مطبخ, إيطاليا, إتيمولوجي, العراق, تونس, تاريخ, خرائط

إمارة صقلية العربيّة وصناعة صناعة المعكرونة

المكرونة، المقرونة، المعكرونة هي أحد فنون الطبخ شرق المتوسّطيّة التي هجرت وطنها واستقرّت في إيطاليا في الوقت الذي نسيها فيه أهلها ولقرون عديدة. لكن، اليوم المعكرونة هي من أهمّ الأغذية الشاميّة التي تعثر عليها في كلّ بيت عراقي وسوري وفلسطيني ولبناني وأردني حول العالم بلا استثناء.

يتعامل كثير من العرب مع المعكرونة (المقرونة) والسپگيتي (زبقيتي) على أنّها أكلات أجنبيّة وليست من المطبخ العربي، ربّما بسبب الأسماء. لكنّ اسم المعكرونة آت من كلمة إيطاليّة تشبه كثيراً كلمة عربيّة، بالشكل وبالمعنى… هي كلمة كانت عامّيّة في إيطاليا، واستعملها الناس في مدينة روما ولو أنّها لم تكن من اللاتينيّة.

{مَكِّه} macche الكلمة الإيطاليّة الأصل لتسمية {مَكِّرونه} maccherone معناها الكبس والمعس، نفس المعنى تماماً الذي نجده في كلمة {معك} العربيّة، وصناعة المعكرونة تكون بمعك العجينة عبر قوالب خاصّة فتطلع بالأشكال التي نعرفها. أي أنّ كلمة maccherone معناها الحرفي {ممعوكة}. واليوم وبالإيطاليّة المعاصرة صارت كلمة مكّروني تكتب بصيغة الجمع maccaroni أو macaroni.

ومن الطبيعي جدّاً أن تكون كلمة مكروني أو معكرونة من أصل عربي طالما المعكرونة (المقرونة) نفسها من المطبخ العربي. وهي أحد أصناف معجّنات مطبخ البدو العرب كذلك، وبنت عمها لأكلة عراقيّة بابليّة كانت شهيرة بمطبخ بغداد باسم أطّريّة (يعني الطريّة) ومشهورة اليوم في سوريا زغيرها من بلاد العرب باسم الرشتة أو الرشتاية أو الرشدة.

الفرق ما بين أطّريّة و المعكرونة… أنّ صناعة أطريّة تكون بالتقطيع بالسكّين، أمّا صناعة المعكرونة فتكون بمعك العجينة بالمكبس. ومعاجم أوروپا اليوم تنكر الأصل العربي للكلمة من باب إنكار عروبة الپاستا الإيطالية كلّها. وحين تصل إلى أصل هذي الكلمة تقول لك {أصل غير معروف}! لكنّي كعربي أعرف معناها وأصلها ونسبها بوضوح.

تبدأ حكاية المعكرونة عموماً من العراق، وتبدأ حكايتها المتوسّطيّة والآسيويّة مع الديانة البابليّة. لكن، قبل الحديث في تاريخ المعكرونة، لنتحدّث قليلاً في تاريخ وصولها ووصول صناعتها إلى إيطاليا.

وجبة لاجئين

خلال حرب الـ26 عام (602-628 م) سقطت سوريا البيزنطيّة تحت الاحتلال الساساني، فنزحت عنها الكثير من العائلات العربيّة المسيحيّة على المذهب الرومي، وكان جنوب إيطاليا وجزر المتوسط أحد أهم مقاصد لجوء هؤلاء العرب بسبب خروج هذه الجُزر عن دائرة المعارك، وهي في ذات الوقت أراض بيزنطيّة داخل دولتهم. واشتغل أغلب اللاجئين بالطبخ والإطعام.

