مؤسّسة فرسان الهيكل وأوّل مصرف مركزي في التاريخ الحديث

راية فرسان الهيكل

منذ تأسّست فرسان الهيكل (التمپلرية) في مطلع القرن الثاني عشر، جذبت الجماعة المتطوّعين والأموال على السواء. وبطبيعة الحال، كان على الفارس التمپلري (فارس الهيكل) أن يتخلّى عن كلّ ممتلكاته، ومُنع عن حقّ امتلاك أيّ من متاع الدنيا. ولكن، في الوقت عينه، كان بحاجة للخيول والأسلحة والخَدم؛ للقيام “بخدمة الربّ محارباً” على أكمل وجه.

في البداية؛ قدّم ملك القدس الإفرنچي المساعدة لفرسان الهيكل، وأحد الأسباب الكثيرة لتقديمه الرعاية كانت ثقته بأنّ زيارة الحجّاج تجلب الإيرادات الضروريّة لدول الصليبيّين الناشئة على الساحل السوري. كان الحُجّاج بحاجة للطعام والمأوى وكانوا يدفعون رسوم السفر ويحملون الهبات والهدايا. ومن البداية، كانت الأوضاع الاقتصاديّة المستقرّة لفرسان الهيكل تساعدهم على “خدمة الربّ” في الأرض المقدّسة، من وجهة نظر پروپگندا الأيام تلك.

شبكة التمپلرية

نشأت شبكة أو منظمة فرسان الهيكل في أوروپا الغربية، حيث عزّزتها هبات من الأراضي التي منحها إيّاهم رجال ونساء؛ أرادوا حماية أرواحهم الخالدة في الدار الآخرة؛ من خلال دعم الصليبيين في الأرض المقدّسة. كثير من الهبات التي تلقّاها فرسان الهيكل كانت من رجال يرغبون بالانضمام للتنظيم نفسه. وجاء أعظم المساهمين من مقاطعة شامپين (شامپانيا) Champagne الواقعة في شمالي فرنسا المعاصرة، إذ انضمّ هيو كونت شامپين للتنظيم في عام 1120.

خريطة شبكة فرسان الهيكل (التمپلرية) في أوروپا سنة 1300
خريطة شبكة فرسان الهيكل (التمپلرية) في أوروپا سنة 1300

بحسب المؤرّخ مالكوم باربر Malcolm Barber من جامعة ريدينگ البريطانية، كان كونت شامپين يُعتبر واحداً من أهمّ المناصرين للجماعة، ولكن عندما انضمّ للتنظيم خسر مكانته كحاكم محليّ وتوجّب عليه أن يُخضع إرادته للسيّد الأعظم وأن يعيش حياة الفارس العادي، لذا فقد تخلّى عن قدر كبير من الأشياء فيما يتعلق بالمنزلة والراحة المادية، ليصبح واحداً من فرسان الهيكل. في الواقع، إذا كنت تؤمن إيماناً كاملاً بأنّ المهمّ هو روحك الخالدة وليس حياتك الزائلة على الأرض، حينئذ سيبدو ما فعله هيو شامپين طبيعي جدّاً ويستحقّ التخلّي عن الثروة ورفاهيات الحياة الدنيا.

تلقّى فرسان الهيكل بامتنان الكثير من الأراضي هبةً دون مقابل مادّي، ثمّ تحوّلت هذه الأراضي إلى مجتمعات منتجة، حيث كان الإخوان يعيشون ويعملون في الغرب الأوروپي؛ في المُلكيّات المشتركة المسمّاة بـ“المستوطنات“، التي أصبحت حجر الأساس لشبكة جماعة فرسان الهيكل. أعتقد أنّ فرسان الهيكل اهتمّوا بشكل كبير بكيفية استغلال هذه المستوطنات في الغرب على أفضل وجه، بهدف دعم الخطوط العسكرية الأماميّة في الشرق، ومع مرور الوقت حاولت الجماعة باجتهادٍ ترشيد أملاكها بطريقة ترتفع فيها الفعّالية والإنتاجية. ففي بعض المناطق؛ أُنشئت مستوطنات متخصّصة تختصّ بالأعمال المصرفيّة أو الأدوات الزراعية أو توفير الشحن، وهلمّ جرّا…

كانت المستوطنات النموذجية لفرسان الهيكل في أوروپا تتألّف عادة من أراضٍ زراعية تتركّز حول أحد القصور، وعدد من الحظائر والاسطبلات والمراحيض الخارجية بما يتناسب مع الموقع وعدد السكان، ولم يبق اليوم أيّ من هذه المستوطنات بشكلها الكامل، ولكن الكثير من الأبنية الخاصّة نجت وبقيت بشكلها حتّى اليوم.

