عمل فنّي من تنفيذ مؤنس بخاري على بطاقة الميلاد الألمانية الرسمية

صورة جسر أوبرباوم تصوير مؤنس بخاري

هذه التدوينة جمع أربع منشورات نشرتها على فيٓسبوك خلال سنة 2019، رويت فيها تجربتي مع وزارة الخارجية الألمانية، حين تمّ تكليفي لتنفيذ عمل فنّي يُطبع على البطاقة البريدية التي توزّعها الحكومة الاتّحادية الألمانية على حكومات العالم، بمناسبة عيد الميلاد.

آنذاك كنت أوّل فنّان سوريّ ينال هذا التكليف من الحكومة الألمانية، وأوّل عربي، وأوّل عمل فنّي غير ألماني تهنّئ به الدبلوماسية الألمانية دبلوماسيات العالم.

في يوم 27 آب 2019 كتبت

اليوم أتممت اجتماعاً رفع كثيراً من معنوياتي بعد فترة نالني فيها الشكّ في مذهبي الفنّي ونظرتي الفنيّة.كلّ عام تختار وزارة الخارجية الاتّحادية في ألمانيا عملاً فنيّاً لفنّان ألماني، كي تكون صورته على واجهة البطاقات البريدية التي ترسلها الوزارة لتهنئة دبلوماسيّي العالم بأعياد كانون الأول ديسمبر والسنة الجديدة.هذه المرّة اختارتني وزارة الخارجية لتقديم عمل فنّيّ يُطبع على البطاقات الألف التي ستوزّعها ألمانيا لتهنئة العالم بمناسبة الميلاد وأعياد نهاية العام، فاجتمعنا في مبنى وزارة الخارجية في برلين، واتّفقنا اليوم على الثيم والألوان والمقاسات وبقي تحديد المعلم البرليني الذي ستطبعه لقطتي الفوتوگرافية لتزيّن واجهة البطاقة.طبعاً لا شيء أكيد 100٪ بعد، إذ علينا انتظار موافقة سعادة وزير الخارجية على الصورة في تشرين الثاني نوڤمبر وأمامنا أسابيع من العمل، لكنّني سعيد جداً بهذا الاختيار، وفخور جداً لكوني أوّل فنّان غير ألماني يتمّ اختياره لتقديم صورة بطاقة الميلاد الألمانية… لأوّل مرّة ستحمل بطاقة التهنئة الدبلوماسية الألمانية؛ عملاً فنياً أجنبياً، وسيكون عربياً من سوريّ.

في يوم 25 أيلول 2019 كتبت

شاركتكم سعادتي قبل فترة باختياري لتقديم عمل فنّي فوتوگرافي لبطاقة الميلاد السنوية الألمانية، التي سترسلها وزارة الخارجية الألمانية لتهنئة حكومات دول العالم بالميلاد ورأس السنة. وسعادتي غامرة كوني أوّل فنّان غير ألماني يقدّم عملاً فنياً لهذه البطاقة، التي ستحمل لأوّل مرّة فنّاً أنجزه سوريّ.
اليوم أشارككم فرحتي من جديد، حيث استلمت ترخيصاً هو الأوّل من نوعه في ألمانيا، يسمح لي استثناءً بتطيير طائرتي الدرون فوق وسط برلين (حي ميتّه) متى أردت، بما يسمح لي بإنجاز الصورة المطلوبة. ومنطقة وسط برلين محرّمة تماماً على طائرات الدرون أمنياً بسبب احتوائها على المباني الحكومية الاتحادية، ولطالما طردتني الشرطة منها مع طائرتي.
أحلم بهذا الترخيص منذ سنوات، وأسعى للحصول عليه منذ ثلاث سنوات، ولطالما اشتكى المصوّرون من استحالة الحصول على إذن للطيران فوق برلين بسبب الحساسية الأمنية للمنطقة وبسبب تعقيدات قوانين الدرون الألمانية. لذا فشعوري بهذه الورقة اليوم يشبه شعور طير تحرّر من قفص بعد أسر سنوات!
سعيدٌ جدّاً بما سأقدّمه لبلدي الأم سوريا وللسورييّن في ألمانيا من سمعة طيّبة، وكما أخبرت موظّفي وزارة الخارجية الألمانية في اجتماع اليوم. وجود اسم سوريّ في هذا المشروع هو ردّ جميل في وجه من يتّهمون اللاجئين السوريين في ألمانيا بغير النجاح وقلّة العمل.