استقرّ أغلب هؤلاء النازحين في پوليا وقلّورية (كالابريها) جنوب إيطاليا بالإضافة إلى جزيرة صقلية. وأحضر اللاجئون معهم أحد أطباقهم المفضّلة آنذاك، وهو طبق {أطّريّة} المعروف اليوم في المشرق باسم الرشتة وفي المغرب باسم الرشدة (ومعناها رقائق). وصارت مهنة أغلب اللاجئين العرب في پوليا آنذاك هي طبخ طبقهم هذا وبيعه للناس في المطاعم وفي الطرقات. وانتشر في المجتمع جنوب إيطاليا لرخص ثمنه، ولذّته الرائعة. 

طبق “شيشَري إ-تريه” عباره عن رشتة مع حمّص. وتسمّى إطريّتها اليوم tagliatelle الطريّة العريضة. جزئ من التاليَتِلّه مقلي وجزئ مغلي، وتُقدم مع حمّص مسلوق وفلفل أسود، ومن تقاليد پوليا أكلها بالملعقة وليس بالشوكة. اليوم، أحد مظاهر فخر الإيطالي بمطبخه هو الپاستا، والتي لولا نزوح العرب السوريّين لإيطاليا لما عُرفت الپاستا ولا صارت إيطاليّة.

طبق شيشَري إ تريه Ciceri E Tria: حمّص وأطّريّة، وهي الوصفة العربيّة الأصليّة في الپاستا الإيطاليّة الجنوبيّة. أطّريّة هو الاسم السرياني للشعريّة ومعناه العربي الطريّة.
طبق شيشَري إ تريه Ciceri E Tria: حمّص وأطّريّة، وهي الوصفة العربيّة الأصليّة في الپاستا الإيطاليّة الجنوبيّة. أطّريّة هو الاسم السرياني للشعريّة ومعناه العربي الطريّة.

جذور بابليّة وخرافة الصين

في كتاب الطبيخ البغدادي بنسختيه من القرن العاشر ومن القرن 13 الميلادي نجد ذكر طبق من السواذج يسمّى {أطّريّة}، ويميّز الكتاب أطّريّة عن وصفة غيرها شقيقة اسمها {رِشْتَه} ويوضح أنّ الفرق ما بين أطّريّة والرشته هو أنّ الثانية عجين يعدّ طازجاً، أمّا أطّرية فعجينها منشّف جاف. وفي الواقع، هتين الطبختين هنّ من أصل بابليّ قديم، نشرتهم بابل مع ديانة عشتار القديمة، وكان من تقاليد أعيادها لا سيّما أعياد الربيع، أنّ تؤكل أطّريّة والرشته مع أصناف البقول، وكان حجيج بابل يحملون معهم ربطات أطّريّة المجفّفة وهم عائدون إلى بلادهم ليأكلونها مع أهاليهم. وهذا أساس فكرة المعكرونة المعروفة اليوم.

رشتاية بعدس
رشتاية بعدس

في معجم من القرن التاسع الميلادي يذكر المعجميّ السرياني المروي {عيسى المروزي} (يشوع مروزَيا) نوعاً من الشعريّة سمّاه {أطّريّة}، أي {الطريّة} بعربيّة اليوم، مصنوعة من السميد، وقال أنّها انتشرت محمولة بين العرب المسافرين منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وانتشرت كذلك في عموم الإمبراطوريّة البيزنطية ابتداء من القرن الخامس باسم {إتريون} itrion المحرّف عن {إطريّه} iṭriyah، الكلمة التي ذُكرت في اللاتينيّة بصيغة {إتريُم} itrium في فلسطين القرن الثاني. ونقل هذا الكلام عن المعجميّ {عيسى المروزي} طبيب {المتوكّل على الله} و{المعتمد العبّاسي}، {عيسى بن علي المتطبّب} (يشوع بار علي) وهو من تلاميذ {حنين بن إسحاق} وعاش في القرن العاشر الميلادي. 

