امبراطوريّة البندقيّة الغائبة عن التاريخ العربي

مدينة البندقية، فِنِتسيا

أحد الدول الأكثر أهمية في تاريخ البحر المتوسط جمهورية تكاد لا تُلحظ على الخريطة السياسية، لكنّها أثرها في الواقع كان أكبر بكثير من حجمها الجغرافي، إذ دانت لها امبراطوريات باستمرارها ونجاحها، وطلب الكلّ رضاها.

اسمها بلغة شعبها فِنِتسيا Venezia (بالعجمي فنيصيّه) باللاتيني بنِديگه أو ڤِنِديگ أو فِنِديش Venedig (بالعجمي ڤنديچ) وهو مصدر الاسم العربي بنديگ أو بنديگه، الذي صار مع العربيّة الحديثة بندقية، اسماً موروثاً عن اللّفظ العثمانيّ حيث يلفظ العثمانيّون حرف الگاف قافاً أو كافاً، لعدم وجود گ في العثمانيّة، وموروثاً كذلك عن اللفظ المغاربي بنديقه حيث يقلب المغاربة كذلك الگاف قافاً والڤاء باءً أسوة باللاتينية.

اختلفت لفظة اسم هذه الامبراطورية باختلاف الشعوب التي تفاعلت معها، فهي البنديگه والبندقية وڤِنِديگ وفِنِديش والفِنِش وڤنينشيا وڤينيسيا والفينيشية وڤينيتشيا وڤينيتسيا وڤينيكّيا وفينيتيكا وفينيتيا. أشهر صيغ كتابة اسمها رسمياً هي Viniccia والعائلات التي تنتسب إليها تسمى Vinaccia.

ذاعت شهرة تجّار هذه الجمهورية ومهارتهم بالتجارة حتى باتت كلمة بندوق (بندوقي) وبناديق تعني التاجر والتجار وصارت البندقة هي التجارة بلغات سواحل المشرق. وعلى خطى الفنيقيين الأوائل، سار البنادقة على ذات النهج بالسيطرة على الموانئ الحيوية دون طمع بالتعمّق في الأرض الداخلية، وملأوا البحر بأساطيلهم التي سيطرت على خطوط التجارة ما بين الإمبراطوريات، وباتفاقيات ضمنت لهم حرية الحركة وتأمينها بحماية الملوك والأباطرة والسلاطين.

وُلدت دولة فِنِتسيا (البندقية) في القرن السابع سنة 697 على جزيرة مَلَمُكّو Malamocco مقابل البندقيّة اليوم، ثمّ انتقلت إلى مدينة إرَگليا Eraclea لتكون عاصمة للجمهورية، إلى أن قام البنادقة ببناء عاصمتهم فِنِتسيا (البندقيّة) عام 810.

صورة جوية لمدينة البندقية، فِنِتسيا
صورة جوية لمدينة البندقية، فِنِتسيا

عاشت جمهورية فِنِتسيا أحد عشر قرناً وامتهنت التجارة وقتال القراصنة وحراسة الطرق البحريّة، خلال القرن الثالث عشر انضمّت بأساطيلها إلى الحملات الصليبيّة أملاً بالسيطرة على الموانئ البيزنطية، فتحوّلت الجمهوريّة إلى امبراطوريّة بحريّة سيطرت على شرق البحر المتوسط لثلاثة قرون تالية.

تحالفت البندقيّة مع المماليك في مصر في وجه البرتغاليّين أشدّ أعدائها، ثمّ تصادمت مع التوسّع العثماني إلى أن فرضت وجودها متحالفة مع العصبة المقدسة سنة 1571، ما أدّى إلى اتّفاق عثمانيّ-فِنِتسي لتقاسم تجارة المتوسط، فصارت كلّ التجارة البحريّة العثمانيّة-الأوروپية تخرج وتدخل من ميناء غزة وميناء البندقيّة حصراً، ما سمح للبندقيّة بالتحكّم بالتجارة العثمانيّة-الأوروپيّة، وجعل من ميناء غزة كذلك أثرى وأهمّ ميناء عثماني في شرق المتوسط على الإطلاق، كذلك سمحت العثمانية ببقاء الخانات الفنتسيه المقامة أيام المماليك في حلب والاسكندرية والقاهرة وغيرها.

عام 1380 امتدّ نفوذ امبراطوريّة فِنِتسيا التجاري ليسيطر على تجارة البلقان وقبرص والموره (اليونان) وصقليا وكامل الجنوب الإيطالي وكورسيكا وجنوه (جنيڤا) وتونس غرب المتوسط إضافة إلى القرم وجورجيا على البحر الأسود.

شبكة الموانئ التي أدارتها جمهورية فِنِتسيا قبل انهيار سلطنة المماليك
شبكة الموانئ التي أدارتها جمهورية فِنِتسيا قبل انهيار سلطنة المماليك

لعبت فنتسيا دوراً مهمّاً في إيصال البضائع الأميركية إلى العثمانية والعكس، كونها احتكرت المبادلات التجارية ما بين الامبراطوريّتين الأوروپيتين المتخاصمتين الإسپانية والعثمانية، كما ناصرت أعداء الپرتغال وحلفاءهم الإنگليز، فكان الأخيرون السبب في دفع ناپليون للقضاء على استقلالية مؤسّستهم.

سقطت امبراطورية فِنِتسيا أخيراً على يد ناپليون پوناپرت سنة 1797 وتراجعت إلى دولة صغيرة يحكمها دوق الماني من آل هاپسبيرگ، ثمّ صارت جزء من الامبراطورية النمساوية سنة 1848 في مملكة لومبارديا-ڤِينيشيا، ثم منحتها النمسا إلى المملكة الإيطالية سنة 1866.

الخريطة هي إمبراطورية البندقية (الڤِنِديگية) في أقصى اتساعها، مع ذكر سنوات ضم هذه الأراضي إلى ممتلكات البندقية. نظام الحكم كان جمهوريّاً يرأسه دوق يُنتخب من قبل أعيان المدينة، وكانت لغاتها الرسميّة هي الڤينيشيّة واللاتينيّة وشاعت الإيطالية لغة للثقافة. الديانة الرسميّة للدولة كانت المسيحيّة الكاثوليكيّة، والعملة الرسميّة كانت اللّيرة.

جمهورية البندقية، فِنِتسيا
جمهورية البندقية، فِنِتسيا

الخريطة من رسم ديڤِد سركيس David Alfred Sarkies، رحالة استرالي من ملبورن.

شارك بالمناقشة