الكبّه، الطبق السوري الوطني

الكبة، الطبق السوري الوطني

حتى اليوم لم يزل يفاجئني أناس يعتقدون أنّ أصل الكبّه، هذه الأكله العظيمه، تركي. ورغم أنّني من أصل تركي لكنّني أشعرها إهانة بحقّ الكبّه. فما علاقة الترك في وسط آسيا بواحدة من أكثر الأكلات السوريه عراقه؟ ذات الأصل الواضح باسمها.

الكبّه أكلة سوريّه قديمة يتجاوز عمرها 3000 سنة، ومعنى اسمها ببساطة ”مكوّرة“، أو ”كبتوله“. فعل ”الكبكبه“ كذلك موجود في كلماتنا السوريه المعاصرة من مصدره الآرامي، وموجود في العربية القديمة بصيغة ”كُب“، ومنه اسم الكبّه التي نأكلها، واسم ”الكبكوبه“ التي تجمع خيوط الصوف، وكذلك اسم ”الكبّايه“ التي نشرب فيها الماء.

كان اسم الكبّه باللّغة البابلية ”قيمو خشلو“ ومعناه القمح المجروش. وجاء في تدوينات أخبار الإمبراطور الأسوري الأوّل ”أشُّر ناسير پال“ (أشور الموصى من بعل) الذي أخضع فينيقيا، أنّه بعد أن أكمل بناء قصره على ربوة النمرود (كالح) سنة 879 ق.ك قدّم الأنواع المختلفة من الأطعمة السوريه والفواكه لضيوفه وذكر من بين الأطعمة ”گُبيباته“.

اليوم، تنتشر الكبّه كأكله شهيرة في سوريا ولبنان وفلسطين وإسرائيل والأردن والعراق وتركيا والعراق وأرمينيا وأذربيجان وإيران، وكذلك في قبرص والبرازيل والأرجنتين وبعض دول أميركا الجنوبية الأخرى. في أوروپا نكتب اسمها kibbe وkubbeh وفي الأرجنتين quipe وفي البرازيل kibe، وفي قبرص kouba، أمّا في تركيا فاسمها إچلي كُفته içli köfte.

أكثر المهتمّين في العالم بالكبّه هم أهل مدينة حلب وجبل سمعان، موطن الكبّه الأصلي. وفي حلب وحدها أكثر من 70 صنف لوصفات الكبّه، أمّا الكبّه المقليّة المنتشره في مطاعم وجبات الشارع فقد انطلقت من مدينة نابلس الفلسطينية، ولم يزل اسمها المتداول شعبياً هو الكبّه النابلسيّه.

الكبّه من المازات وأساس اختراعها هو توفير أكلة مغذّية وسهلة الحمل والنقل كرمى الحفلات التي ليس فيها موائد، اليوم نسمّيها حفلات البوفيه إذ أن الكبّه أساساً من مطبخ الكيترينگ السوري. فيما بعد تطوّرت الكبّه لمنتج تجاريّ سهل البيع والتعليب.

سابقاً كانت عجينة الكبّة تُحضّر بدقّ اللّحم والبرغل في جرن حجري كبير إلى أن تنهرس كالمرهم، وما زلت أذكر جرن الكبة من طفولتي إذ كنّا نلعب حواليه في جنينة بيت جدّي بينما كان خالياً من دقّ جدّتي للكبّة فيه، جرن “ما بينزاح إلا بزلزال” من وزنه الهائل. اليوم صارت تُطحن عجينة الكبّه في الآلات المعدنيّه.

لمّا كانت حلب العاصمة الآرامية تتنقّل بين أيدي الآسّوريّين والبابليّين والأخمينيّين، قدّم أهلها لقصور المنطقة وعزوماتهم أكلة الكبّه، وتطوّرت هذي الأكلة مع الوقت لتصبح أكثر الأكلات الشعبيّة انتشاراً في أسواق منطقة المشرق، بمنافسة مع الفلافل والمشاوي، وطوال مئات السنين.

اليوم، بعد أكثر من 30 قرن على اختراعها؛ لم تزل الكبّة بمكانتها غالية وعزيزة على قلوب السوريّين. ورغم انتشارها كأكلة شعبيّة لكن احتفظ لها السوريّ بمكانة خاصّة وبقيت من الأكلات المدلّلة في مطابخنا.

ومع هذي المكانة الكبيرة للكبّه، وامتيازها بشكل متفوّق التقنيّة لتقديم قيمة غذائية كبيرة، محمولة وسهلة الأكل والنقل والتخزين، لكن مع ذلك ما بارزنا فيها مطابخ العالم التجاريّة، وما قدّمناها كما يجب لتصبح عالميّه.

الشاورما، الكباب، البرگر، السوشي، الپيتزا، الپاستا، التاكو، الفلافل والحمّص، كلّها أكلات وجدت طريقها إلى العالميّة وصارت أهمّ أكلات الشارع الرئيسيّه، بسبب تخصّص محلّات بتقديمها حول العالم، وبسبب هندسة نظم هذه المحلّات بشكل يلائم فترة استراحة غداء الموظفين؛ ومن خلال تطوير وجبة سريعة “ع الماشي“ مع طاقة عاليّة في محتواها.

الكبّة بأنواعها، عاديّة ونباتيّة، تحمل ميّزات تتفوّق على كتير من ميزات أكلات شارع القائمة الشعبيّة، بالإضافة لسهولة أكلها على الماشي.

داريا في غوطة دمشق الغربيّة، كانت واحدة من المناطق القليلة التي وعت لهذا التفوّق التقنيّ للكبّه، وكواحدة من أهمّ مناطق دمشق التجاريّة؛ كان فيها محلّات لا تعمل إلا في الكبّه، وتقدّمها بالحبّه وللعزيمه على السواء. بينما استمرّت مطابخ المناطق التجاريّة وسط دمشق بتقديم الكبّة النابلسيه واللّبنيّه دون تخصّص.

أعتقد أنّ افتتاح السوريّين لمحلّات متخصّصة بالكبّه، سواء الحلبيّه أو الدمشقيه أو النابلسيّه، وتأسيسها في المناطق التجاريّة من المدن الألمانيّة والأوروپية، سيرفع الكبّه بسرعة لموقع منافس في سوق أكلات الشارع، وسيخلق سوقاً مهماً وميداناً للسوريّين، بعيدٌ عن ضغوط الشركات الكبيرة والمافيات.

وعلى الصعيد المنزلي، لم نزل بحاجة لآلات تسهّل تحضير الكبّه وتقصّر الزمن الضائع فيه، بحيث تصبح من أسهل الوجبات تحضيراً وأسرعها، أسوة بانتشار آلات طهي الوجبات الغربيه والآسيويه المتنوّعة.

الكبّه تستاهل منّا توجيبها وتقديمها بالشكل الصحيح، وبالمقابل ستقدّم لنا سوقاً مهمّه وفرص عمالة نخلقها بأنفسها، لأنفسنا. على نفس مستوى مطاعم الكباب، ومطاعم الشاورما، ومطاعم الفلافل حول العالم.