كما وثّق {تلمود القدس} (اليروشلمي) لأكل أهل فلسطين لطبق {أطّريّة} في القرن ما بين القرنين الثالث والخامس، أشكال تشبه الخيوط مصنوعة من السميد وتجفّف قبل الطهي (3). وهو نفس الوصف الذي وقع عليه لاحقاً المعجمي {عيسى المروزي} لمأكول العرب في القرن التاسع (4). وإضافة إليها انتشرت بين بعض قبائل طيء اليهوديّة عادة صناعة وجبة للعزاء من المعكرونة المسلوقة، ولمّا رحّل الرومان اليهود عن فلسطين رحلت معهم هذه الوجبة حيث استوطنوا، خصوصاً في روما وفي تونس.

يشيع في الأوساط الأكاديميّة اليوم أنّ فكرة المعكرونة، وبالأخصّ الشعريّة، تعود إلى الصين، غير أنّ الكثير من مؤرّخي الطعام يشكّكون بهذه الرواية.

أقدم تسجيل للشعريّة في كتاب في الصين يعود إلى فترة الهان الشرقيّين 東漢 أو الهوهان 后汉 (الهان المتأخّرين) ويعود إلى القرن الثالث الميلادي. وكانت الشعريّة وفق الكتاب غذاء بارزاً لبيوت أسرة هان الشرقيّة الملكيّة. وغير هذا الذكر لا يوجد دليل آخر يثبت حضوراً قديماً للشعريّة في الصين سوى وعاء خزفي عُثر عليه سنة 2005 في موقع لاجيا 喇家 الأثري وفيه بقايا {شعريّة} عمرها حوالي 4000 سنة ومصنوعة من الدخن وليس من القمح. وشكّك باحثون في هذا التحليل وقالوا أنّه ليس من الواضح ما إذا كانت البقايا التي تمّ تحليلها هي شعريّة فعلاً أم أنّها مجرّد تشكيلات حدثت بفعل التقادم، إذ يُظهر تكوين النشاء بعد الطهي تعديلات مميزة لا تظهر في شعريّة لاجيا، ومن غير المؤكّد ما إذا كانت الحبوب الشبيهة بالنشاء من الأثر المكتشف هي نشاء لأنّها تُظهر بعض الخصائص غير النشوية (1). من جهة ثانية، لم تدخل الشعريّة اليابان قبل القرن التاسع، فلو أنّها كانت شائعة في الصين قبل هذا التاريخ بكثير لكان الأحرى أن تدخل اليابان قبل القرن التاسع بقرون كثيرة.

وعليه، فلم يزل مؤرّخو الطعام يُجمعون عموماً على أنّ أصل المعكرونة أتى من بلاد البحر الأبيض المتوسط وليس من الصين: وهو عجين متجانس من الدقيق والماء يسمى {أطّريّة} itrion كما وصفه الطبيب الإغريقي {جالينوس} Κλαύδιος Γαληνός في القرن الثاني (2).

صقلية العربيّة ونشوء صناعة المعكرونة

سنة 826 وعقب زلزلة الإمبراطوريّة البيزنطيّة في أحداث ثورة {توما الصقلّبي} انقلب قائد الأسطول البيزنطي الإدميرال {فيمي} Euphemius على حكومته لأسباب عاطفية واستقلّ عن الإمبراطوريّة بجزيرة صقلية، ثم أسّس لنفسه {مملكة صقلية}. سريعاً انهزم فيمي نتيجة خلافات داخلية بين فصائل الثورة فلجأ دبلوماسيّاً إلى تونس (إمارة أفريقيا الإسلاميّة) وعرض على الأغالبة التبعيّة الصقليّة لتونس مقابل دعمه للإستقلال بالجزيرة عن القسطنطينيّة. نشر الأغالبة إعلاناً لتهيئة جيوش {فتح الأراضي الإيطاليّة} واستقطاب المجاهدين، وجمعوا فصائل عسكرية من العرب والبربر والعجم (الأندلسيّين) والكريتيّين والخراسانيّين، وعيّنوا على رأس الجيش {أسد بن الفرات}.

