المجدّرة بين المطبخ والأسطورة

تم النشر في
مجدرة
مجدرة

اليوم مشورتنا المجدّرة، هذي الأكلة المقدّرة. لكن، من وجهة نظر ميثولوجية نوعاً ما، لنحكي القليل في تاريخ المجدّرة، من وجهة نظر الأساطير.

إلى اليوم ما من وجود لدراسة تاريخيّة دقيقة تعطي تاريخاً واضحاً للمجدّرة. وكلّ المتداول عنها مجرّد أساطير. لكن، من كثرة الأساطير حواليها صار واضحاً أنّها أكلة قديمة جدّاً في منطقتها شمال الشرق الأوسط، وترجع بوجودها إلى بدايات عصر الزراعة، ربّما. أقدم ذكر للمجدّرة باسمها الصريح نجده في كتاب الطبيخ الثاني للبغدادي المكتوب في بغداد سنة 1226، لكن وصفة المجدّرة المذكورة في كتاب طبيخ القرن 13 مختلفة عن الوصفة التي نعرفها ونتداولها اليوم. ومكوّنة من لحم مع رز وعدس. وبحسب البغداديّ كانت وجبة تُقدَّم في الأعراس. وسبب تسميتها بالمجدّرة، وبحسب البغدادي كذلك، من اسم قدر الطبخ العراقية ”چدر“ فكان اسمها بلفظ أهل العراق ”مچدّرة“. لكن، وبحسب لسان أهل العراق كذلك؛ نجد أنّ كلمة ”مچدّرة“ معناها ”مقدّرة“ بالشامية، ما يعني “ذات قدر وقيمة”.

وبحسب البغدادي في القرن 13، شاع طبخ نسخة أرخص من هذه الأكلة المقدّرة في مطابخ الفقراء، خالية من اللّحم والسمن، ومكوّنة من العدس مع البرغل بدلاً عن الأرز، ومطبوخة بالزيت. غير أنّ دراسات أعمق في التاريخ تُظهر أنّ استبدال الأرز بالبرغل والاستغناء عن اللّحم في الجزيرة لا يعود إلى الفقر. ذلك أنّ أغلب أهل الجزيرة كانوا ممّن يقلّل من أكل اللّحم ويفضّل الأكل النباتي بسبب تقاليد تعود إلى أديان سبقت الإسلام. كما أنّ البرغل محصول محلّي مقرّب لأبناء الجزيرة، على عكس الأزر الوارد من تركستان في ذلك الزمن.

منذ ما قبل القرن 13، يحتفي اليهود العرب بأكلة مطابقة تماماً بوصفتها للمجدّرة الشائعة اليوم في سوريا وفلسطين، وتسمّيها اليهود “أكلة عيسو”، بسبب الأسطورة التي تقول أنّ عيسو الصياد دخل على أخوه اسحق مرّة وكان اسحق يطبخ عدساً مع قمح، فبادل عيسو صيده بوجبة من طبخ أخيه وأكلها، ومن يومها صار عيسو يصيد لأخيه في مقابل طبخة عدس وقمح من محصوله كل يوم… ولعلّها أسطورة ترمز إلى التصالح الاجتماعي ما بين مجتمعيّ الصيّادين والمزارعين. ومن تقاليد اليهود أكل المجدّرة مرّتين في الأسبوع، ساخنة مساء يوم الخميس وباردة نهار يوم الأحد. واليهود المقصودين هم المزراحيّون من أبناء سوريا وفلسطين ومصر فقط، دوناً عن يهود بقية أنحاء العالم.

المسيحيّين العرب المشرقيّين يعتبرون المجدّرة من المطبخ الصيامي، وإذا نظرنا فيها نظرة واقعية؛ نجد أنّ المجدّرة ذات قيمة غذائية عالية بشكلها الشائع: برغل وعدس وزيت زيتون وبصل. كمّية هائلة من الطاقة تكفي وتفي. ووجبة منها مع صحن سلطة تُغني عن غيرها من الأكلات لبقيّة اليوم. والنسخة العراقيّة القديمة من المجدّرة، التي فيها لحم، ذات قيمة غذائية أكبر حقيقةً، وجرّبتها عدّة مرّات، وفي كلّ مرّة آكل منها ترتفع حرارة جسمي ويقلّ إحساسي بالبرد، وأكتفي بوجبة وحدة في اليوم.