الغرض من جميع المستوطنات في أوروپا هو جمع المال، وكان ثلث الدخل يذهب إلى الجبهة في سوريا، وأيّ تبرّع صغير كان أم كبير يتمّ تسخيره بالكامل لتحقيق أقصى قدر من العائدات. فإذا مُنحت الجماعة أرضاً بور، يقومون باستيطانها واستصلاحها، ثمّ يقومون بإنشاء مطاحن وأفران ومعاصر نبيذ جديدة، لاستغلال الفائض من المنتجات الزراعية. وقام فرسان الهيكل بإنشاء أسواق جديدة في جميع المدن والقرى المحيطة بالمستوطنات، وبهذه الطريقة أمكن للجماعة دعم اقتصاد إقليم كامل وبشكل مستدام، ولكنّ ذلك عنى أيضاً أنّ فرسان الهيكل أمكن لهم تولّي زمام اقتصاد مناطق كاملة من خلال سيطرتهم على الأعمال التجارية ومنتوج الأراضي كلّها.

مثلاً في مدينة شامپين Champaign في پروڤين Provins في فرنسا، امتلكت جماعة فرسان الهيكل تدريجياً أكثر من سبعين عقاراً إنتاجياً.

كان فرسان الهيكل يطوّرون مكانتهم في السوق بشكل دائم، فسبّبت هيمنتهم استياءاً ملحوظاً لدى الفلاحين ومالكي الأراضي، ومقارنة بمنافسيهم؛ كان لدى فرسان الهيكل ميزة مهمّة غير عادلة في حقّ من هم من خارج الجماعة، وهي أنّ ممتلكاتهم معفاة من ضريبة العُشر الخاصّة بالكنيسة. كان من الطبيعي والمفروض على السكان غرب أوروپا أن يدفعوا ضريبة العُشر، ولكن فرسان الهيكل مُنحوا إعفاءاً من ضريبة الكنيسة عن كلّ ما يملكونه من الأراضي، وهذا ما مكّنهم من النموّ بسرعة أكبر، وبمنافسة أقوى للآخرين؛ ممّن يدفعون ما عليهم من ضريبة للكنيسة.

المؤسّسة

بعد ثلاثين عام من تأسيسها أضحت منظمة فرسان الهيكل تدير مزارع وعقارات في جميع المدن عبر فرنسا وإنگلترا وأجزاء كبيرة من غرب أوروپا، أمّا مقرّاتهم الرئيسية فكانت في پاريس ولندن، بينما كانت معظم مُلكيّات فرسان الهيكل في شبه الجزيرة الإيبيرية محصّنة خصوصاً في المناطق الفاطمية الحليفة شرق الأندلس؛ ڤلنسيا وكتالونيا.

وفّرت شبكة فرسان الهيكل الأمن والمأوى على طول طريق التجارة الدولية؛ من أوروپا الغربية حتّى الأرض المقدّسة في سوريا، حيث كانت بعض أهم مقرّاتهم موجودة في موانئ رئيسية على البحر المتوسط. اشتغل تنظيم فرسـان الهيكل بالنقل والشحن منذ أيامه الأولى، وسرعان ما وسّع دوره بحماية الحُجّاج في سوريا إلى حماية الحُجّاج المسافرين إلى سوريا، حيث أسّس التنظيم أوّل وكالة للسفر في أوروبا، ووفّر للحُجّاج، إضافة إلى الأمن، وسائل النقل والنُزل والاستراحات. في البداية استأجر التنظيم السفن من المدن الساحلية الكبيرة في إيطاليا، ولكن وبسبب توسّع الحاجة، قرّر التنظيم تالياً تطوير مكانته في السوق، فقامت الجماعة بإنشاء مصانعها الخاصة بها لبناء سفنها، ودمجت الأعمال التجارية بالسفر والصناعة التي كانت أسّستها الجماعة أساساً.

أكثر مناطق فرسان الهيكل دخلاً كانت على المحور الرئيسي الذي يصل المراكز التجارية على البحر المتوسط جنوب أوروپا؛ بالموجودة في شمالي أوروپا. بينما كان إقليم شامپين في فرنسا (وهو أحد الأراضي المركزية لفرسان الهيكل) بمثابة جسر بين شمال وجنوب أوروپا، وفيها أُنشئت لأوّل مرة المعارض التجارية الضخمة التي بشّرت بانطلاق الأعمال التجارية العالمية كما هي معروفة اليوم. كانت المعارض التجارية الكبيرة في شامپين تبيع وتقايض السلع من جميع أرجاء أوروبا، والتي لم يخفق فرسان الهيكل من جني أقصى فائدة منها.

أطلق الازدهار الاقتصادي أيضاً ثورة ماليّة شهدت ولادة الأعمال المصرفية الحديثة. احتلّ فرسان الهيكل مكانة بارزة في عالم الأعمال المصرفية، وكانت لديهم مكاتب في كافة أنحاء القارّة الأوروپية. إضافة إلى أنّ استمرار حالة الحرب منح فرسان الهيكل الخبرة اللازمة لحماية وتأمين مبالغ طائلة من المال. إنّ أحد أهم أسباب نجاح فرسان الهيكل بالأعمال المصرفية هو ثقة الناس بهم. وقد منحهم الناس الثقة المطلقة؛ ليس بسبب أمانتهم وحسب، بل أيضاً لأنهم يملكون وسائل القوّة لحماية الأموال المدّخرة، حيث يملكون حصوناً ورجالاً مسلّحين مدرّبين لمرافقة انتقال الأموال إذا اقتضت الحاجة، وحافظوا على سمعتهم بالالتزامهم بإيفاء الأمانات والصدق في التعاملات والاتفاقات، ولذلك نجح فرسان الهيكل نجاحاً باهراً في الأعمال المصرفية غرب العالم القديم.