{أسد بن الفرات} كان آنذاك قاضي القيروان. ولد سنة 759 في العراق، أهله من حرّان قرب ديار بكر وأصلهم من نيسابور، كان أبوه جنديّاً في الجيش الأمويّ واستقرّ بسببه في القيروان، أكمل دراساته العليا في الحجاز والعراق ومصر ثمّ عاد ليستلم القضاء في القيروان قبل أن يكلّفه {زيادة الله بن إبراهيم} أحد ملوك الأغالبة بقيادة جيش فيمي سنة 827، توفّى في العام التالي بالطاعون في أثناء حصار {سرقوسه} (سيراكوز) عاصمة صقلية الرومية.

وفعلاً، دعم الجيش العربيّ قوّات فيني وسيطر بفضلهم على صقلية كلّها، في مقابل منح {بَلَرْم} (پاليرمو) للأغالبة العرب.

توفى فيمي سنة 830 وأعلن الأغالبة في السنة التالية تأسيس إمارة صقلية الإسلاميّة في {بَلَرْم} تابعة اتحادياً لإمارة أفريقيا الأغالبيّة، ثمّ توسّعوا ففتحوا {مَسِّينَةُ} سنة 842 ثمّ {قَصْرُ يَانِه} سنة 859 ثمّ {سَرَقُوسَة} سنة 878 وهي المدينة التي بقيت فيها اللّغة العربيّة حيّة حتّى القرن 13 (5). وبحلول سنة 878 كانت الإمارة على برّ صقلية والجنوب الإيطالي ومالطة وسردانية (سردينيا) وكورسيكا، سنة 909 انتقلت إمارة صقلية للحكم الفاطمي، ولاحقاً استقلّت كدولة أوروپيّة مسلمة سنة 948 ثمّ كإمارة عربيّة أوروپية تحت حكم الكلبيّين من سنة 1044 حتّى 1094.

خارطة إمارة صقلية الثانية التي استولى عليها النورمان
خارطة إمارة صقلية الثانية التي استولى عليها النورمان

سنة 1091 استولى النورمان المسيحيّين (ألمان شمال فرنسا) على صقلية ومالطة والجزر المتوسطيّة بالإضافة لهطاي وإدلب السوريّات ومدينة تونس، انتهى الحكم الإسلامي لصقلية وجزر المتوسط، لكن حافظ النورمان على عروبة الجزيرة بدون تغيير. في الواقع دخل النورمان الجزيرة انتصاراً لطائفة إسلاميّة على طائفة إسلاميّة أخرى، ودخلوها مرتزقة بدون قصد الفتح، ثمّ دعموا المسيحيّين على حساب المسلمين، لكنّهم كانوا من المعجبين بالثقافة العربية لجزيرة صقلية. خلال حياة الخلافة الفاطمية كان النورمان من أقرب أصدقاء وحلفاء الفاطميّين على البحر.

المهم في الموضوع، خلال فترة الأغالبة استعربت الجزيرة بالكامل، وتحوّل أهلها الأرثوذكس إلى الإسلام العبّاسي ولقّبهم العرب بالعجم. وخلال فترة الحكم الفاطمي انتشرت الأزمات الطائفيّة بين سنّة وإسماعيليّة البلد فهجرها نسبة من السكّان. لكن، بعد الفاطميّين تحوّلت صقلية إلى بلد مفتوح، شديد الثراء وبدون تأثير من أيّ مرجعيّة دينيّة خارجيّة. بالتالي كانت صقلية – خلال القرنين العاشر والحادي عشر – ملجأ لمئات آلاف العائلات العربيّة لا سيّما السريانيّة، المسلمة والمسيحيّة، خصوصاً من المشرق نتيجة الحروب الصليبيّة على الساحل الشامي، وحمل هؤلاء اللاجئين معهم تراثهم ومأكولاتهم إلى صقلية.