في يوم 12 تشرين الثاني 2019 كتبت

أخيراً، تمّت طباعة البطاقة وصار بإمكاني نشر الصورة على فيٓسبوك.
من بعد موافقة السيّد وزير الخارجية الألماني على الصورة، أمس اعتمدنا النسخة النهائية من البطاقة البريدية التي ستعايد بواسطتها ألمانيا دبلوماسيّي العالم بمناسبة الميلاد ورأس السنة الجديدة، والبطاقة الآن (هذه اللّيلة) قيد الطباعة حيث ستوزّع منها وزارة الخارجية الألمانية 1500 بطاقة حول العالم، تصل؛ قبل عطلة الميلاد، إلى الدبلوماسيّات العليا ذات التواصل مع الحكومة الاتحادية الألمانية.
صدقاً، ومنذ اللّحظة الأولى للمشروع في حزيران الماضي، لا تغادر ذهني جمالية الحدث، حيث ستعايد ألمانيا العالم هذا العام بعمل فنّي سوريّ… ألسنا مفخرة للعالم أجمع؟ نعم، نحن إنجاز حيث حللنا.
هذه المرّة الأولى التي تختار فيها الحكومة الاتحادية عملاً فنيّاً لفنّان غير ألماني لطباعته على بطاقة الميلاد، والمرّة الأولى أتى فيها الاختيار على عربيّ، سوريّ، فقدّمت عملاً جديداً نفّذته خصّيصاً للبطاقة.
الطباعة على ورق أسترا راق جدّاً وبصراحة فاجأتني جمالية هذا الورق، من حيث المظهر والملمس الفخم الكلاسيكي من داخل البطاقة، بينما يعرض الوجه الخارجي الصورة وكأنّها مطبوعة على ورق كوتد شديد الوضوح وبألوان حقيقيّة. وستحمل كل بطاقة من الداخل توقيع السيد الوزير هايكو ماس Heiko Maas، رأس وزارة الخارجية الاتحادية لألمانيا.
التقطت الصورة لجسر أوبيرباوم في برلين ساعة الغروب واخترت هذا الموقع بسبب خصوصيةٍ تاريخيةٍ للجسر وموقعه العام. إذ أنّ قليلاً من اللألمان اليوم يعلمون أنّ أهل برلين منحو جسر أوبيرباوم لقب جسر اللاجئين خلال فترة الحرب الباردة، حين قسّم جدارٌ المدينة. وكثيراً ما عبر النازحون من ألمانيا الشرقية صوب الغربية على أو تحت هذا الجسر، أملاً بتجاوز الجدار والأسلاك الشائكة والحدود السياسية التي كان قد خطّها الاحتلال لتقطيع البلد.
كنت كتبت تدوينة قصيرة عن جسر أوبيرباوم سلفاً، وتركت رابطاً لها في التعليقات لمن يحبّ الاستزادة.
نلاحظ جليّاً اختلاف النمط المعماري بين شرق برلين (يمين الصورة) وغرب المدينة (يسار الصورة)، هذه من آثار حدود الاحتلالات التي قطّعت مدينة برلين طيلة خمسة عقود؛ تطوّر أثناءها كلّ نصف من المدينة مختلفاً عن الآخر، مع ذلك تتعايش اليوم برلين مع نفسها، بينما تسعى أجزاء المدينة للتقارب والتشارك أكثر فأكثر.
على الشرق نرى كثافة ورشات إعادة الإعمار التي لم تزل تعمل طيلة العقود الثلاث الماضية، ومنذ انهيار جدار برلين السوڤييتي الشهير. بينما يتجه القطار من الغرب نحو اليمين ناقلاً ومسرعاً صوب شرق المدينة.
تقصّدت اختيار ميعاد الغروب لصورتي؛ إذ أنّ جميع الصور المشهورة عن برلين تقدّمها مدينة جافّة و”عصريّة” مع الكثير من الأجواء الصناعية والاقتصادية القاسية، لكنّي وقد أقمت في هذه المدينة ستّ سنوات حتّى اليوم بتّ أرى فيها رقّة ورومنسية، تغيب عن التصوّر المطبوع في أذهان الناس حول العالم.
لذا فقد بادرت طيلة العامين الماضيين بإدارة صفحة على إنستگرام تجمع أهمّ فوتوگرافيّي برلين وتقدّم الوجه الرومنسيّ الدافئ للمدينة باسم “غروب الشمس في برلين” Berlin’s Sunset، ونجحت في لفت أنظار السيّاح والزوّار، وحتى السكّان، إلى هذا الجانب الساحر من مدينة؛ عرفت من المرارة ما يقدر على صناعة الحلاوة بلا سكّر.
وهكذا كانت صورتي لغروب الشمس الرومنسيّ خلف جسر أوبيرباوم وخلف كلّ التاريخ القاسي، وخلف الجانب الغربي الدافئ من المدينة، حيث لم يزل النصف الشرقي مشرقاً بكلّ همّة.
جسر أوبيرباوم برلين تصوير مؤنس بخاري لصالح وزارة الخارجة الألمانية
جسر أوبيرباوم برلين تصوير مؤنس بخاري لصالح وزارة الخارجة الألمانية