البقرات السِّمان

بنموّ الأعمال المالية وتوسّع شبكتها، أسّست مؤسّسة فرسان الهيكل أوّل مصرف مركزي في التاريخ الحديث، واتّخذت من باريس مركزاً لمقرّه.

كان مصرف فرسان الهيكل في پاريس يقوم بمعظم الوظائف المتعلّقة بالمصارف الحديثة، حيث كان يمنح القروض ويقبل إيداع المال في حسابات شخصيّة، وكانت لديه خزينة مفتوحة طيلة أيّام السنة، وبشكل خاص؛ عندما تكون الحاجة ملحّة في فترة جني الأموال في مرسم الحصاد. إضافة إلى أنّ المصرف أوجد حسابات منفصلة للناس، كانت مختصّة بتحويل العملات والتعامل مع التمويل.

الكثير من المهام التي نعرفها اليوم في المصرف الحديث أمكن أن نراها في مصارف فرسان الهيكل في پاريس ولندن، وفي أماكن أخرى كذلك، وقد أبكروا أيضاً في بعض مهام المصرف الحديث. كما يمكننا القول بأنّهم لعبوا دور شركات المحاسبة الحديثة، حين قاموا بتدقيق حسابات ملك فرنسا على سبيل المثال. إنّ دقّة فرسان الهيكل المالية التي لا تضاهى وروحهم المبادرة جلبت لجماعة الرهبان المحاربين ثروات طائلة ويداً في كلّ خزينة في البلاد المسيحية.

ارتقى التنظيم إلى قمّة المجتمع، ولم يكتف بالعمل لصالح التاج الفرنسي وحسب، بل قدّم التنظيم الاستشارة في مجال الأمن والضرائب لمعظم حكّام أوروپا الكبار؛ بمن فيهم ملك إنگلترا والبابا. لكن، بالنسبة لمعظم المراقبين تصاعد تذمّر من الاختلاف بين ما يجب أن يكون عليه التنظيم، أي فرسان الصليب الفقراء الذين يحاربون الكفّار، وبين ما بدا أن الجماعة أصبحت عليه، أرستقراطيّين أثرياء مع علاقات ملكيّة. رغم أن ثلث العائدات التي وفّرتها شبكة فرسان الهيكل كانت تُرسل إلى سوريا، لكنّ القليل من الناس في أوروپا شهدت نشاطاتهم في الأرض المقدّسة، ولمعظم الناس الذين سمعوا بالحملات الصليبية كانت بالنسبة لهم عبارة عن سجلّ من الهزائم والإذلالات.

سريعاً خسر الصليبيّون المواقع المسيحية المقدّسة، والّتي كانت تشكّل الهدف الرئيسي لفرسان الهيكل. إنّ إخفاقاتهم المتكرّرة في الأرض المقدّسة أصابت الكثيرين في أوروپا بالشكّ. فكيف يمكنهم تبرير هذه الثروات بينما يُفترض أن يكون الإخوان مجرّد فرسان فقراء يحاربون المسلمين لكسب رضى الربّ وحده؟

لعدة سنوات كان مؤرخي العصور الوسطى يعتقدون بأنّ الدوافع المالية أثّرت على جميع تصرّفات فرسان الهيكل في الأرض المقدسة، وحصار أي قلعة يمكن تفسيره بأنه طمع بالذهب والغنائم، ورفض المشاركة بأيّ هجوم يُنظر إليه على أنه ادّخار للتكاليف، والكثير من الحوادث المثيرة للجدل أظهرت الدوافع الماليّة في تفاصيلها. وأحدها مثلاً أسر رجل أيّوبي اسمه ناصر الدين؛ الذي كان هرب من مصر بعد انقلاب سياسي فاشل عام 1154، وتمّ أسره بواسطة المسيحيّين اللاتين، ثم سلّمه اللاتين لتصرّف فرسان الهيكل، وقام فرسان الهيكل بعدئذ ببيعه لأعدائه في مصر مقابل مبلغ ضخم من المال، ثم تعرّض للقتل على يد الغوغاء.

إن القصّة التي يرويها بعض المؤرّخين تذكر أن هذا الرجل أراد التحوّل إلى المسيحيّة، ولم يشكّل هذا أي أهميّة بالنسبة لفرسان الهيكل، حيث انصبّ اهتمامهم كلّه بالحصول على مال الفدية أكثر من حصولهم على مسيحيّ جديد ذو أتباع.

مؤنس بخاري، برلين، لمجموعة أطلس الخرائط

شارك بالمناقشة