هل يعود نظام الكتابة التركي القديم إلى أصول مسندية؟

ما يسمّى اليوم بنظام الكتابة الأورخاني (الأورخوني) هو نظام كتابة استخدمه الترك لتدوين النصوص باللّغة التوركية القديمة في ظل إمبراطورية الگوك-تورك وغيرها من الخانات التركية (القاغانات) حول العالم، فامتدّ انتشار استعمالها منذ القرن الثاني قبل الميلاد، من منشوريا شرقاً حتّى هُنگاريا غرباً. 

واللّسان التركي المعاصر (تركيا وأذريجان) هو سليل التوركي القديم بعد امتزاجه بالإغريقية الرومية ومروره بعدّة مراحل تطوير هي:

التركية القديمة > السيبيرية > الأورخانية (الگوك-توركية) > التوركية > التوركية الغربية (الويگر الغربية) > الجغطائية > التركية “توركچه”.

الفرع الثاني يخرج عن الأورخانية > الويگر > ئۇيغۇر المنتشرة في تركستان الشرقية غرب الصين المعاصرة.

وعن الويگر خرجت القارلوقية التي انقسمت بدورها إلى شطرين شرقي وغربي، وشطرها الشرقي ينتشر كذلك غرب الصين المعاصرة إلى جانب الئۇيغۇر، بينما تطوّر شطرها الغربي إلى اللّغة الصغدية بالامتزاج مع الآرامية والفارسية القديمة، ثمّ لغة الأوزبك المعاصرة “اوزبیکچه” المنتشرة اليوم ومنذ القرن الخامس عشر في أوزبكستان وشمال أفغانستان وبعض طاجيكستان وقازاقستان وقرغيستان وتركمنستان ومناطق صغيرة في روسيا والصين. 

جميع هذه الألسن القديمة والمعاصرة استخدمت الأبجدية التوركية القديمة إلى زمن انتشار الإسلام.

وعن الأبجدية التوركية تطوّرت خلال القرن العاشر الألفبائية الهنگارية القديمة التي تُكتب من اليمين نحو اليسار كذلك، والتي انتشر استعمالها شرق أوروپا ما بين القرنين 12 و17، حين تحوّلت المنطقة إلى الأبجدية الأبجدية العربيّة البوسنية (عربستا “عَرَبٖىڄا”) التي انتشرت في البلقان العثماني منذ القرن 14 واستمرّت بوجودها حتّى الحرب العالمية الثانية.

وعن الألفبائية الهنگارية القديمة تطوّرت الألفبائية النورسية القديمة، نتيجة تحالف القبائل النوردية مع الهُن (الهون) وانتشرت مع ممالك الڤايكينگ في عموم شمال أوروپا واستمرّت إلى أن انتشرت المسيحية اللاتينية في المملكة الدنماركية.

خريطة امبراطوريات الهُن في أوج اتساعها

نالت الأبجدية الأورخانية اسمها الشائع من اسم نهر أورخان Орхон гол وسط منگوليا حيث لوحظت سنة 1889 مسلّة حجرية ضخمة تحمل نقوشاً مكتوبة بأبجدية الگوك-تورك ويعود تاريخ نقشها إلى القرن السابع. لكن يفضّل الوسط الأكاديمي تسميتها بالأبجدية الگوك-توركية، وسأكرّر تسميتها هنا اختصاراً التوركية.

إمبراطورية الگوك-تورك بشطريها الشرقي والغربي

والمسلّة المكتشفة سنة 1889 مشهورة بلغتها باسم “ئورخۇن ئابىدىلىرى” ثمّ تلاها عدة اكتشافات أخرى في مواقع مختلفة على طول نهر تول في منگوليانفصل بينها عدّة مئات من الكيلومترات، والاكتشافات عبارة عن عدّة مسلّات حجرية ضخمة وملساء على الطريقة اليمنية القديمة، تحمل نقوشاً بنصوص قانونية وملكية وعسكرية تذكارية كتبت على عدة مراحل ابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد وآخرها منقوش في القرن العاشر بينما كان جميع الترك قد استبدلوا أبجديّتهم بالعربية قبلها بقرن. 

نسخة عن مسلّة أورخان التذكارية نُحتت في جامعة غازي في تركيا وموجودة اليوم في أنقره. بينما يحتفظ متحف أورخان في منگوليا بالمسلة الأصلية. أما أقدم نقش توركي مكتشف على الإطلاق فهو عبارة عن شاهدة قبر توجد في مدينة “قزل” (مدينة الحمراء) التي تقع بدورها جنوب شرق روسيا المعاصرة.