أسطورة يهودية ثانية عن المجدّرة يتداولها يهود سوريا وبالأخصّ يهود دمشق. تحكي عن اختراع إبراهيم الخليل لطبخة المجدّرة قبل 5000 سنة في منطقة جوبر الدمشقية. وتروي الرواية عن قبيلة كلدانية سرقت ظعن إبراهيم مع ابن أخيه لوط؛ الذي كان راعيهم آنذاك. ولحق إبراهيم بالقبيلة السارقة حتّى لاقاهم على الطريق في جوبر وهم ظاهرين باتجاه الشمال. وصارت معركة حامية انتصرت فيها جماعة إبراهيم واسترجع لوط مع مواشيه. واحتفالاً بهذا النصر؛ طبخ إبراهيم الخليل لجماعته عدس مع قمح مجروش، وأقام مزاراً في جوبر مكان المعركة؛ كان عليه كنيس إلياس )الذي ناله التدمير في القصف الأخير على جوبر(. لكن بالنسبة لأهل جوبر، تمّ بناء كنيس إلياس على مغارة كان يتعبّد ويتأمّل فيها النبي إلياس، وليس بسبب معركة بين إبراهيم الخليل وكلدان أور.

أسطورة ثالثة تحكي عن المجدّرة بشكل مختلف تماماً، لكن فيها سيرة معركة كذلك. وهذي الأسطورة الثالثة تحكي عن شعبين، واحد كان أكله قائم على العدس بشكل أساسّي، والثاني كان أكله قائم على القمح بشكل أساسي. وصارت حرب في سوريا تقاتل فيها شعب العدس مع شعب القمح، وحرّم شعب العدس على أنفسهم أكل القمح (حتى لا يشتروه من شعب القمح) وبادلهم شعب القمح نفس التصرّف. وبعد سنوات طويلة من الحرب والقطيعة، صارت معركة انتصر فيها ملك أحد الطرفين، وكرمى لتعميم السلام والاتحاد بين الشعبين، طبخ هذا الملك حلّة كبيرة (قدر) خلط فيها عدس مع حنطة، حتّى يكسر حرمة أكل هذي الحبوب على الطرفين، وصار أكلها حلال في بيوت الشعبين، وبالتالي عمّ السلام وانتهت هذه الحرب الدينيّة، واجتمع الشعبين في شعب واحد.

فعليّاً، ثبت من التنقيبات الأثرية أنّ أهل كنعان (الفنقيين) كانوا من شعوب العدس، ومصدر هذا العدس كان منطقة محافظة إدلب ووادي العاصي بالعموم. بينما كانت دمشق والجولان وحوران والجليل من شعوب القمح، وهو الشعب المذكور في التاريخ الأكّدي باسم المورو (أمُرّوم)، بمعنى المغاربة، وهم كذلك المذكورون في التاريخ البابلي باسم الآراميّين. وفي تاريخنا السوري المعاصر مشهور عن المعرّة خبز المعرّة القديم المعجون من طحين العدس، ولم تزل رحى طحن العدس الحجرية الكبيرة تنتظر في بعض مواقعها الأثرية طيلة آلاف السنين. والمعرّة عموماً واحدة من أقدم مواطن زراعة العدس في العالم، تعود زراعة فيها إلى تسعة آلاف سنة مضت. وأهل المعرّة في الأساس من عرب تغلب؛ وكانوا مسيحيّين من المسيحيّين الأوائل.

ربّما كانت هذه الأسطورة الأخيرة تحكي عن معركة صارت بين الكنعانيين والمورو الآراميّين، واكتمل الصلح بينهم باختراع طبخة المجدّرة، وصار الكنعانيّون يبيعون العدس للآراميّين مقابل القمح الشامي، أو مقابل لحم مواشي المورو. لربّما تكون هذي الفرضية صحيحة، ولربّما يكون شعب آخر وزمن ثانٍ مختلف، ولربّما تكون الأسطورة كلّها غير حقيقيّة.

لكن بالخلاصة، المجدّرة المقدّرة، سواء عراقيّة أو سوريّة، هي وجبة ألفة وسلام، وطبخة مقدّرة.

هل تعرف أساطيراً أخرى عن المجدّرة؟

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن باحث، هوايتي علوم التاريخ والتنقيب في أصول الكلمات

تعليق واحد

شارك برأيك