الإعجاب القاتل

تم النشر في

علينا أن نقبل بواقعية أنّ تعليقات الانتقاد والتصحيح والتصويب على منشوراتنا على فيٓسبوك تبقى أعلى كمّاً من تعليقات الإضافة والتأييد التي تأتي عادة ممّن يتّفقون مع محتوى منشور. لكنّ هذه ليست طبيعة بشرية، ولا يعود هذا السلوك إلى رغبة مفترضة لدى الإنسان بتصحيح كلّ ما يعبر حواسّه.

في الواقع، دفعت أدوات فيٓسبوك؛ وغيره من منصّات التواصل المجتمعي، إلى الافتراض خطأ بارتفاع رغبة الانتقاد والتصحيح لدى الإنسان؛ من خلال مراقبة سلوك المستخدمين لهذه المنصّات. غير أنّ نتائج الدراسات العلمية والأرقام تخالف هذا الافتراض وتشير بوضوح باصبع الاتّهام إلى “زر الإعجاب” اللّعين، الذي تحوّل بفيٓسبوك إلى منصّة للانتقاد.

نتيجة للانتقادات الواسعة التي أطلقها خبراء علم الاجتماع منبّهين إلى خطورة هذا الزرّ على طبيعة التفاعل البشري، تسعى شركة فيٓسبوك ومنذ بداية 2018 إلى تطوير خوارزميتها وواجهات منصّتها على الهواتف بشكل يحفّز الناس اتجاه كتابة التعليقات أكثر، حيث أدركت طواقم الشركة الكارثة التي أوقعها التركيز على زرّ الإعجاب طوال السنوات الفائتة. 

ونلاحظ هذا التغيير فعلاً من خلال تقليص مساحة زر الإعجاب شكلاً أكثر فأكثر مع إتاحة الإمكانيات أكبر لإتمام محادثة فعّالة على فيٓسبوك.

سنة 2018 غرّد رئيس فريق النيوزفيد (آخر الأخبار) في فيٓسبوك آدم مورِسي قائلاً أنّ “التعليقات تميل إلى أن تكون أكثر جدوى من الإعجابات” وأنّ “التعليقات الأطول تميل إلى أن تكون أكثر جدوى للمتلقّي من القصيرة”. وبهذه التغريدات عبّر مورِسي عن النهج الجديد الذي تسعى فيٓسبوك لتطويره في منصّاتها، والذي أفضى أخيراً إلى تطبيق سياسة جديدة على إنستگرام؛ كتجربة، حيث صار إنستگرام إلى إخفاء عدد الإعجابات على منشورات التطبيق في الولايات المتحدة الأميركية.

ترى فيٓسبوك أنّ التعليقات على فيٓسبوك وإنستگرام تستخدم أحياناً كوسيلة إضافية لمشاركة المنشورات، حيث يقوم المستخدمون بتاگ أصدقائهم في التعليقات، ما يضع تنبيهاً في قائمة تنبيهات الصديق يدفعه لمشاهدة محتوى المنشور ذاك. هذا السلوك دفع فيٓسبوك لتطوير التعليقات على الصفحات العامة بإضافة إمكانية إرسال المنشور في رسائل ماسنجر مباشرة من خلال التعليقات.

تقول فيٓسبوك اليوم أنّ 86٪ من التعليقات تذهب إلى المنشورات التي تحتوي على ڤيديو، بينما تذهب 14٪ من التعليقات إلى المنشورات التي تحتوي على صورة. وهذا ملفت لما نراه من ازدياد رغبة الناس بكتابة التعليق على ڤيديو بينما تكتفي غالباً بالتفاعل مع الصورة بنقر الإعجاب. فما الذي يثير حافز الشعور بضرورة التعبير عن رأي مقابل ڤيديو، رأي لا ترى الناس في زر الإعجاب تعبيراً كافٍ عنه؟

هذا مع الانتباه إلى أنّ مقاطع الڤيديو والصور هي التي تنال 90٪ من كمّ التفاعل على فيٓسبوك، بحسب مدوّنة الشركة.

وللإجابة عن السؤال السابق، تشير وكالة نيوزويپ إلى أنّ الناس على فيٓسبوك ميّالة إلى التعبير عن آرائها في تعليقات بسبب غياب زر عدم الإعجاب (ديسلايك)، حيث تميل إلى الاكتفاء بنقر زر الإعجاب، إعجاب أو قلب أو أضحكني… للتعبير عن رأي يؤيّد محتوى المنشور، بينما لا تجد زراً للتعبير عن عدم الاتفاق مع المحتوى، ما يحفّزها أكثر نحو كتابة الرأي الناقد في تعليق.

لذا تنتشر على فيٓسبوك ظاهرة التأييد بصمت مقابل ضجيج صاخب لأصوات الاعتراض، حين يكتفي المؤيّد بنقر إعجاب على منشور اتّفق مع محتواه؛ بينما يكتب المعترض تعليقاً، تراه بقية الناس؛ على عكس الحجم الفيزيائي لزر الإعجاب.

في الخلاصة، تنصح مدوّنة فيٓسبوك مستخدميها من صانعي المحتوى إلى الانتباه إلى النقاط الثلاث التالية:

– مقاطع الڤيديو والصور دائماً ما تتلقّى النسبة الأعلى من التفاعل على فيٓسبوك.

– “تعليق المشاركة” (مشاركة المنشور من خلال تعليق) قد لا يكون بالضرورة صنف من صنوف “التفاعل المجدي”.

– المنشورات التي تحتوي على رابط خارجي تنال قسطاً واضحاً من التعليقات فقط إن كانت تحتوي على محتوى سياسي أو مثير للجدل بطبيعة إشكالية.

أخيراً: “التفاعل المجدي” هو ما يفعله خبراء لغة التواصل حين يقومون بالتركيز على فحوى الرسالة التي يريدون نقلها بدلاً من شكلها. وكان طرح اللّغوي الأمريكي ستيفن كراشن Stephen Krashen نظرية التفاعل المجدي meaningful interaction سنة 1988. وأنصحك بقراءتها.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

شارك برأيك