر الاسكتلاندي الرئيسي سنة 1266، ثمّ انتهت أوركني تحت سلطة دنمارك مسيحيّة عام 1468 لتصبح من ممتلكات المملكة المتّحدة عام 1669 في عهد الملك تشارلز الثاني.

اعتبر رجال الدين الكاثوليك تراث الڤايكنگ بمجمله هرطقة وتراث كفّار لا ينبغي تداوله ولا تعلّمه، وفرضوا عليه النسيان والإهمال والتدمير.

خريطة توسع الڤايكنگ سنة 1000

الخريطة من رسم المؤرخ إيان ملادوڤ IAN MLADJOV، الأستاذ المحاضر في جامعة بولنگ گرين ستيت BGSU الحكومية في أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية. لمقاس أكبر https://goo.gl/k3wVAF

شاركني رأيك

The short URL of the present article is: https://wp.me/pacTxK-9f