وتنتشر هذه النصوص التوركية القديمة في وسط منگوليا وجنوب شرق روسيا كون تلك البلاد كانت الموطن الأصلي للترك قبل تهجيرهم منها على يد الخانات المنگول (المغول) عقب تأسيس الامبراطورية المغولية في القرن 13، وتتحدّت الكثير من النصوص التوركية عن عاصمة أسطورية في منگوليا أخرجت الشعب التوركي اسمها “اتوكان” أو “غابة أتوكِن”، لم يعثر على موقعها حتى اليوم، لكن لهذه المدينة عظيم الأثر في الميثولوجيا التوركية القديمة والديانة الطنگرية، ديانة أغلب الشعوب التركية ما قبل الإسلام.

قبيل الإسلام انتقلت عاصمة الطنگرية الدينية إلى مدينة بخارى، التي نالت اسمها بسبب مكانتها الدينية بمعنى “صومعة الصلاة” ڤِهارى، وكانت آخر عواصم الطنگرية الدينية والسياسية.

امبراطورية الويگر، آخر الإمبراطوريات الطنگرية التركية قبل الإسلام

وتتشابه أسطورة اتوكان في التراث التوركي بأسطورة الجنّة في التراث البابلي، حيث أنّ اتوكان كانت مدينة مبنية داخل غابة من أشجار الفواكه التي تنتشر فيها الأنهار والحدائق التي يأكل منها الناس طيلة السنة وعليها تقوم الحياة، وتقول الأسطورة بأنّ الإله (إير-سوب) أو (يير-سو) شعر بالملل فخلق اتوكان الأنثى وجعل في جسدها الأشجار والنباتات ثمّ بقية أشكال الحياة، وكان من الممكن معرفة مزاج (إير-سوب) من لون ونضارة الأشجار، وكمية الفواكه التي تحملها. ويفترض بعض المؤرخين أن اتوكان قد تكون في الواقع تسمية لمنطقة جغرافية واسعة لا مجرّد مدينة وذلك لانتشار المواقع الأثرية التوركية على مجاري جميع الأنهار في منگوليا وسيبيريا.

 بالتوركية القديمة كلمة “إير” (يير) معناها الأرض، وكلمة “سوب” (سو) معناها الماء، فاسم الإله القديم كان يعني بدمج الكلمتين “ماء الأرض” و”العالم المرئي” و”الأرض الأصل”.

نعود إلى نظام الكتابة التوركي القديم الذي دوّن كلّ تلك الأساطير ونجّاها لنا لنقرأها. تتكوّن الأبجدية التوركية من 38 حرف، وتكتب منذ أوّل عصورها من اليمين نحو اليسار. في الواقع تطوّرت الأبجدية التوركية عن أبجدية سبقتها احتوت على 158 حرف، واستعملتها الترك لنقش شواهد القبور ومسلّات القوانين في مستوطناتها على طول نهر ينيسي Yenisei الجاري في سيبيريا في جمهوريتي توڤا وألطاي وسط روسيا المعاصرة.

تنسب أغلب المؤسّسات الأكاديمية تطوّر الكتابة التوركية عن الصغدية عن السريانية الآرامية، لكن بمقارنة بصرية بسيطة بين الأبجديات القديمة نلاحظ اقتراب التوركية من المسند اليمني أكثر بكثير من السريانية، لنلاحظ الجدول:

انقر على الجدول لتكبيره

بنيت الأبجدية التوركية على نظام صوتي أعقد من نظيره اليمني، وأعقد بكثير من النظام السرياني. حيث صيغت رموز تختصر صيغ مدمجة من عدة أصوات، بالإضافة إلى صياغة الحركات في أحرف مستقلة، كانت تستخدم نظام الذهاب والإياب في بناء الكلمة، حيث تستخدم الكلمة الأحرف بأصوات غليظة إن كانت تشير إلى الأفعال وتستخدم الأحرف بأصوات رقيقة إن كانت الكلمة تشير إلى الأسماء والصفات. وهذا مثال لا الحصر.

وطالما أنّ أبجدية المسند أقدم ببضعة قرون من نظيرتها التوركية لا يسعني إلا الافتراض، وبناء على المقارنة البصرية، بأنّ التوركية قد بنيت أساساً على شقيقتها المسند، أو، على الأقل، خرجت الأبجديتين من رحم سلف مشترك هو الأبجدية السينائية الأولى التي يفترض العلماء أنها ظهرت للاستعمال قبل الميلاد بألفي عام.

شارك بالمناقشة