عن تفكيك وتركيب الثقافة العربية: هل يتحقق حلم برهان بخاري؟

من المؤكّد أنّ بعض الجهات الأمنية – العسكرية في أوروبا (وسوريا) اعتبرت مشروع الترجمة الآلية الفورية بين لغات الأرض مهمّاً جداً، وكذلك من المؤكّد أنّ شركات اعتبرته مشروعاً مجزياً كثيراً. من جامعة الكويت إلى جامعة أكسفورد، ومن السلطات الدينية السعودية إلى مؤسسة آل البيت الشيعية، ومن پاتريك سيل ورنا قباني إلى الملياردير وفيق السعيد.

لكنّ مشروع الترجمة الآلية كان مقدّمة لاكتشاف ضرورة رقمنة التدوينات الثقافية العربية وتفكيكها وإعادة تركيبها بشكل علمي، وهو أمر لم ينجز بعد. بانتظار النخب العربية.

ها هنا مقالة للأستاذ حسام الدين محمد عن حلم برهان بخاري الذي لم يتحقق. يمكن هنا قراءة المقالة المنشورة على المصدر.

عن تفكيك وتركيب الثقافة العربية: هل يتحقق حلم برهان بخاري؟

في ثمانينيات الماضي، وقبل أن تفكّر شركة غوغل العملاقة أو غيرها بتنفيذ مشاريع الترجمة الفورية بين لغات العالم، حاول عالم سوري (من أصول أوزبكيّة) يدعى برهان بخاري وحده حلّ هذه المعضلة اللغوية باختراع آلة للترجمة بين كل اللغات.

برهان بخاري

فكرة بخاري كانت إيجاد لغة رياضية وسيطة (أطلق عليها اسم اللغة العليا Superlingua)، ولأن هذا يحتاج تفكيك وتركيب اللغات فقد اكتشف أن اللغة العربية، وهي اللغة المركزية في برنامجه، أبعد ما تكون عن عملية التفكيك والتركيب، وأنها بحاجة لإعادة ترتيب على ضوء قوانين علمية، منها علم الدلالة الذي يعطي المفردة بعدها التاريخي ويرصد تطور دلالاتها عبر الزمن.

اكتشف بخاري أن الغنى الذي اكتسبته اللغة العربية على مر الزمن هو خارج المعاجم الموجودة، فإذا أراد ترجمة كلمة قطع إلى اللغات الأخرى فإن معاجم اللغة العربية ستتجاهل المعاني الجديدة للكلمة مثل: وقت مستقطع، قطع نادر، راتب مقطوع، كتاب من القطع الكبير، كلمات متقاطعة الخ… كما أن ترجمة كلمة انكليزية مثل Fresh تطرح صعوبات على المعاجم ما لم تضع في حسبانها معاني كثيرة: بيضة أو خضرة طازجة أو طعام طازج، ماء عذب، وردة يانعة، هواء طلق، بشرة بضة، دهان طري، ملابس جديدة.

اكتشف بخاري أنه لن يستطيع إعادة بناء اللغة العربية إلا إذا استطاع تحديد عمر ألفاظها، ومن استخدمها، ومن ثم معرفة نسب المتكلم أو المتكلمين بها من خلال دورهم في حياة من عاصروهم، وهو ما يعني «إعادة بناء التراثين العربي والإسلامي»، فلو أراد تحويل كتاب مثل «الأغاني» إلى معطى رقمي Data فهو يحتاج لتفكيكه بشكل يصحح الأخطاء في الأسماء ويقوم بترتيبها بنظام موحد (البحتري + الوليد بن عبادة على سبيل المثال)، وإضافة كل المعلومات التي تخص الشخص مثل ولادته، وفاته، شجرة عائلته، واعتماد نظام موحّد ودقيق وشامل يمكن استخدامه في كل صنوف التدوين.

قادت هذه العملية الباحث إلى اكتشاف أخطاء كبيرة في كتب الأنساب والأدب واللغة والتاريخ، وكذلك إلى كشف انحيازات معرفية وسياسية، فقد اكتشف مثلا أن أغلب الشخصيات التي اختارتها «الموسوعة العربية الميسرة»، والتي أصدرتها مؤسسة فرانكلين الأمريكية وأعدها عشرات من الأخصائيين العرب، كانت من مصر، وأن الموسوعة أفردت ثلث مساحتها للعثمانيين فيما قامت موسوعة الأعلام لخير الدين الزركلي بتجاهلهم كليا.