نقل العرب المسلمين إلى صقلية زراعات البرتقال واللّيمون والفستق الحلبي وقصب السكّر والقطن وشجرة التوت الشامي والنخيل والبطّيخ الأحمر والبطّيخ الأصفر، وأدخلوا صناعة الحرير مشجّعين على رعاية دودة القزّ، ونشروا نظام الري باستخدام النواعير وأقاموا صناعتها، وكذلك صنعة الجزارة (مهنة الجزّار). وكان أهمّ ما انتقل مع العرب إلى صقلية – وبالأخص العرب المسيحيّين – هي صنعة صناعة المعكرونة، هذه الصناعة التي بقيت إلى يومنا وصارت من أهمّ الصناعات الغذائيّة في نصف العالم الغربي.

في فترة الحكم العربي لصقلية نشأت فيها صناعة المعكرونة بشكل منظّم حديث يعتمد طاقة الماء. وكانت المصانع الصقلّيّة هي أولى الصناعات التي تحوّلت بعجين المعكرونة والطريّة إلى استعمال سميد القمح القاسي (الدوروم) بديلاً الحنطة والقمح الطري. وصارت هذه الصناعة هي أحد أهمّ مصادر الدخل الوطني للإمارة، تقوم بالإنتاج على مدار 24 ساعة للتصدير إلى أغلب بقاع العالم. تماماً كما هي صناعة الپاستا الإيطاليّة اليوم. وحافظ النورمان على هذه الصناعة في فترة حكمهم للجزيرة، دون تغيير، فلمّا زارها الجغرافي الأندلسي {محمد الإدريسي القرطبي السبتي} سنة 1154 وكانت تحت حكم روجر الثاني، كتب في وصف {بَلَرْم}: {وبجانبها الغربي محلّ يعرف بالتربيعة وهو من المنازه البديعة وبه مياه جارية وعليه كثير من الأرحاء ولها بادية ورباع واسعة ويصنع بها من الأطرية ما يتجهّز به إلى كلّ الآفاق من جميع بلاد قلّورية (كالابريا) وغيرها من بلاد المسلمين وبلاد النصارى ويحمل منها الأوساق الكثيرة.} (6).

من الحرام إلى فخر الصناعة الإيطاليّة

في فترة الحكم العربي لجزيرة صقلية عاف أهل أغلب إيطاليا استيراد وأكل المعكرونة من باب أنّها من صناعات المسلمين، أي أنّه طعام المسلمين وليس طعام المسيحيّين، رغم أنّ أغلب مصانع أطّريّة في صقلية كانت لعائلات مسيحيّة بالأساس. لكن، مع الحكم النورماني للجزيرة لانت هذه القيود وبدأ جنوب إيطاليا – وهو من ممالك النورمان كذلك – باستيراد واستهلاك أطّريّة.

 وبعد نزول الجزيرة تحت حكم الممالك الإيطاليّة خلال القرن 14 انتشرت صنعة الشعريّة في عموم الجنوب الإيطالي باسم ڤيرميچيلّي (ديدان رفيعة) Vermicelli ووُلدت صناعة الپاستا التي نعرفها اليوم. كذلك في القرن 14 يذكر الشاعر الفلورنسي {جيوڤاني بوكّاچو} Giovanni Boccaccio في كتابه {ديكاميرون} Decameron فانتازيا فيها تصوير لجبل من جبن الپارميزان حيث يقوم طهاة العجائن في الأعلى بدحرجة المعكرونة والراڤيولي إلى الشرهين المنتظرين في الأسفل (7). ما يعني شعبيّة المعكرونة في شمال إيطاليا في ذلك الوقت.

مع حلول القرن 15 شاعت العجائن المجفّفة كالمعكرونة والشعريّة كمؤونة للبحّارة المسافرين على السفن جنوب الأوروپية العابرة للمحيطات، وما مضى قرن آخر حتّى كان هؤلاء البحّارة قد قدّموا المعكرونة في جميع أرجاء العالم، حيث وصلت رحلاتهم، على أنّها من المطبخ الأوروپي. ويذكر الشيف الإيطالي فرانشيسكو ليوناردي Francesco Leonardi سنة 1790 أنّ الإيطاليّين في روما اعتادوا أكل المعكرونة والشعريّة بأصابع اليد، غير أنّ اختراع صلصة الطماطم السائلة في القرن 18 أجبرهم على اعتياد استعمال الشوكة (8).

