الهاگِس، من بقايا المطبخ العربي في الجزر البريطانية؟

الهاگِس

أحد الأكلات الشهيرة في التراث الاسكتلاندي هي وجبة  الهاگِس Haggis والتي تُعتبر من الأطباق الوطنية الاسكتلاندية، بينما يقرفها أغلب الأوروپيين ويعتبرونها من الألوان الهمجية على المائدة، ويمنع تجارتها القانون في الولايات المتحدة الأميركية منذ 1971.

والهاگس عبارة عن معدة خروف محشوّة بخلطة مفرومة من الكلاوي والكبد والرئات والقلب والشحمة، مع بعض الأعشاب العطرية والبصل والتوابل وأحياناً الشعير المطحون أو خبز الشعير المطحون أو البرغل.

الطريقة التجارية لطبخ الهاگس عملية للكميات الكبيرة حيث تُسلق أعضاء الخروف في الماء بدون الليّة لمدّة تتراوح بين أربع وست ساعات، ثمّ ترفع من الماء وتُفرم “وسط” مع اللّيّة، وتضاف التتبيلة وخبز الشعير المطحون، ثمّ يضاف المرق من جديد للترطيب، وأخيراً تحشى هذه الخلطة في معدة الخروف وتترك لتجفّ. وتتنافس المطاعم بخلطة البهارات التي تبقيها سريّة.

أما الطريقة المنزلية لطبخ الهاگس فتبدأ بفرم جميع المكون قبل طبخها، وتستخدم الشعير المطحون أو البرغل في الخلطة، ثمّ تُحشى في معدة الخروف وتخاط لتُسلق في الماء ببطئ على حرارة أقل من الوسط أو خفيضة بين 3-4 ساعات، ثمّ تجفّف، وتقدّم كما نراها في الصورة.

شخصياً جربت الهاگس في آيرلاندا وذكّرتني فوراً بسجقات الحفاتي اللذيذة التي كانت تطبخها جدّتي الدمشقية خلال أيام عيد الأضحى في كلّ عام، فمن يحبّ السجقات لن ينفر من الهاگس.

أما حول تاريخ الهاگس، فأقدم ذكر لها باسمها المعاصر نجده في كتب الطبخ الإنگليزية التي تعود إلى سنوات 1430 بصيغتي hagese و hagws، بينما تذكرها قصيدة اسكتلاندية من عقد الـ1520 بصيغة haggeis. لكنّها تظهر باسمها المعاصر في كتاب  يعود لعام 1615 بعنوان “ست البيت الإنگليزية” The English Huswife بقلم الشاعر الإنگليزي جارڤيس ماركهام Gervase Markham.

الدبلوماسي ومؤرّخ المطبخ الإنگليزي آلان ديڤدسون Alan Eaton Davidson يعتقد بأنّ الهاگس أساساً طبق روماني وصل شمال إنگلترا مع الجنود الرومان الذين رابطوا في القلاع السبع عشرة عند أسوار جاسك وهادريان وأنطونيوس منذ سنة 122.

ومعروف أنّ الكتائب العسكرية التي خدمت شمال مقاطعة بريتنيا الرومانية Britannia وفي قلاع الأسوار خلال القرن الثاني كانت من قبائل عربية استوردت من مقاطعات سوريا والعراق والجزائر، بينما يدور اليوم جدل حول ما إذا كانت هذه القبائل قد استوطنت الشمال الإنگليزي أو عادت بعد سقوط بريتنيا في القرن الخامس.

ما يعني أنه، ربما، تكون أكلة الهاگس الشهيرة في اسكتلاندا اليوم من بقايا طبخة القشة السورية، التي تقوم على حشو أحشاء الخروف لتحويلها إلى سجقات، تطبيقاً للمبادئ السورية القديمة التي تأبى هدر أيّ من أجزاء الخروف بعد ذبحه.

الشيف الإنگليزية الشهيرة كلاريسا رايت Clarissa Dickson Wright تذكر في كتابها The Haggis: A Little History أنّ الهاگس انتشرت في اسكتلاندا بعد نزولها تحت حكم الممالك الاسكندنافية المعروفة بالڤايكينگ، وأتّفق مع الشيف رايت هنا حيث قد تكون الهاگس قد انتقلت من المطبخ الشمال إنگليزي إلى اسكتلاندا مع فتح الحدود تحت الحكم النوردي، لكنّني أخالفها في افتراضها أنّ الهاگس وصلت اسكتلاندا مع السفن الاسكندنافية، كون المطبخ النوردي خالي تماماً من وصفة مشابهة حتّى في أيامنا.

عموماً، وبغضّ النظر عن التاريخ القديم للهاگس، كان انتشارها عمليّاً في اسكتلاندا. حيث استخدمها الرعاة كطريقة لتخزين الطعام وحفظه لطريق السفر الطويلة من مراعي المرتفعات إلى سوق المواشي الموسمي في أدنبره، فتمّ حشو معدة الخروف بكل شيء.

ومن جهة أخرى، تقول كلاريسا رايت أنّ أجرة الجزّار شمال الجزر البريطانية قديماً كانت أحشاء الخروف، مقابل خدماته في ذبح الغنم وتقطيع اللّحم، تماماً كما يحدث في سوريا في أيامنا، حين يتقاضى جزّار أضحية العيد أجرته الأحشاء أو جلد الخروف مع الصوف، التي يقوم ببيعها لاحقاً مقابل الحبوب أو النقود.

هكذا، ترى رايت أنّ شعبية الهاگس في اسكتلاندا أتت فعلياً من توفّر الأحشاء في مخازن الرعاة باستمرار، يوم كانت تربية الأغنام هي المورد الاقتصادي الأوّل في البلاد الباردة. فاستعملها الجزّار كعملة في السوق، أو طبخها لأبنائه، أو طبخها لزبائن مطعمه، لتنتشر كطبق شعبي.

شارك بالمناقشة