اكتشف بخاري أنه لن يستطيع إعادة بناء اللّغة العربية إلا إذا استطاع تحديد عمر ألفاظها، ومن استخدمها، ومن ثم معرفة نسب المتكلّم أو المتكلّمين بها من خلال دورهم في حياة من عاصروهم.

اكتشف الباحث عدم توفّر بيبليوغرافيا متطورة للكتاب التراثي العربي، كما كشف انقطاع التواصل بين الباحثين العرب بحيث يقوم محقّق بتحقيق كتاب «المقنّع» قائلا إن كتب الإعلام لم تذكر مؤلفه رغم أن مؤلفه معروف وأن الكتاب محقق ومطبوع، أو أن يقوم ثلاثة محقّقين عرب بتحقيق كتاب «جمهرة النسب» للكلبي رغم أنّ مستشرقا ألمانيا كان قد سبقهم بتحقيقه وأضاف عليه مشجّرات مبتكرة انتشرت لاحقا واستخدمها واحد من هؤلاء المحققين أنفسهم من دون نسبتها للمستشرق إضافة إلى ارتكاب عدة أخطاء بسبب النقل من اللاتيني أو من اليسار إلى اليمين.

للمساعدة في ضبط التواريخ ابتكر بخاري قانونا للأنساب يعتبر وسطيّ الجيل الواحد 33 سنة تقريبا متمكّنا بهذا الحساب من تحديد أنساب شخصيات عربية وإسلامية، فوجد مثلا أن الرسول محمد وأترابه من العدنانيين مثل أبي بكر وخالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف الخ… هم من الجيل الثاني والعشرين لعدنان على اختلاف أعمدة نسبهم، وأن عدنان هو الحفيد العاشر لقحطان، كما تمكّن من تحديد دقيق لفترات شعراء ضاربين في عمق الجاهلية واصلا إلى عام 450 قبل الهجرة النبوية.

لتحقيق المطلوب، أي تفكيك وإعادة بناء الثقافة العربية، كان على الباحث بناء كتلة مركزية من المعلوماتية المتطورة تضم التراجم وبيبليوغرافيا الكتاب العربي والوفيات والأحداث التاريخية والمعارك والأنساب والأطالس والقرآن والحديث والشعراء والنصوص النثرية والمعاجم، وأخيرا إصدار معجم تاريخي للغة العربية على أن تنتظم هذه الكتلة الضخمة من المعطيات ضمن مكتبة رقمية تستطيع البرامج الحاسبية معالجة مواضيعها بطرق سريعة ودقيقة.

كان واضحا أن ذلك المشروع الكبير يحتاج مؤسسات كبرى تقوم بدعمه لأهميته وفائدته العظيمة وانعكاساته الممكنة على الثقافة العربية (وبالتالي على السياسة والاجتماع)، وقد لقي جزء من هذا المشروع، الخاص برقمنة الشعر العربي، اهتماما من «المجمع الثقافي في أبو ظبي»، وقام بخاري بتسليم القسم الأول والثاني من المشروع عامي 1997و 1998 قبل أن يتوقف التعاون مع المؤسسة الإماراتية «بسبب اختلاف في الرؤى وإغفال المجمّع ذكر بخاري باعتباره صاحب المشروع»، وهو شكل من أشكال الاعتداء على حقوق الباحث الأدبية الذي تم الاعتذار عنه فيما بعد ولكن من دون وضع اسمه على أي من الإصدارات اللاحقة لـ«موسوعة الشعر العربي».

لم يكن مشروع موسوعة الحديث الشريف بأسعد حظّاً بكثير فبعد نشر الجزء الأول منها، الذي يحتوي الأساس النظري ومنهج التنفيذ تعرّض المشروع لانتقادات حادّة من قبل المؤسّسة الدينية في المملكة العربية السعودية مما أدى إلى تراجع الممولّين للمشروع ممّا كبّد بخاري خسائر مادية فادحة واضطر لإرجاع المبالغ المالية التي تسلّمها لتنفيذ المشروع على سنوات طويلة من ميراثه الخاص.

