العربيّ هو ابن المدينة لا ابن البادية

يختلف الناس في معنى كلمة “عرب” وأصول العرب، بينما تقدّم لنا اللّغة العربية نفسها شرحاً بسيطاً للمسألة.

فإن أخذنا معجم “لسان العرب” وحده مثلاً لوجدنا فيه إيضاحاً وافياً لمعنى “عرب” والعروبة ومغزاها. ففي لسان العرب لا يربط ابن منظور بين العربي واللّغة العربية، بل يورد عن لسان ابن الأزهري قوله بأنّ العربيّ من كان نسبه معروف وواضح ولو لم يكن فصيحاً، أي في لسانه عجمه. بينما يقال للرجل الفصيح الذي يتحدّث بغير عجمه “معرب” وإن كان عجمي النسب.

ويقول ابن منظور من بحثه ودراسته أنّ “من نزل بلاد الريف واستوطن مدن وقرى العرب فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء”، أي وإن تحدّثوا بعجمه.

بينما يقال للناس من سكّان الأرض البادية أعراب، لا عرب، والبادية هي الأرض المكشوفة غير المزروعة ولا المعمورة. “فمن نزل البادية، أو جاور البادين وظعن بظعنهم، وانتوى بانتوائهم: فهم أعراب”.

هكذا ببساطة يلخّص ابن منظور مفهوم “العرب” المتداول في جميع كتب العربية عبر العصور، وقبل النزوع القومي الحديث. 

– كلّ من زرع وعمّر وسكن المدن هو عربي، ولو لم يتحدث العربية.
– كلّ من جال بغير استقرار وسكن البادية هو أعرابي، ولو لم يتحدث العربية.

فإعراب الأرض تخطيطها وفتحها، وتعريب الأرض بناءها وتعميرها، والاستعراب الإقامة في المدن، والعرب المتمدّنون.

وبهذا تكون العربيّة تاريخياً وفي البداية هي لغة أهل المدن تمييزاً عن الرُحّل ساكني الأرض البادية خارج المدن، وأهل اليمن الأوائل كانوا أهل مدن، ولربّما كانوا من اخترع مبدأ التمدّن أساساً قبل كلّ البشرية كما اخترعوا النقد ومبادئ التجارة، فخرج عنهم “العرب” أي سكّان المدن والنازعين إلى الاستقرار عن الترحال.

هكذا هو وبكل بساطة مفهوم العربيّ للعروبة وهويّتها منذ غابر العصور وحتى اليوم، فلا تأخذنّك أهواء المئة عام الأخيرة التي ارتفع فيها صوت عُميان القومية وتلاميذ مدرستها الفرنسية.

ابن منظور: أديب ومؤرّخ تونسي وعالم في الفقه الإسلامي واللّغة العربية. من أشهر مؤلّفاته معجم لسان العرب الذي جمع عربية الشرق بعربية الغرب، وهو محمد أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي. متوفي سنة 1311 في القاهرة.

ابن الأزهري: لغوي أفغاني، ملقّب بالأزهري نسبة إلى جدّه الأزهر عالم من علماء اللغة العربية، وجميع كتبه في اللّغات سيّما العربية وأهمّها “تهذيب اللّغة”. وهو أبو منصور محمد الأزهري الهروي اللغوي الشافعي. متوفي سنة 981 في بغداد.

الصورة في الأعلى: مدينة شبام الأثرية في حضرموت شرق اليمن، عن اليونسكو.

انتشار اللغة العربية في بلادها سنة 2009

الأخضر الداكن حيث تتحدّث الأغلبية بالعربية
الأخضر الفاتح حيث تتحدّث الأقليات بالعربية
والمقصود بها كلغة تخاطب داخل البيت، لا عبر التعليم والإعلام.

المصدر مدوّن على الخريطة

مؤنس بخاري، برلين

شارك بالمناقشة