پروپگندا سقوط الأندلس

يكذب المؤرّخون باستمرار. على طرفي قضية الأندلس يستثمر المسيحيون قضية الأندلس لشيطنة المسلمين وإبعادهم عن أوروبا وأميركا، بينما يستثمر المسلمون حول العالم ذات القضية تحريضاً على الدول المسيحية ومسيحييها.
تفاصيل الوقائع تُظهر أنّ حرباً اندلعت بين مواطني بلد واحد، تدخّلت فيها قوى إقليمية ودولية حتى تركت آثاراً، ليس لأطراف نزاعها الأصلي وجود على الساحة السياسية اليوم.

في نهاية عهد الدولة الأموية في إيبريا (الأندلس)، التي عُرفت رسمياً باسم “خلافة قرطبة”، احتكر الأمازيغ السلطة تحت التاج الأموي وأبعدوا العرب والعجم إلى مرتبة مواطنة من الدرجة الثانية فما عاد لهم دور في إدارة البلد ولا إقطاعاتها. العجم هم المستعربيّة من أبناء إيبريا المسيحيّين والمسلمين السلت واللاتين. 

مع تفاقم الحكم العنصري وفقدان بني أميّة لأي نفوذ حقيقي في البلد، قاد الوزير القرطبي “أبو الحزم جهور” انقلاباً سياسياً بدعم من الطبقة السوريّة في البلاد، تحوّل الانقلاب ثورة استمرّت خمس سنوات ثمّ أسقط الملكية وأعلن الجمهورية باسم “دولة قرطبة” سنة 1031 فانتهت بالتالي خلافة قرطبة الإسلامية. دامت الجمهورية حتى وفاة أبو الحزم سنة 1043 وزّع خلالها أموال الأمراء على التجار لاستثمارها في اقتصاد البلد، وأغلق القصور الملكية وأجلى الأمويّين عن قرطبة، وشكّل فصائل مسلّحة من المدنيّين لحماية المدن من هجمات الفصائل الأمازيغية.

لكن، في الواقع، رفض إقطاعيّوا البلد إسقاط المَلكيّة فأعلنت كلّ مقاطعة معارضتها للانقلاب وخرجت بالاستقلال بأمير من بني أمية عليها، فنشأت ممالك الطوائف خلال عقد الثلاثينيّات من القرن 11 وتكاثرت حتى بلغت 22 دولة ترفض الاتحاد، تتناحر فيما بينها وتتحالف مع الممالك المسيحيّة للحفاظ على استقلالها. هنا كانت البداية الحقيقية لما يُعرف بـ”سقوط الأندلس” تحت رحمه ليون وقشتاله وأراگون. 

انتهت مرحلة ملوك الطوائف بسقوط طليطله بيد ألفونسو السادس سنة 1085 وتوغّلت القوّات القشتالية في العمق الإيبيري جنوباً نتيجة تحالف مع “المعتمد بن عبّاد” ملك إشبيليّه، ما دفع دولة المرابطين لإرسال قوات مغربيّة أوقفت الزحف القشتالي في العام التالي وانتصرت في معركة “الزلاقة” على الحدود الپرتغالية-الإسپانية اليوم. في الواقع كانت القوّات المغربية قد دخلت إيبريا سنة 1086 نتيجة استجداء ملوك الطوائف بعد اتفاقهم على ضرورة الاستعانة بجيوش المرابطين.

كانت طليطله “المأمون بن ذي النون” قد طلبت حماية قشتاله “فرناندو الأول” خوفاً من قوّات قرطبة وإشبيليه، فانتشرت القوّات القشتاليه في طليطلة ثمّ خلعت المأمون بعد أن تمكّنت، نتيجة اتفاق سرّي مع إشبيليه، واتّخذت من مدينة طليطلة عاصمة جديدة لقشتاله. لاحقاً ومع خوف “المعتمد بن عبّاد” من تكرار كارثة طليطلة ذاتها في إشبيليه، قبل بنصائح سرقسطة وطلب تدخّل قوّات المرابطين المغربية في مواجهة ألفونسو السادس، بناء على مقرّرات مؤتمر قرطبة سنة 1082.

عقب معركة “الزلاقة” فوراً قامت قوّات ملوك الطوائف بإعدام نحو أربعين ألف من المسيحيّين، مجزرة استثمرها لاحقاً وطوال قرون ملوك قشتاله لتبرير كلّ أشكال العنف والاضطهاد في وجه مسلمي إيبريا، فصارت مجزرة الزلاقة Zalaca بالإسبانية Sagrajas عنوان خطابات ضرورة إبعاد المسلمين عن كل أشكال السلطة في البلاد. وحيث أنّ قشتالة وأراگون وطليطلة كانوا قد استعانوا بفصائل متطوّعين ومرتزقة من إيطاليا وكلّ أنحاء أوروپا المسيحيّة فقد انتشرت أخبار المجزرة بين الممالك الأوروپية داعية المسيحيّة للانتقام من كلّ مسلم على البرّ الأوروپي.