أنجز بخاري أيضا النموذج الأول الناجح من مشروع الألسنية الحاسبية لجعل الكمبيوتر قادرا على نطق كافة لغات العالم عن طريق صنع لوحة مفاتيح قادرة على تنشيط اللّغات وتحويلها لأصوات بالتعاون مع شركة «مونوتايب» البريطانية لكن تنافس جهات رسمية على التدخل في المشروع دفع بخاري لمغادرة لندن، وبعدها ألمانيا، وتوقف التعاون مع الشركة، وتلت ذلك قطيعة دبلوماسية بين بريطانيا وسوريا إثر نشوب أزمة تفجير طائرة في لندن واتهام الحكومة البريطانية للمخابرات السورية بذلك.

تمكّن بخاري إذن، وقبل وفاته عام 2010، من إنجاز أجزاء من مشروعه الكبير، وكان للمشروع الكبير لو تحقق في ذلك الوقت المبكر أن يساهم في وعي الثقافة العربية – الإسلامية لنفسها بشكل علمي، كما كان سيؤدّي، كمشروع تجاري، إلى تسهيل حياة البشر، قبل وقت طويل جدا من مترجم غوغل وإلى مصالح تنشأ عنه وأرباح هائلة لصاحبه ولبلاده وللشركات التي ستنجزه.

رغم التطوّر التكنولوجي الهائل في العالم ولكنّ بعضاً من تطبيقات الحاسب الألسني ما زال مفيدا ويمكن الاستثمار فيه، أما رقمنة المدوّنة الحضارية العربية لتفكيكها وإعادة تركيبها على أسس علمية فما زالت تنتظر.

قام أشخاص كثيرون بالانخراط في المشروع ودعمه، بينهم كتّاب وإعلاميون ورجال أعمال وشركات تجارية، كما قامت جهات علمية وتجارية وسياسية بمحاولة تجييره لحسابها أو الاستفادة من ميزاته، وضمن هذا الخط الكبير من الداعمين والراغبين في الاستفادة يمكن إدراج جامعة الكويت، حيث بدأ تفكير الباحث بالمشروع في سبعينيات القرن الماضي، والمجمّع الثقافي في أبو ظبي الذي بدأ بتنفيذ جزء منه في الثمانينيات، والسعودية التي أجهضت مشروع موسوعة الحديث الشريف، ومؤسّسة آل البيت في لندن التي ساهمت بإنتاج موسوعة للأحاديث الشيعية، وهناك بالتأكيد الجهات الرسمية السورية التي رأت في بخاري نوعاً من كنز علي بابا فحاولت الاستفادة منه، وهناك شركات كبرى كموناتايب البريطانية وسيمنز الألمانية وغيرها التي حاولت تنفيذه، وجامعات غربية اطلعت عليه كأكسفورد البريطانية، وجهات عسكرية وسياسية غربية اهتمّت به وحاولت، بدورها، الاطلاع عليه والاستفادة منه.

خضع المشروع، ضمن هذا السياق، لتجاذبات سياسية وأكاديمية وتجارية كبرى، وكانت جنسية الباحث العربية وجذوره الإسلامية، على ما يظهر، من القضايا التي ساهمت في تلك التجاذبات المميتة، وأدت في النهاية، رغم دأب بخاري الأسطوري وإصراره الرائع، إلى توقّف تلك الخطوة الكبيرة قبل تحقيقها الانجازات الكبرى المتوقعة منها.

يبقى القول إنّ المشروع الأساسي لبخاري هو رقمنة المدوّنة العربية بقصد تفكيكها وإعادة تركيبها بعد ضبط علميّ للمعلومات التاريخية الواردة فيها، وهو، في اعتقادي، مشروع مطروح على النخب والمؤسّسات العربية، ورغم أن إنجازه سيستغرق سنوات طوالا (وربما جيلا كاملا)، فإن التطوّرات الكبرى في تقنية المعلومات، والذكاء الاصطناعي، واهتمام بعض الدول العربيّة بهذه المشاريع، قد يوفّر البنية التحتيّة اللازمة لإكماله، وبذلك نكافئ بخاري على ريادته ورؤياه العظيمة.

حسام الدين محمد: كاتب من أسرة «القدس العربي»

شارك بالمناقشة