صناعة البيرة العراقية القديمة

تصوّر لخمّارة بيرة مصرية قديمة

طبخ وصناعة البيرة كانت أحد الصناعات المقدّسة في العصر السومري، وبقيت كذلك مقدّسة في اعتبار البابليين من بعدهم. يعني استمر تقديس صناعة البيرة عدة آلاف من السنين؛ وكانت صانعة البيرة بنت حرفة محترمة ومقدّرة لدرجة عالية بين الناس، مباركة من الأديان لكن بدون مرتبة دينية.

في نفس الوقت، صناعة البيرة ما كانت هذه الصناعة البسيطة التي يقدر عليها أيّ كان، وسنحكي في القليل من تفاصيلها. لكن قبل التفاصيل من المهم نتذكّر أنّ صناعة البيرة في المجتمع العراقي القديم كانت حرفة مقدّسة، ولأنّها مقدّسة كانت محصورة بالنساء فقط ولا يشتغل فيها الرجال ولا الصبيان، والقانون البابلي منع اشتغال الذكور بأيّ من مراحل تحضير البيرة وبعقوبات صارمة قد تصل الإعدام، في حال كان الذكر من العبيد. أو إلى الاستبعاد في حال كان الذكر من الأحرار.

اعتمدت صناعة البيرة العراقية على خبز عراقي قديم اسمه خبز البَپِّر أو البَپّير، وهذا هو مصدر كلمة بير وبيرة التي نستعملها اليوم ولا علاقة لمصدر كلمة بيرة باسم بئر الماء. وما كان هذا الخبز ينخبز للأكل؛ إنما ينخبز للتخمير حصراً، ويتخزن لفترات طويلة قبل يتحوّل إلى البيرة. يعني كانت الخبّازة تستغلّ الموسم فتصنع عشرات ومئات أرغفة خبز البَپّير التي تُنشّف وتُخزّن لاستخدامها بقيّة السنة.

الصورة تجسيد معاصر لربّة البيرة السومرية نِنكاسي، نن-كا-سي (سائل مِلئ الفم) ربّة البيرة والخصب والحصاد. رسم على الزجاج تنفيذ Adrianne Hollemans, Matt Kolenda, Elizabeth Kolenda, Maria Orr
الصورة تجسيد معاصر لربّة البيرة السومرية نِنكاسي، نن-كا-سي (سائل مِلئ الفم) ربّة البيرة والخصب والحصاد. رسم على الزجاج تنفيذ Adrianne Hollemans, Matt Kolenda, Elizabeth Kolenda, Maria Orr

المكوّن الأساسي لصناعة خبز البَپّير هي حبّات الشعير المملّتة، وتمليتها وتحضيرها يستغرق وحده حوالي أسبوعين. والتمليت كلمة عربية مهجورة من الفعل مَلَتَ، انتقلت إلى غيرها من اللّغات. وتعبّر عن جميع مراحل تحضير حبّة الشعير لتصبح جاهزة لاستخدامها في عجينة خبز البَپّير.

بالبداية، لملت حبّات الشعير، كانت الخبّازة السومريّة تنبّت حبّات الشعير الجافة من خلال نقعها بالماء في حوض حجريّ خاص. الحوض يكون مستقرّاً داخل غرفة خاصّة بالبرعمة لا يدخلها ضوء ولا تيّار هواء فتحفظ الرطوبة، وبتبقى حبّات الشعير منقوعة فيها أسبوع. ونجد هذه الأحواض الحجريّة منتشرة بكثرة في العديد من المواقع الأثرية في سوريا والعراق ومنحوت عليها رمز الصليب، ويخلط الناس بينها والقبور والمدافن قديمة. ولا علاقة بالصلبان عليها بالمسيحية، إنّما هو رمز الربّة ننكاسي.

بعد أسبوع تكون حبّات الشعير قد برعمت وصار إلها جذور صغيرة، فتنفتح طاقة ببرج خشبّي مبنيّ فوق غرفة التمليت حتّى تتبخّر رطوبة الحوض وتنشف البذور وتتوقّف عمليّة البرعمة. وبعد جفاف البذور المبرعمة تماماً صير اسمها مملّتة وتنجرش لاستخدامها في تحضير خبز البپّير.