آكل الشعريّة لوحة من حوالي سنة 1660
Luca Giordano, إيطالي, 1634–1705
آكل الشعريّة لوحة من حوالي سنة 1660 – Luca Giordano, إيطالي, 1634–1705

مع بداية القرن 17 بدأت مصانع مدينة {ناپولي} الإيطالية بتطوير آلات جديدة لصناعة المعكرونة، ولو أنّها بدائية مقارنة بالآلات المعاصرة وبآلات صقلية المائية، لكنّها مكّنت مملكة ناپولي من زيادة الإنتاج وتخفيض تكاليفه، وتحويل صناعة المعكرونة إلى صناعة قادرة على تحقيق مدخول جيّد للمملكة (9). أمّا سنة 1740 فتسجّل ترخيص أوّل مصنع للعجائن المجفّفة في مدينة البندقيّة، وجمهوريّتها هي التي نشرت تجارة الپاستا الإيطالية في ربوع المتوسّط عبر أساطيلها المنتشرة ما بين كلّ الموانئ العثمانيّة والمغربيّة.

بحلول سنة 1859 دخلت المحرّكات البخارية عالم صناعة الپاستا، وانتشرت من إيطاليا في المجر والنمسا والتشيك. وانتشرت منتجاتها في وسط أوروپا. 

خارطة أصول أنواع الپاستا الإيطاليّة

خارطة أصول أنواع الپاستا الإيطاليّة
خارطة أصول أنواع الپاستا الإيطاليّة

من الجنوب نحو الشمال:

من صقلية:

  • سپگتّي النيرو دي سپّي Spaghetti Al Nero di seppia: الشعريه مع حبر الحبّار الأسود
  • پاستا كون لى سارده Pasta con le sarde، باللّغة الصقلّيّة پاستا گيه سارده: الشعرية مع السردين
  • پاستا ألّا نورما Pasta alla Norma: پاستا نورما، معكرونه (إطرية) مع الباذنجان وتسميتها تعود إلى أوپيرا نورما لبلّيني.

من البر الإيطالي الجنوبي:

  • پاستا إ أليچي Pasta E Alici: پاستا مع سمك الأنشوفه الأوروپيه
  • شيشَري إ تريه Ciceri E Tria: حمّص وأطّرية، وهي الوصفة العربيّة الأصليّة في الپاستا الإيطاليّة، أطّريّة هو الاسم السرياني للمعكرونه ومعناه العربي الطريّة.
  • ستراشيناتي كون مولّيكا إ پپروني كروسكي Strascinati con mollica e peperoni cruschi: ستراشيناتي مع خبز بايت مفتفت وفليفلة كروسكي. ستراشيناتي هي معكرونة صدف بشكل شناتي
  • سپگتّي ألى ڤونگوله Spaghetti Alle Vongole: شعريه مع المحّار
  • أوريكييتّه ألى چيمه دي راپا Orecchiette Alle Cime Di Rapa: أوريكييتّه مع ساق الكرنب، الأوريكييتّه هي معكرونة صدف بشكل الأدان الصغيرة.
  • لينگويني ألى سكوليو Linguine Allo Scoglio: لينگويني مع المحّار، اللّينگويني هي شعرية أعرض من السپكيتي من منطقة ليگوريا.
  • سپگتي آليو إ أوليو Spaghetti Aglio E Olio: شعرية مع التوم وزيت الزيتون.
  • گاڤاتلّي ال سوگو دي ميّاله Cavatelli Al Sugo Di Maiale: گاڤاتلّي بصلصة الخنزير، گاڤاتلّي هي معكرونة صدف معنى اسمها الحرفي {الجيوب الصغيرة}.