في يوم 14 كانون الأول 2019 كتبت

دعتني وزارة الخارجية أمس الجمعة لحضور حفلة عيد الميلاد في النادي الدولي، أعلى أحد مباني وزارة الخارجية الألمانية. وبينما انشغل الناس بالرسميات والحلويات والمشروبات، شغلتني هذه الصورة التي انتهزتُ الفرصة والتقطتها بهاتفي من نافذة قاعة الاحتفالات.
لم أصدّق الاسم بداية حين قدّمتني السكرتيرة المضيفة للشخص الذي يرحّب بجميع الضيوف من على باب القاعة، لذا؛ طلبت إعادة الاسم. “إنه السيد هايكو ماس رئيس مكتبنا ووزير خارجية ألمانيا.” السيد الوزير يستقبل ضيوف الحفل شخصياً ومنفرداً على باب قاعة الاحتفالات، لكأنّه يستقبل الحضور في مضافته، والضيوف هم موظفوا الوزارة أنفسهم!
شكرني السيد الوزير على العمل الفنّي الذي انطبع على بطاقة عيد الميلاد البريدية الألمانية لهذا العالم، وقدّم لي نسخة من البطاقة موقّعة بقلمه شخصياً… قال مازحاً: “هي صورتكم نعيدها لكم مع توقيعنا! كان المفروض أن نرسلها بالبريد، لكن وطالما سنراكم اليوم فها هي”، وقدّم لي المظروف المختوم وفيه البطاقة.
سعيد جداً بما استطعت تقديمه لإخوتي السوريّين، من إمكانيّاتي البسيطة، وها هي البطاقة قد أُرسلت بريداً تعايد جميع دبلوماسيّات العالم باسم الجمهورية الاتحادية الألمانية بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة، بعمل فنّيّ سوريّ خالص.
هكذا يكون الردّ الأجمل على ادّعاءات القوميّين العنصرية، نحن السوريّين مفخرة تباهي بعملنا ألمانيا، وتبادر لإمتاع الآخرين بما نصنع.
أملي أن تنتشر أعمال الفنّانين السوريّين مفخرة لكلّ حكومات العالم، فتدعمها شعوب العالم، وينالنا بالتالي الدعم نحن أهلها وأصحابها. ولا أزعم أنّني أفضل فنّاني ألمانيا من السوريّين، ولا أدّعي ميزة على أحد. لذا فإنّي على ثقة أنّ الفنّانين السوريّين في ألمانيا قادرون على تقديم ما هو أفضل وأكثر حضوراً واستمكاناً ممّا أنجزت.
احتفال وزارة الخارجية الألمانية بالميلاد كان بسيطاً في برلين، وقد انتهت فترة الدوام قبيل بداية عطلة الأعياد. بعض أناشيد الميلاد جماعة بالإنگليزية والألمانية، وهي المرّة الأولى هذا العام التي ينشد فيها الحفل بالإنگليزية، كما أخبرتني السكرتيرة المضيفة. بالإضافة إلى بعض المشروبات والحلويات اللطيفة.
باكرة؛ لكن لي رغبة في كتابتها، كلّ عام وأنتم جميعاً بخير.
بينما انشغل الناس بالرسميات والحلويات والمشروبات، شغلتني هذه الصورة التي انتهزتُ الفرصة والتقطتها بهاتفي من نافذة قاعة الاحتفالات.

آنذاك نشرت صحيفة القدس العربي خبراً عن التجربة بعنوان “للمرة الأولى في تاريخها… صورة بعدسة لاجئ سوري تزين بطاقة ألمانيا الرسمية للتهنئة بأعياد الميلاد” موجود على الرابط التالي:

الخبر على موقع صحيفة القدس العربي

كانت تجربة ثرية سمحت لي برفع اسم بلادي التي أنشأتني في ديار الاغتراب.

شارك برأيك