إمبراطورية نتفلكس

يقول توماس فريدمان “ليس من بلدين دخَلهما مكدونالدز إلّا خاضا حربا ضدّ بعضهما، طالما حاز كلّ منهما على مكدونالدز”. توماس فريدمان من أشهر صحفيّي نيويورك تايمز، صاحب عمود دائم وحائز على جائزة پوليتزر ثلاث مرّات.

هكذا ببساطة يعرّف فريدمان هيمنة العولمة على أركان العالم، هيمنة الاقتصاد الأقوى على الخلافات والثقافات المحليّة.

قد تكون مكدونالدز المثال الأكثر لمعاناً مع الهيمنة الأميركيّة الكاسحة على عالم اليوم، من خلال ما كان يُعرف سابقاً بالعولمة، عولمة أمِلنا منها تلاقحاً ما بين الثقافات فصارت أداة للواحد الأعلى صوتاً، يطغى على كلّ أصوات البقيّة.

اليوم، إلى جانب الكثير من العلامات التجاريّة الأميركيّة، في الاتصالات والإعلام والتجارة والنقل وحتّى التكسي، تغزوا بيوتنا جميعاً نتفلكس، هذي الخدمة التي تسحب الأجيال الشابة من التلفاز التقليدي، وتقتل الترفيه المحلّي بتسارع مذهل.

مستويات تعليم مشتركي نتفلكس
مستويات دخل مشتركي نتفلكس
أهم أسواق نتفلكس في العالم

نتفلكس لا تقتل الإعلام المحلي فقط، بل باتت مع مالكة أغلب أسهمها شركة CBS أكبر منافس في سوق الإنتاج الدرامي في العالم، تناطح كلّ شركات الإنتاج المحليّة، تموّل إنتاج المسلسلات بلغات العالم جميعاً، وتشتريها وتحتكرها، تستأجر المخرجين والممثلين والطواقم المحليّة لصالح سياسات إنتاج أميركيّة، تصيغها أرقام إحصاءات داتا نتفلكس وحدها. في الواقع ومنذ 2018 تمتلك شركة CBS استديوهات Lionsgate لإنتاج الأفلام في هوليوود.

اليوم تخدم نتفلكس أكثر من مئة وثلاثين مليون اشتراك حول العالم، نصفهم في الولايات المتحدة الأميركية، كلّ اشتراك يخدم عائلة، رقم يُتوقّع له التضاعف أربع مرات خلال السنة الحالية 2019 بسبب سياسات نتفلكس الجديدة. اليوم يدفع أغلب مشاهدي التلفاز أموالاً لأميركا، أينما كانوا حول العالم. حيث تتقاسم السوق نتفلكس بنسبة 51٪ مع أمازون پرايم 33٪ وهولو 14٪. 

Source: CNBC

سوق شهيّة، فتحت شهيّة عمالقة تجارة الكلمة العالميّة، لن تترك الساحة لنتفلكس وحدها، إذ باتت تُنافسها اليوم أمازون وآپل وچوچل من خلال يوتيوب، وحتى فيٓسبوك وضعت خطة على الطريق. كلّها شركات إعلام جديد عملاقة ليس بينها علامة واحدة غير أميركية. كلّها تنتهج نهج نتفلكس وسابقتها HBO، إنتاج خاص، احتكار الإنتاج المحلّي الأفضل، احتكار ألمع الأسماء على الساحة الدراميّة.

هكذا تتحقّق سيادة قيم ومفاهيم الدَّولة القوية والفعّالة عبر وسائل الإعلام، هذه هي العولمة التي بدأها شارل هافس في منتصف القرن التَّاسع عشر عندما أنشأ أوّل وكالة إخباريّة في فرنسا سنة 1832، منذ ذلك الوقت أصبح للإعلام دور كبير وفاعل في المُجتمعات حول العالم في كافة الميادين. صارت الكلمة بيد صانعها، وصار الرأي العام مُقاداً بيد صانع الكلمة، وباتت أهواءنا واعتقاداتنا اليوم مصاغة على طاولات اجتماعات صانع الكلمة الأقوى والأكثر انتشاراً.

نتفلكس بدأت عام 1998 من كاليفورنيا كخدمة لتأجير الأفلام على DVD من خلال البريد في السوق الأميركية، بدأها ريد هاستينگز (المدير التنفيذي الحالي) مع مارك راندولف. صارت تحقّق اليوم أرباحاً سنوية تصل إلى عشرين مليار دولار، توظف مئات فرق الإنتاج حول العالم، وتنافس أعتى الشبكات الإعلاميّة الترفيهيّة. بات حلم المخرج في أيّ مكان من كوكبنا أن تستأجره نتفلكس.

ريد هاستينگز Reed Hastings كان ومنذ 1991 مالكاً لشركة تدقيق برمجيات اسمها Pure Atria. في الواقع أسّس هاستينگز شركة پيور لخدمات تدقيق وحدات يونكس كشركة خاصة سنة 1991 ثمّ حوّلها شركة عامة سنة 1995 ثمّ اندمجت بشركة أتريا في العام التالي 96 لتشتريها في العام التالي 1997 شركة Rational Software ما أعطى ريد هاستينگز رأس مال كافِ لتأسيس نتفلكس.

مارك راندولف Marc Bernays Randolph مستثمر أميركي نشأ في بريطانيا، سنة 1987 كان قد موّل تأسيس شركة MicroWarehouse لتفصيل الكمبيوتر الشخصي حسب الطلب وشحنه بالبريد في بريطانيا، لاحقاً بات لهذه الشركة أفرع في 13 بلد ليبيعها راندولف في أميركا مقابل 700 مليون دولار. وليتفرّغ لتأسيس نتفلكس جرياً على خطى شركة أمازون وتقليداً لنجاحها، فمنح الشركة اسمها وصمّم أدواتها وأدارها، ثمّ بدأ بتحويلها لشركة عامّة سنة 2000 ليترك العمل فيها بعد عامين بعد أن كان قد تنازل عن منصب المدير التنفيذي لريد هاستينگز سنة 1999 ثمّ تقاعد سنة 2004. اليوم وبعمر الستّين يتجوّل راندولف حول العالم ليتحدّث عن تجربته مع نتفلكس وينصح الشركات الوليدة والستارتأپس.

شركة نتفلكس بدأت ببيع أسهمها للعامة سنة 2002 مع بيع 5 ونصف مليون سهم، ثمّ سنة 2005 امتلكت نتفلكس حقوق عرض 35 ألف فيلم وكانت ترسل لمشتركيها عبر البريد مليون DVD كلّ يوم. وباتت بهويّتها العامّة تحصل على حماية حكومية أميركية مع تغطية سميكة لمالكي أسهمها.

تحوّ مشتركي نتفلكس من الأجهزة المحمولة إلى الشاشات الكبيرة خلال ست أشهر
Source: Netflix via Recode

قريباً سنرى أغلب شركات الإنتاج الإعلامي المحليّة وقد صارت تعمل لمصلحة علامات أميركيّة، أبرزها نتفلكس، لتضمحلّ مع الوقت كلّ آليّات ودوائر الإنتاج القديمة التي اعتدناها منذ الستينيات، ولتضمحلّ أفكار وتجارب صانعي الإعلام الترفيهي لصالح الـBigData والماس پرودكشن.

شارك بالمناقشة