من سردانيه (سردينيا):

  • فريگولا ال فروتّي دي ماره Fregola Al Frutti Di Mare: الفريگولا هو الاسم السرداني للكسكس المغاربي، معمول مع ثمار البحر.
  • كولورجيونيس ده أولياسترا Culurgionis D’Ogliastra: الكولورجيونيس هي برك جميلة الشكل بتنحشى عادة بطاطا والأشهر من وصفاتها وصفة منطقة أولياسترا، بتكون محشية بطاطا معجونة مع الجبنة والبصل والنعنع، وبتنطبخ مع برش قشر الليمون أو البرتقال.

من البر الإيطالي الشمالي:

  • كاچيو إ په-په Cacio E Pepe (كاشيو إ-پيپه): الوصفة البلدية لأهل روما ومعنى اسمها جبنة وفليفله وبتكون عادة من الشعرية الأرفع من السپگتي متل التونّاريلّي أو البُكَتيني.
  • سپگتي الى كاربونارا Spaghetti Alla Carbonara: من اسمها هي سپگتي بالكاربونارا، والكاربونارا هي أحدث وصفات صلصات الپاستا وبنت روما، معموله من البيض مع الجبنة الرومانية القاسية ولحم خدود الخنزير والفليفلة.
  • سپگتي\بُكَتيني ألّامتريچانا  Spaghetti/Bucatini All’Amatriciana: پاستا رفيعة سپكتي أو بُكتيني مع صلصة أمتريچانا (أمتريشانا) وهي الوصفة التقليدية للپاستا الإيطالية أساسها لحمة خدود الخنزير مع جبنة الپكورينو القاسية والبندورة. أصلها من بلدة أماتريشه وسط إيطاليا. الحكومة الإيطالية بتعتبرها الوصفة الرومانية التقليدية.
  • پپّرديلّي ال چينگياله Pappardelle Al Cinghiale: الپپّرديلّي هي الپاستا بشكل شرايط سميكة طويلة مع لحم الخنزير البري. 
  • تالياتيلي ال رَگوّه الى بولونيزه Tagliatelle Al Ragù Alla Bolognese: تالياتيلي هي الپاستا الطويلة بشكل شرايط رقيقة معمولة مع صلصة “رَگوّه الى بولونيزه” أحد صلصات الرگوّه (الرغوه – اللّحمة الناعمة) من منطقة بولونيه، وصلصة الرگوّه بنت القرن 18.
  • ترنيتّه ال پيستو Trenette Al Pesto: ترنيتّه هي الپاستا المسطحة (شرايط مستقيمة بعيدان) ومعنى اسمها ببساطة طرنشات، معموله مع صلصة نيه من الحبق (الريحان) والتوم وزيت الزيتون والجبنة القاسية المبشورة والصنوبر. الوصفة من منطقة جنوه وبترجع لعهد الحكم الإسلامي بالمنقطة.
  • لزانيه الى بولونيزه Lasagne Alla Bolognese: اللزانيه هي پاستا رقائق عريضة معمولة مع صلصة اللحمة الناعمة البولونيه (بولونيزه).
  • بيگولي إين سالسه Bigoli In Salsa: وصفة البناديق (البنادقة) التقليدية. البيگولي هي الشعرية السميكة المعمولة من طحين حبة القمح الكاملة، مع صلصه من السردين والفلفل الأسد والبقدونس.
  • تورتيلّي Tortelli: التورتيلّي هو الاسم اللومبارديني للبرك وبتكون محشية بجبنة الريكوته وبتتقدّم أحياناً مع الصلصة البولونيه (الرگوّه).
  • أنيولوتّي Agnolotti: أنيولوتّي هو اسم البرك بمنطقة پيدمونت الإيطالية، حجمها أصغر من التورتيلّي وبتكون محشية لحمة مشوية ومفرومة أو خضار.
  • شپاتسله تيروليزي Spätzle Tirolesi: اسمها ألماني ومعناه الحرفي “عصافير الدوري الصغيرة” وبتكون من عجينة بيض بتشتبه شكل وعجينة الكسكس لكن أكبر، مع صلصه من السبانخ.
  • پيتسوكيري ألى ڤَلتيلّينيزه Pizzoccheri Alla Valtellinese: الپيتسوكيري هي پاستا سويسرية معمولة من القمح الأسود بشكل شرايط قصيرة عريضة وسميكة، بتنعمل مع الجبنة السايخة من منطقة ڤَلتيلّينه بلومباردي.