تحضير عجينة خبز البپّير يعتمد على أربع مكوّنات فقط: الشعير المملّت المجروش، وطحين الشعير، والماء، والعسل أو التمر. بعد العجن ينخبز خبز البپّير مرّتين بدون تخمير، المرّة الأولى للخَبز والتانية للتجفيف والتقسية كرمال التخزين. وطبعاً للمرحلة التانية أثرها على نكهة البيرة المنتجة لاحقاً.

لصناعة البيرة كانت الخمّارة تكسّر أرغفة خبز البپّير بمطرقة خاصّة من الخشب ثمّ تنقعها بالماء مع حبّات العجوة أو العسل، مع القليل من حبوب شعير مملّتة، داخل جرار فخّارية محكمة الإغلاق، وقبل وصول تقنية الفخّار من مصر كانت البراميل المصنوعة من الخشب القاسي هي أواني التخمير، الساسم أو البلّوط أو الحور الديالي وغيره.

تصفية البيرة كانت غير شائعة ولا متعارف عليها، على العكس تماماً كانت الناس تضحك على الشخص الذي يشرب البيرة مصفّاة، إنّما كانت تشربها الناس كما نشرب اليوم المتّة، لكن من فخّارة التخمير مباشرة وبمصّاصات طويلة مصنوعة من القصب.

طريقة شرب البيرة منقوشة على ختم عراقي قديم
طريقة شرب البيرة منقوشة على ختم عراقي قديم

ابتكر السومريّون التخمير أساساً كتقنية لحفظ الأطعمة والمشروبات من التعفّن والتسمّم بالبكتيريا، كأحد أهم تقنيات مطبخ المونة في الزمن السومري، بحيث تتحوّل الكاربوهيدرات إلى أحماض وكحول باستخدام بكتيريا الخميرة، وتمسي قابلة للتخزين والاستهلاك بغير وقت الموسم. ولربّما أحد أسباب اللّجوء إلى التموين والتخمير هو لجوء الكثير من العراقيّين قديماً إلى السكن والإقامة على السفن الكبيرة والمساكن العائمة المعروفة بالكفّة، لكن بمقاسات كبيرة في طبقتين وثلاث وصلت أحياناً في قطرها حتى 120 متر. وهو ما دفع العرب لتسميتهم بالمعدان، أي أهل الماء.

ويبدو أنّها كانت مصادفة ساقت الناس لابتكار البيرة نتيجة تخمير الخبز المخبوز، ربّما بسبب المونة أو بسبب خطأ غير مقصود، نقع خبز بالماء وأنتج البيرة، أو بسبب وجود شخص بروح مغامرة أحبّ تجربة نقع الخبز وانتظار النيجة. لكن هذه المصادفة تحكّمت بعادات وأديان الشرق الأوسط تالياً ولآلاف عديدة من السنوات، واليوم بعد 12000 سنة لم تزل البيرة من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم، بعد الشاي.

سنة 1989، شركة أميركية لصناعة البيرة اسمها أنكور بريوينگ Anchor Brewing، كلّفت مجموعة من العلماء للبحث عن طريقة صناعة البيرة السومريّة الأصلية وأعادت صناعتها بنفس الطريقة تماماً باستخدام العسل. وكشفت هذه التجربة أنّ البيرة السومريّة كانت حلوة بنكهتها وليس فيها مرار. وهذه التجربة مسجلة بكتاب لمهندس الذرّة الأميركي-الأرمني چارلي پاپازیان Charlie Papazian. وپاپازیان هو مؤسّس اتحاد الخمّارات الأميركي، وكذلك مؤسّس “مهرجان البيرة الأميركية العظيم” GABF. المستمر إلى اليوم.

تجربة أنكور بريوينگ Anchor Brewing لصناعة البيرة العراقية
تجربة أنكور بريوينگ Anchor Brewing لصناعة البيرة العراقية

اقرأ تاريخ البيرة، انقر هنا

للتوسّع في المعلومات:

Sumerian Beer: The Origins of Brewing Technology in Ancient Mesopotamia. PeterDamerow. Max Planck Institute for the History of Science, Berlin

The History of Beer – When Was Beer Invented?

Homer, Trevor (2007). The Book of Origins. Penguin. ISBN 9781101041925.

(1) Comment

  1. […] اقرأ طريقة صناعة البيرة العراقية القديمة، انقر هنا […]

شارك برأيك