الرسم، تجسيد لمعركة الزلاقة (الزلاگه) على مذبح كنيسة شنت جورج في بلدة شارقة Jérica في بلنسيه Valencia شرق إسپانيا، رسم فريق الرسام الألماني أندرياس مارشال دي شاش Marçal de Sas، بالألمانية أندرياس مارتسال دي زاكس Andrés Marzal de Sax سنة 1420. ونرى في الرسم كيف تدرّع الجنود المسيحيّون بدروع من حديد بينما قاتل المسلمون المغاربة بثياب حريريّة، حسب تصوّر “دي شاش” في القرن 15. تصوّر اللوحة الملك “المعتمد بن عبّاد” منهزماً مكسوراً على فرس خاضع أمام هجوم ملك مسيحيّ أشقر، رغم انتصار قوّات المسلمين في تلك الواقعه وانهزام القوّات المسيحية ورغم أنّ ملوك قشتالة كانوا مزيجاً من القوط والسلت بشعر داكن وعيون بنيّة. كذلك نرى المغاربة بهيئة ثياب مسيحيّين أوروپيّين من القرن 15، رغم أنّ الزلاقه كانت قد وقعت في القرن 11.

في ذات الوقت عادت ممالك الطوائف المسلمة للتقاتل فيما بينها ولعقد التحالفات مع أمراء قشتالة تغذية لصراعاتها، فعاد “يوسف بن تاشفين” من المغرب سنة 1088 ليبدأ عمليّة ضمّ ممالك الطوائف الثلاث الباقية إلى سلطة المرابطين في عملية انتهت سنة 1091 بالاعتراف باستقلال “طائفة سرقسطة”، التي سقطت بدورها تحت مُلك المرابطين أخيراً سنة 1109 عقب اتفاق تحالف وقّعته سرقسطه مع أراگون.

خريطة إيبريا السياسية سنة 1094:
البرتقالي ممالك مسيحية.
البنفسجي تحت سلطة المرابطين المغاربة.
البيج مملكة سرقسطة الإسلامية.

كان المرابطون قد بنوا امبراطورية مغربية في شمال غرب أفريقيا من خلال توحيد الممالك الأفريقية، كفعلتهم في إيبريا، نجاحهم بتوحيد المغرب كان دافعاً وعن قناعة لإنهاء الممالك الأندلسية توحيداً للأندلس ومعتقدين بأنه السبيل الوحيد لتحقيق راحة مواطنيه.

بعد انتصار “الزلاقه” عرفت الحدود السياسية في إيبريا استقراراً نسبياً، استمرّ طيلة حياة دولة المرابطين، وكذلك خلال فترة حكم الخلافة الموحّدة الأمازيغية للمغرب والأندلس، هكذا حتى معركة “حصن العقاب” سنة 1212 التي فشلت فيها قوات الموحدين في صدّ حملة صليبيّة أعلنها بابا روما انتقاماً لمجزرة “الزلاقة” سابقة الذكر، بعد 127 سنة من وقوعها.

لم تقف هزيمة “حصن العقاب” على إعادة حملات تنصير إيبريا وحسب، بل وأدّت نتائجها إلى انفراط الخلافة الموحّدة ذاتها غارقة بثورات محليّة واستقلالات فرّقت دول المغرب الأفريقية وآلت بالأمور أخيراً إلى المرينيّين الأمازيغ سنة 1269، مروراً بفترات راديكاليّة في الأندلس سعت فيها السلطات الإسلامية لتطهير البلاد من المسيحيّين ردّاً على تطهير قشتالة وأراگون من المسلمين واليهود، وصارت مظاهر التشدّد الإسلامي هي الظاهرة الأكثر وضوحاً لشوارع الأندلس، وصار الجهاد الإسلامي شعاراً للدولة المرينية.

مع كلّ تقلّبات السياسة في تاريخ المسلمين في إيبريا، تقف في ذهني واقعة “الزلاقه” والمجزرة التي أعقبت المعركة. كانت القوّات الإسلامية قد انتصرت وفرص الاتفاقات وتثبيت الحدود السياسية صارت مفتوحة على وقع هزيمة قشتاله وأراگون والفصائل الأوروپية معها، فلم المجزرة؟ لماذا منحت السلطات الإسلامية للمسيحيّين حجّة؟ لطالما جمعت الأوروپيّين تالياً لصدّ الإٍسلام في أوروپا، وأحرجت حتّى الدول الأوروپية المسيحيّة التي كانت على علاقات طيّبة مع دول عربية وتركية مسلمة.