أخيراً ومن اختراع المطاعم الإيطالية خارج إيطاليا:

فيتّوتشيني ألفريدو Fettuccine Alfredo: اخترعها الشيف “ألفريدو دي ليليو” بأميركا بداية القرن العشرين، بتنعمل من الفيتّوتشيني مع صلصة من جبنة الپارميزان والزبدة. الفيتّوتشيني شرايط عريضة طويلة معمولة من الطحين الأبيض والبيض.

أنواع المعكرونة والعجائن المجفّفة اليوم

تُصنع الشَعريّة اليوم بشكل أساسي من القمح، والحنطة السوداء، والأرز. وهي أطباق رئيسة في المطابخ التالية: 

  • – الشعريّة الصينية (27 صنف)
  • – الشعريّة الزجاجيّة في شرق وجنوب شرق آسيا
  • – الشعريّة اليابانية (سومن وسوبا)
  • – الشعريّة الكورية (رامن)
  • – الشعريّة الهندية (نوپُت)
  • – الشعريّة والمكروني الإيطاليّة (پاستا من 6 أصناف)
  • – الپَنكيت الفيليپينية
  • – الشعريّة الڤييتنامية والتايلاندية.
  • – الشعريّة الاندونيسيّة (بكمي)
  • – شعرية مى پوك في جنوب شرق آسيا
  • – الكسكس المغاربي (شمال افريقيا واسپانيا)

أمّا في المشرق، فقد كانت لكارثة القرن 13 أثرها العظيم على إنتاج الطريّة وسوقها. وكانت أغلب دور إنتاجها في الجزيرة. تسبّبت الإبادة المغوليّة للمنطقة وتهجير سكّانها بدمار هذه الصناعة، أسوة بالكثير غيرها من صناعات العراق والجزيرة. ثم نسيها الناس تماماً مع تركيز الحكومة المملوكيّة على ترويج إنتاجها من الأرز المصري في أسواق بلدانها. ولمّا حضر العهد العثماني انتشرت في الأسواق المنتجات الإيطالية عبر خانات البناديق، في وقت مالت فيه أذواق الناس إلى الأرز متفوّقاً على غيره، فلم تنشأ رغبة مشرقية بإنشاء مصانع جديدة للمعكرونة.

المراجع

1 Ge, W.; Liu, L.; Chen, X.; Jin, Z. (2011). “Can noodles be made from millet? An experimental investigation of noodle manufacture together with starch grain analyses”. Archaeometry. 53: 194–204. doi:10.1111/j.1475-4754.2010.00539.x.

2 Serventi, Silvano; Sabban, Françoise (2002). Pasta: the Story of a Universal Food. New York: Columbia University Press. p. 17.

3 Serventi, Silvano; Sabban, Françoise (2002). Pasta: the Story of a Universal Food. New York: Columbia University Press. p. 29

4 “A medical text in Arabic written by a Jewish doctor living in Tunisia in the early 900s” (Dickie 2008: 21).

5 Kettani, Houssain (8 November 2019). The World Muslim Population: Spatial and Temporal Analyses

6 الإدريسي. كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. المجلد الثاني. صفحة 592

7 López, Alfonso (8 July 2016). “The Twisted History of Pasta”. National Geographic.

8 Walker, Margaret E. “The History of Pasta”. inmamaskitchen.

9 “History of pasta”. International Pasta Organisation.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s