إمارة صقليه العربيه

خريطة إماره صقليه العربيه

المعكرونة هي أحد فنون الطبخ السورية التي هجرت وطنها واستقرّت في إيطاليا بينما نسيها أهلها ولقرون، لكن اليوم المعكرونة هي من أهم الأغذية السورية التي تعثر عليها في كلّ بيت سوري حول العالم بلا استثناء.

سنة 826 انقلب قائد الأسطول البيزنطي الإدميرال فيمي Euphemius على حكومته لأسباب عاطفية واستقلّ عن الامبراطورية البيزنطية بجزيرة صقليه، ثم أسّس لنفسه مملكة صقليه، سريعاً انهزم فيمي نتيجة خلافات داخليه بين فصائل الثورة فلجأ دبلوماسياً إلى تونس (إمارة أفريقيا الإسلامية) وعرض على الأغالبه التبعية الصقليّه لتونس مقابل دعمه للإستقلال بالجزيرة عن البيزنط. نشر الأغالبه إعلاناً لتهيئه جيوش “فتح الأراضي الإيطالية” واستقطاب المجاهدين، وجمعوا فصائل عسكرية من العرب والأمازيغ والعجم (الأندلسيّين) والكريت والخوراسانيّين الفرس، وعيّنوا على رأس الجيش أسد بن الفرات.

أسد بن الفرات قاضي القيروان ولد سنة 759 في العراق، أهله من حرّان قرب ديار بكر وأصلهم من نيسابور، كان أبوه جندياً في الجيش الأموي واستقرّ بسببه في القيروان، أكمل دراساته العليا في الحجاز والعراق ومصر ثمّ عاد ليستلم القضاء في القيروان قبل أن يكلّفه زيادة الله بن إبراهيم أحد ملوك الأغالبة بقيادة جيش فيمي سنة 827، توفي في العام التالي بالطاعون أثناء حصار سرقوسه (سيراكوز) عاصمة صقليه الروميه.

توفى فيمي سنة 830 وأعلن الأغالبة تأسيس إمارة صقليه الإسلامية تابعة اتحادياً لإمارة أفريقيا الأغالبية، كانت الإمارة على برّ صقليه والجنوب الإيطالي ومالطه ‪وسردانيه (سردينيا) وكورسيكا‬، سنة 909 انتقلت إمارة صقليه للحكم الفاطمي ولاحقاً استقلّت كدولة أوروبية مسلمة سنة 948 ثمّ كإمارة عربية أوروبيه تحت حكم الكلبيّين من سنة 1044.

سنة 1091 استولى النورمان المسيحيّين (ألمان شمال فرنسا) على صقليه ومالطه والجزر المتوسطية بالإضافة لهطاي وإدلب السوريات، انتهى الحكم الإسلامي لصقليه وجزر المتوسط، لكن حافظ النورمان على عروبة الجزيرة بدون تغيير. في الواقع دخل النورمان الجزيرة انتصاراً لطائفة إسلامية على طائفة أخرى، ودخلوها مرتزقة بدون قصد الفتح، ثمّ دعموا المسيحيين على حساب المسلمين، لكنّهم كانوا من المعجبين بالثقافة العربية لجزيرة صقليه. خلال حياة الخلافة الفاطمية كان النورمان من أقرب أصدقاء وحلفاء الفاطميّين على البحر.

المهم في الموضوع، خلال فترة الأغالبة استعربت الجزيرة بالكامل، وتحوّل أهلها الأرثذكس إلى الإسلام العبّاسي ولقّبهم العرب بالعجم، وخلال فترة الحكم الفاطمي انتشرت الأزمات الطائفية بين سنة وشيعة البلد فهجرها نسبة من السكان، لكن بعد الفاطميّين تحوّلت صقليه إلى بلد مفتوح، شديد الثراء وبدون تأثير من أيّ مرجعية دينية خارجية، بالتالي كانت صقليه وخلال القرن العاشر ملجأ لمئات آلاف العائلات العربية والسريانية، المسلمة والمسيحية، خصوصاً من سوريا نتيجة الحروب الصليبية على الساحل السوري، وحمل هؤلاء اللاجئين معهم تراثهم ومأكولاتهم إلى صقليه.

نقل العرب إلى صقليه زراعات البرتقال واللّيمون والفستق الحلبي وقصب السكر والقطن وشجرة التوت الشامي والنخيل والبطيخ الأحمر والبطيخ الأصفر، وأدخلوا صناعة الحرير مشجّعين على رعاية دودة القزّ، ونشروا نظام الري باستخدام النواعير وأقاموا صناعتها، وكذلك صنعة الجزارة (مهنة الجزّار). وكان أهمّ ما انتقل مع العرب لصقليه وبالأخص العرب المسيحيّين هي صنعة صناعة المعكرونة، هذه الصناعة التي بقيت إلى يومنا وصارت من أهمّ الصناعات الغذائية في نصف العالم الغربي.

خلال القرن الخامس طوّر العرب الرُحّل تقنيةً لتجفيف العجين المصنوع من السميد بشكل خيوط شعريّة، وسمّوها الشعريّة، وكذلك انتشر لها اسم ثان بين السريان هو إطريه بمعنى الطريه itrion-iṭriyah وهو ما انتقل للإغريق والرومان، صناعة الشعرية هذه تحوّلت صنعة وتجارة واسعة في سوريا خلال القرن التاسع، وانتقلت لاحقاً مع السوريّين المهاجرين إلى صقليه خلال القرن العاشر. وبعد نزول الجزيرة تحت حكم الممالك الإيطالية خلال القرن 14 انتشرت صنعة الشعريّة في عموم الجنوب الإيطالي باسم ڤيرميچيلّي “شعر الملاك” Vermicelli ووُلدت صناعة الپاستا التي نعرفها اليوم.

أمّا على البرّ السوري ومع فرنسة الساحل السوري تحت حكم الإمارات الصليبية من جهة، ومع انتشار الحرف والصناعات الغذائية التركية تحت الحكم السلجوقي وتوابعه كالبرك بأنواعها، اختفت صنعة الـ”شعريّه” والـ”طريّه” رويداً رويداً وما عاد عرفها الناس بالعموم سوى بانتشارها في أرياف الساحل السوري باسم “المقطّعه”، هكذا إلى أن عادت مستوردة من إيطاليا نهاية الفترة العثمانية.

طبق شيشَري إ تريه Ciceri E Tria بشكله التقليدي

الصورة هي لطبق شيشَري إ تريه Ciceri E Tria: حمّص وإطريه، وهي الوصفة العربية الأصلية في الپاستا الإيطالية الجنوبيه، إطريه هو الاسم السرياني للمعكرونه ومعناه العربي الطريّه.

لقراءة تفاصيل أكثر من تاريخ المعكرونة انقر هنا.

مؤنس بخاري، برلين

شارك بالمناقشة